الشاعر كاظم الحجاج يؤثث عالما بعيدا عن الحروب الخاسرة

الجمعة 2015/01/16
كاظم الحجاج: قد يصير الشاعر قناصا

الشاعر كاظم الحجاج من شعراء البصرة الذين كتبوا قصيدة التفعيلة منذ ستينات القرن العشرين، إلى جانب الشعراء حسين عبداللطيف وعبدالكريم كاصد ومحمد طالب محمد ومصطفى عبدالله وغيرهم.

ينشئ الحجاج في مجموعته “غزالة الصبا”عالما موحدا فيه حنين جارف للحياة البسيطة المتآلفة والمتحابة، حياة العراقي الجنوبي الذي يقول على لسان عريف متقاعد اسمه حطاب: “لا أزرع من أجل الأكل، ولا للزينة لكني أزرع تعويضا”.

منجز كاظم الحجاج الشعري يتميز ببساطة لغته وميله إلى بناء عالم ساخر تحكم نهاياته مفارقات تضفي على القصيدة نكهة وتميّزا خاصّين به ويتضح ذلك في دواوينه التي أصدرها منذ السبعينات وهي “أخيرا تحدث شهريار”، بغداد (1973) و”إيقاعات بصرية”، بغداد (1987) و”غزالة الصبا” عمّان (1999) و”ما لا يشبه الأشياء”، بغداد (2005) و”جدارية النهرين”، دمشق (2011).

وتتضح وجهة نظر الشاعر في معظم قصائده التي تضمنها الديوان باتجاه يمجّد حياة الجماعة، وهي وجهة نظر قارة اشتغل عليها الشاعر في معظم نتاجه الشعري فهو شاعر لا يملك هموما ذاتية خاصة، بل تنحصر معاناته في معاناة الآخر المهمش، البسيط من الناس.

نجد في صوره الشعرية وسرده الشعري وتقنياته التي تستفيد من السينما وبقية الفنون توظيفا موفقا لحياة الجنوبي النبيل والكريم وحامل المبدإ الإنساني، الذي يعلي رتبته في قصائده القصيرة والطويلة، متخذا من همومه وضياع حقوقه وتبدّد حياته أنموذجا للدفاع عنه مرة بالسخرية المرة من مضطهديه، ومرة أخرى بوصف أعماقه وتشوفاته الصافية، بمفارقات يغلب عليها طابع المرح.

إنه واحد منهم، ابتداء من “أنا هو السومري” الذي يهتف: “لأني نحيل لم أكلف الرب طينا ليخلقني”، وصولا إلى العريف حطاب الذي يقول: “دخلت فيه الحرب، وألبسته طبع الجندي: وأنا فلاح يا بنتي، لكن الحرب/ قد تلبس فلاحا طبع الجندي/ وتنمر من يتردد في سحق النملة/ ويصير الشاعر قناصا”.

عالم الشاعر كاظم الحجاج شديد الخصوصية بأساليبه المبتكرة ومجازاته التي تميزه عن غيره من الشعراء


بنية المفارقة


يتضمن ديوان “غزالة الصبا” ثلاثين قصيدة قصيرة أغلبها قصائد تفعيلة، في حين تقتصر القصائد الطويلة على عدد قليل، مما يعني أن هذا الديوان مكرس في بنيته الكلية على التكثيف العالي والتوهج والتركيز الذي تتسم به قصيدة النثر، وعلى الرغم من توفر الوزن في معظم هذه القصائد (بحر الخبب أو الرجز) فإن الشاعر يعمد إلى عرقلة انسيابية حركتها باستثمار زحافات متنوعة بالحذف أو الإضافة إلى البحور الشعرية باتجاه الإبطاء، الذي يضعها ضمن إطار قصيدة النثر، ولينشئ مجالا بصريا وتأمليا لقارئ هذه القصائد.

ويلاحظ في بنية هذه القصائد أنها تعانق مجرى الحياة في حركته الرتيبة، وسيولة الزمن البطيء فيه، غير أن الشاعر يلجأ إلى المفارقة الساخرة التي تفجر الدلالة وتضفي على الجمل الشعرية الرتيبة حيوية فائقة وامتلاء يعلو بها إلى مصافي الشعر الجميل.

