الشاعر لا يستطيع أن يجتاز امتحان كشف الكذب

الشاعر الفلسطيني غياث المدهون يستعمل لغة مكثفة في نصوصه، ويفكك القصيدة إلى جزئيات صغيرة من الأفكار والتجارب والذكريات.
الجمعة 2018/04/20
أسكن في ستوكهولم ودمشق تسكنني

أجمل الشعر أكذبه، مقولة يفندها الشعر الحديث، الذي لم يعد منحصرا في التشكل المجازي، بل صار أكثر واقعية، وفي الآن نفسه أكثر عمقا وقدرة على لعبة الخيال في محاورة الواقع، فالشاعر الحديث ليست وظيفته الكذب بل الكشف عن الحقيقة. “العرب” كان لها هذا اللقاء مع الشاعر الفلسطيني غياث المدهون حول الشعر وقضاياه الراهنة اليوم. 

في نصوص غياث المدهون، الشاعر الفلسطيني المقيم في السويد، لغة مكثفة ربما لأنه يفكك القصيدة إلى جزئيات صغيرة من الأفكار والتجارب والذكريات. لذلك عندما سألناه هل يستمتع بالكتابة؟ كانت إجابته بشكل مقتضب: جدا.

قبل أيام أعلنت لجنة تحكيم “جائزة أفضل كتاب مترجم إلى الإنكليزية” عن قوائمها الطويلة لفئتي الرواية والشعر لسنة 2018، فكانت المجموعة الشعرية “أدرينالين” لغياث المدهون، ضمن القائمة.

في “أدرينالين”، الصادر عن دار المتوسط في إيطاليا 2017، هناك كتابة خارجة من الواقع، ولكنها لم تسقط في فخ المباشرة، ولم تسع إلى تفسير هذا الواقع.

"أدرينالين" في القائمة الطويلة لأفضل كتاب مترجم إلى الإنجليزية
"أدرينالين" في القائمة الطويلة لأفضل كتاب مترجم إلى الإنجليزية

إعادة تشكيل البديهيات

في كتاب “أدرينالين” يبدو المدهون قاسيا على الشعر، ويعلق قائلا “ربما لم أكن قاسيا على الشعر إطلاقا، لكنّ الظروف التي نمر بها قاسية، من الطبيعي أن تعكس القصيدة ما حولها، أن تفيض بما غذى منابعها، لا تفيض كأس نملؤها ماء بالنبيذ، كل إناء بما فيه ينضح. قصائدي تفيض بالذي يجري حولي، أنظري إلى ما يجري حولي. لا يمكنني أن أعيش في عالم مواز للأشياء التي أؤمن بها، عموما أنا لا أستسيغ الأدب الذي ينسج حول نفسه شرنقة إلا في حالات خاصة جدا. المهم، هل تعتقدين أنني لا أشتهي أن تكون قصائدي مثل قصائد أصدقائي السويديين؟ طبعا أتمنى ذلك. ولكنني واقعي بما فيه الكفاية لكي أرى أن قصائدهم انعكاس لحياتهم المليئة بالطمأنينة والسلام، وقصائدي انعكاس لحياتي”.

يقول صاحب كتاب “كلما اتسعت المدينة ضاقت غرفتي”، “أنا أتكئ في نصوصي على التجريب، الجمل حمالة الأوجه، والتناقضات التي يحتملها المعنى. أعيد تشكيل البديهيات معتمدا على الأدوات التي طورتها من خلال المتابعة الدؤوبة لمعارض الفن المعاصر حول العالم، الفن هو المصدر الرئيس لنصوصي، ومن خلاله أحاول أن أمتلك أدوات جديدة، هاجسي في ذلك الاختلاف والفرادة. اللغة عندي ليست أكثر من وسيلة لتشكيل بنية النص، أما الغاية فهي أن تكون القصيدة مراوغة، القصيدة كما أراها إنما هي انعكاس للذاكرة والتجارب والأفكار التي عشتها على مرآة مهشمة”.

 ويضيف المدهون “أحاول تفكيك الذكريات وإعادة تشكيلها فنيا، القصيدة هي التكثيف المنظم لما يحيط بي، أما خلفية القصيدة، فهي بعض أجزائها متصلة بالشعور وتأتي من داخل النفس العميقة، وبعضها الآخر مبهم ومتصل باللاشعور، أحيانا أقوم بكبح الشعور وكبت اللاشعور، أنجح وأفشل في نفس الوقت، ولكنني لا أستطيع أن أستمر طويلا بالتخفي وراء المجازات، فتفيض كأسي، لا يستطيع الشاعر أن يجتاز امتحان كشف الكذب على المدى الطويل إن لم يكن ينتمي لما يكتب، إن من ينفصل عن الواقع سينفصل عن النص، ولهذا كتابتي خارجة من الواقع كما قلت”.

