الشاعر في مجموعته الأولى

الاثنين 2017/07/10

حين يصدر الشاعر ديوانه الأول فكأنه يبني الضفة الأولى لنهر الكلام، كلامه الذي سيتضاعف ويتعقد وترتفع مناسيبه مجموعة بعد أخرى. والمجموعة الأولى قد تكون مأزقاً للشاعر إذا لم يكن لديه ما يقوله بعدها. وقد تكون صيحة لا تعني شيئاً، لكنها تضاف إلى حقل من الضجيج المتشابه. وربما تشكل مجموعته الأولى خميرةً لمصيرٍ شعريّ مثير للانتباه إذا أحسن الشاعر تربيتها؛ أي أن هناك مآلاتٍ ثلاثة، تتوقف جميعاً تقريباً على موهبة الشاعر، وعلى وعيه، وعلى ثقافته.

وربما بدت مجموعتي الأولى “لا شيء يحدث.. لا أحد يجيء “، وكأنها محاولة للتعامل، بطريقة خاصة، مع اللغة، والصورة، والإيقاع. وكانت مغامرة بالنسبة إلى شاعر يصدر ديوانه الأول أن يظن، ومنذ البداية، أن باستطاعته أن يربك إيقاع الموج أو يترك بعض الخدوش على ثلاثة أعمدة من أعمدة القصيدة المتعارف عليها.

ويبدو لي أن تعاملي مع هذه الأعمدة الثلاثة لم يكن ناتجاً عن جرأة مجردة على اللغة، أو استخفاف بالإيقاع الشعري. ولم يكن أيضا مبالغة في تقدير الصورة الشعرية في حد ذاتها. بل كان وليد رغبة مني منذ البدايات، في أن أكون مختلفاً عن جيلي.

كانت اللغة شاغلي الأول في تلك المجموعة، حتى أنني كنت أبالغ أحياناً في العناية بها، وتنقيتها من حسك الطريق وما يتساقط من ثياب المارة. ولأنني شديد النفور من الثرثرة الشعرية والتعبير المطول، حد التخمة، عن معنى ما، كنت أتمادى في العمل أحياناً على أن يكون النص الذي أكتبه موجزاً وخالياً إلى أقصى حد ممكن، من النتوءات والاستطالات والباروكات اللغوية الفائضة عن الحاجة. كنت كمن يسعى إلى قصيدة ممعنة في قصرها، قصيدة ملمومة، مكتفية بذاتها.

أما ولعي بالصورة فكاد يصل إلى حد الهوس. وحتى هذه اللحظة لا أجد مبتغاي في القصيدة التي تهرول إلى معناها مباشرة، دون جهدٍ يضبّب المعنى ويخفف من ملامحه الحادة. كنت أعتقد أن القصيدة لا تدل على نفسها إلاّ من خلال عناية فنية لا تكتم أنفاس النص، ولا تقوده إلى مصير قسري يفرضه الشاعر. وظلّ ذلك النزوع إلى التعبير بالصور يرافقني في معظم كتاباتي الشعرية اللاحقة، مع أنني كنت أسعى إلى جعله أكثر انضباطاً قدر ما أستطيع.

ولم يكن ميلي إلى الإيقاع إلاّ جزءاً من توجّهٍ كنت أحاول ترسيخه في ما أكتب من نصوص. كنت أرى أن الإيقاع كان وسيظل، ولكن بدوافع جمالية ودلالية جديدة، مكوناً شعرياً مهماً إذا أحسن الشاعر تمثّلَ قيمته والكشفَ عن إمكانياته. ولا أعني بالإيقاع هنا، مَدَيات البيت الشعري الموروث، الجاهز، أو المعد سلفاً، فقط، بل ما في اللغة ذاتها من فيض كامن من الليونة والتموج والحوار بين المكونات. كنت أحاول، في هذه المجموعة، عرقلة بعض الأوزان الشعرية وتهدئة لهاثها المتسارع. ولم أكن أبالي أحياناً حتى بارتكاب بعض الوقفات الوزنية من أجل تحقيق هذا الغرض.

دخلتُ بمجموعتي الأولى تلك، إلى مشهدٍ شعريٍّ صاخب، دخولَ اليتيم الذاهل في سوق يضج بالباعة الفرحين. قبائل أيديولوجية تتصايح على بعضها البعض، وتعرض بضاعتها بإغراءات مدروسة بعناية. كان هناك شعراء موهوبون حقاً، وشعراء أقلّ موهبة لكنهم أكثر ذكاء. أما البعض الآخر، وهم كثيرون على أية حال، فشعراء دفعتهم إلى الواجهة رافعات نقدية مؤدلجة، تحتفي باليقين الماركسي أو القومي الذي لا سند واقعياً يؤيده.

وفي الوقت الذي لم أجد، في بغداد، مثلاً، إلاّ تغطياتٍ صُحفيةً عابرة لهذه المجموعة، كان محمد شكري يحتفي بها، في جريدة المحرر المغربية، بحماسة عالية: “صادمةٌ جِدّةُ هذا الشعر”. غير أن الالتفات إلى خصوصيتها اللغوية واجتهاداتها الإيقاعية والبلاغية لم يظهر إلاّ لاحقاً في ضوء ما ظهر من مقاربات نقدية تحتفي بشعرية النصّ بطريقة جديدة.

يمكنني القول إن مجموعتي الأولى “لا شيء يحدثُ.. لا أحد يجيء”كانت تمريناً شعرياً جريئاً، أمدّني بالكثير من ترف اللغة وجذل الصورة والافتتان الطفولي بالإيقاع، وقد ظلّ ذلك جزءاً مما أحاول الحفاظ عليه من تقنياتٍ وجمالياتٍ في النصّ الشعريّ الذي أسعى إلى كتابته.

شاعر عراقي

14