ونرى أن بنية المفارقة الساخرة في شعر الشاعر كاظم الحجاج، لا تنتمي إلى المفارقات اللغوية التي ابتكرها الشعراء العرب من خلال المجازات الشعرية المعروفة كالاستعارة والكناية والتشبيه وغيرها، بل تنتمي إلى بنية الصورة الشعرية المستقاة من حياة الناس وتوظيف مفردات الطبيعة وغيرها مما يحيط بالإنسان أو استخداماته المتنوعة، إضافة إلى المجازات الحديثة التي كرستها قصيدة النثر في الاستفادة من الفنون المجاورة كالسرد والسيناريو والحوار.

كما أن هذه المفارقة تبنى بالتحديد في قصائده القصيرة باستثمار الصور الحسية التي توفرها الكائنات الطبيعية كالنبات والحيوان أو من خلال اشتقاقات مبتكرة من اللغة لتكريس علاقات غير متجانسة لتصبح متآلفة ضمن النسيج اللغوي للقصيدة من خلال صور حسية محسوبة بدقة وذكاء.

في قصيدة “الفجر” يطمح العنوان بحمل دلالة أعمق تخص المستقبل المشرق بإنشاء جمل مشهدية ذات أفعال منفية بما النافية وأداة الجزم “لم”، تصور حشودا ساكنة وغير فاعلة من الفلاحين والعمال والرعاة وحشد من الجميلات باستثمار واو العطف التي تسهل الانتقال من مشهد ساكن إلى آخر مثله وصولا إلى جملة المفارقة التي تعلن: “فإن صياح الديك وحده/ لن يصنع فجرا جديدا”.

ونلاحظ في بنية جملة المفارقة تمرّدها على الجمل السابقة عليها التي تجيء كتفسير أو لتدشين معنى محدّد يريده الشاعر، وهذا التمرد يتجسد في المعاني والدلالات التي تنتجها جملة المفارقة إذا قرئت لوحدها، فجملة المفارقة في قصيدة توحيد “مجد الرمانة حب الرمان” هي جملة شعرية مكتفية بذاتها ولا تحتاج إلى ما قبلها كي تنتج دلالة التوحيد.

قصائد تنقل هموم الإنسان البسيط وضياع حقوقه وتبدد حياته وتصف أعماقه وتشوفاته الصافية

غير أن فصل جملة المفارقة الساخرة عن بنية القصيدة سيكون صعبا في قصائد قصيرة أخرى مثل: رفض، جنوبيون، مراهقة، أجزاء المرآة وغيرها. فهي تؤكد كلا منسجما ومتحدا بشكل كبير.


القصائد الطويلة


يكرس الشاعر قصائده الطويلة نسبيا إلى ترميم عالم الناس المغلوبين بالاستفادة من تقنيات فنية كالحوار في قصيدة “لقاء إذاعي” أو السيناريو في قصيدتي “مساء ـ داخلي” و”سيناريو موت جندي” أو دمج التقنيتين في القصائد الأخرى.

وفي كل هذه القصائد يلجأ الشاعر إلى تقطيعها بمقاطع على شكل مشاهد حوارية أو مشاهد مصورة تعتمد المفارقة أيضا في انتقالها من المألوف إلى اللامألوف، ليؤثث عالما بعيدا عن الحروب الخاسرة دائما والتهميش والقتل، وليمجد من خلال هذه القصائد علاقات الصفاء والخجل البصري والحكايات الأليفة التي نتعرف على تفاصيلها في أجواء قصيدة غزالة الصبا.

إن عالم الشاعر كاظم الحجاج شديد الخصوصية بأساليبه المبتكرة ومجازاته التي تميزه عن غيره من الشعراء، وهو عالمنا الذي يتحدث عن همومنا وتطلعاتنا ويحمل عبء آلامنا بلغة لا تفتعل الغموض أو التعقيد، تطمح إلى تواصل المتلقين معه في رحلة ساخرة ينتصر فيها لحياة المظلومين وبسطاء الناس.

14