“حين غادرت دمشق، كنت أنا ثابتا في مكاني، وكانت دمشق تبتعد، هذا تحديدا الذي حاول أينشتاين أن يقوله في النظرية النسبية، والذي حاول ويتمان أن يقوله في أوراق العشب، والذي حاولت أنا أن أهمسه في أذنك حين كنت تحاولين أن تحبّيني”. هكذا يقول الشاعر، فدمشق حاضرة بقوة في كتاب “أدرينالين”. نسأله هنا ما الذي تبقى منها في القلب؟ ليجيب ضيفنا “دمشق هي المدينة التي ولدت بها وعشت فيها، هي الذاكرة والذكريات، فإن كانت ستوكهولم هي المدينة التي أسكنها، فإن دمشق هي المدينة التي تسكنني، كما قلت في قصيدة عام 2009. أنا تائه نوعا ما منذ غادرت دمشق، عنواني لا يزال هناك في المدينة التي لم أرها منذ 10 سنوات، نحن أيتام الشام كما يقول صديقي الفنان العراقي باسم قهار”.

مرونة الشعر

الشاعر غياث المدهون: الشعر لا يغير العالم بل الأشخاص القادرين على تغيير العالم
الشاعر غياث المدهون: الشعر لا يغير العالم بل الأشخاص القادرين على تغيير العالم

يقول المدهون “انظري إلى أين أوصلتنا الحرب/ حتّى في أسوأ كوابيسي، لم يخطر لي/ أنَّني في يوم من الأيّام/ سأقول في قصيدة: أغرق فيك، كما يغرق السوريّونَ في البحار”.

فالشاعر يعيش في شمال السويد والحرب في عالمنا العربي لا تغادر نصه. نسأله هنا إن كان يمكن للنص الشعري أن يغير العالم؟ فيوضح قائلا “كيف يمكن للإنسان أن يكون بمنأى عن حرب طاحنة يقوم بها نظام بربري على بلدك وأهلك وأصدقائك وذكرياتك وأماكن طفولتك وحتى أحلامك، ذلك مستحيل إلا لمن فقد الإحساس بالواقع”.

ويتابع “أما إن كان بإمكان النص الشعري أن يغير العالم، فلقد أجبت على هذا السؤال عدة مرات من قبل، لا يستطيع الشعر تغيير العالم، لكنه قادر على تغيير بعض الأشخاص الذين بدورهم يستطيعون تغيير العالم”.

“لا أستطيع الحضور/ لكنني قادر على الغياب/ نعم، أستطيع الغياب بمهارة عالية/ وقد أصبحت محترفا في الآونة الأخيرة/ وصار لي أجندة أرتبُ فيه مواعيد غيابي/ وصار لي ذكريات لم تقعْ بعد”. هذا النص من كتاب “لا أستطيع الحضور” اتسعت فيه فكرة الاغتراب الوجودي. ويشير المدهون إلى أن هذا الكتاب في أغلبه يدور حول المنفى والاغتراب، أما نص “لا أستطيع الحضور” الذي حمل الكتاب اسمه فهو انعكاس للصراع الذي اعتمل في داخله في تلك الفترة حول إن كان قادرا على الذهاب إلى تركيا والتسلل إلى سوريا للمشاركة في ثورة الحرية، وانتهى باكتشاف أنه أجبن من أن يتخذ قرارا فيه حياة أو موت، وأن أصدقاءه الذين اتخذوا هذا القرار ودفعوا حياتهم لأجل الحرية هم من يستحقون الاحترام.

“لماذا يغرق المهاجرون، وبعد أن يلفظوا أنفاسهم الأخيرة يطفون فوق وجه الماء؟ لماذا لا يحدث العكس؟/ لماذا لا يطفو الإنسان حين يكون حيا، ويغرق حين يموت؟” هكذا يقول الشاعر غياث المدهون، الذي يعقب “حسب اعتقادي الشخصي البحت، فإنّ الشعر يحتمل الأسئلة الوجودية أكثر من الفلسفة، لما فيه من مرونة اكتسبها من الخيال والمجاز والاستعارة، ليت الحياة نفسها كانت بمرونة القصيدة، لكنا أعدنا بناء العالم بطريقة فنية وتجاوزنا خلل الفيزياء”.

15