الشاعر هو الأقدر على التحرر من قيود الهوية

قصيدة النثر لم تقف عن تحطيم نفسها والانبناء مجددا، سواء في تشكلها الخارجي، والأكثر أهمية تشكلها الداخلي، أو في طريقة بنائها للصورة والجملة والنص.
الثلاثاء 2018/03/20
الشاعر شخصية إشكالية (لوحة للفنان عادل السيوي)

التنظير العربي لقصيدة النثر والذي يمكن حصره في من تمترسوا خلف سوزان برنار ومن عدّلوا مِن تمترسهم خلف ماكس جاكوب، سواء فيما يتعلق بشكلها وطريقة بنائها أو بمضمونها، تخلخل الآن خاصة مع جيل شعري جديد، سبقه في ذلك الكثير من الرواد مثل وديع سعادة أو سركون بولص، أو تأثرا بالشاعر اليوناني يانيس ريتسوس الذي كانت ترجمته إلى العربية نقطة تحول كبيرة لهذه القصيدة وشعرائها.

الشعر والشاعر

لم تقف قصيدة النثر عن تحطيم نفسها والانبناء مجددا، سواء في تشكلها الخارجي، والأكثر أهمية تشكلها الداخلي، أو في طريقة بنائها للصورة والجملة والنص. لكن قصيدة النثر اليوم مع ارتفاع عدد كتابها خاصة مع انفتاح آفاق النشر الإلكتروني ومواقع التواصل الاجتماعي، تخلت أغلب نصوصها عن الوعي مخيرة الانسياق في دوامات أخرى كانت نتيجة تأثير الواقع لا شك.

 

لقد فتح جيل الرواد بداية من شعراء كركوك وشعراء مجلة شعر وغيرهما الطريق أمام الشعر العربي ليتحرر من قرون كاملة من الجمود، قرون لاك فيها نفسه شكلا ومضمونا، بناء وتقنية، حتى غدت القصائد العربية بعيدة كل البعد عن واقعها وتطور عصرها ومجاراته، إلا فيما ندر من التجارب، ولكن القرن العشرين كان حاسما شعريا بداية بولادة قصيدة التفعيلة ثم قصيدة النثر، شكلان أعطيا إمكانات أخرى للشعر. لكن قصيدة النثر اليوم وإن كانت تمثل حاملة لرايات التجديد والتمرد والحداثة فإنها لا تخلو من إشكالات كبيرة تتجاوز حتى حدود النص. “العرب” كان لها هذا الحوار مع صوت شعري عراقي آمن بقصيدة النثر في فضاءاتها الجديدة، الشاعر عامر الطيب

نسأل الشاعر عامر الطيب، وهو الذي صدرت له أخيرا مجموعة شعرية بعنوان “أكثر من موت بإصبع واحدة” عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، حول رؤيته لقصيدة النثر رغم تكاثر كتابها اليوم خاصة مع انفتاح آفاق النشر الإلكتروني، ليجيبنا قائلا “قصيدةُ النثر مفتوحة ومُستسهَلة، هذا الأمر بحد ذاته أدى إلى كثرة كتابها لكن الكثير مما يُكتب بعيد جدا عن روح القصيدة. سهولة النشر وسهولة تكوين المجموعات والصحف الإلكترونية وسهولة منح الألقاب أيضا بفعل ذلك يعتقد الكثير أن الخواطر واليوميات والمبالغات المفتعلة الفاضحة قصائدٌ حديثة”.

كلام الطيب هو ما تؤكده نظرة سريعة على مواقع التواصل، حيث سنجد الآلاف من “الشعراء”، يقدم أغلبهم نصوصا ذاتية، وإن كان هذا حقا في أن يكتب أي كان رأيا أو غيره، لكن ما بات مثيرا للريبة هو تحول عدد من هؤلاء إلى صدارة المشهد الثقافي، فقط من خلال بعض التعاليق أو “اللايكات” التي تمنح صكوك الشعرية لهذا وتحجبها عن ذاك. وهو ما لم يجاريه أغلب النقاد لأنهم في الأصل لم يتملكوا بعد طرقا تحليلية تواكب النصوص الجادة وتضيئها بالنقد والبحث، حيث انسحب أغلب النقاد إلى مراجعات سطحية للرواية الجنس الأدبي الأكثر رواجا اليوم، تاركين الشعر الذي قد يتطلب جهدا للقراءة.

راجت أخيرا مقولة تراجع الشعر أمام الأجناس الأدبية الأخرى وقرب نهايته، وهذا ما لا يوافق عليه الطيب إذ يرى أنه حتّى إذا كانتْ كلمة “تراجع” صحيحة فهي لا تقلقه. ويقول “الشعر يظل إلى الأبد بطلاً متمردا ومجنونا ومنفردا. الشعر باق مع الحب، مع الخوف، مع وحدة الإنسان ومع قلقه الممتد. حسنا، عندما يقع الإنسان في الحب ويحاول أن يكتب رواية بدلا من قصيدة يمكن هنا فقط أن نخاف على عافية الشعر”.

نسأل عامر الطيب هنا هل يملك الشاعر هوية؟ ليجيبنا “يفترض على الشاعر أن يتخلص من الهويات، الهويات فيها الكثير من الأمان والرضا والعمى أيضا، فيما الشاعر يتغذى على القلق والشك ومحاولات الركض أو الطيران، إنني أرتاح جدا للآية المعروفة عن الشعراء ‘في كل واد يهيمون‘”.

أما عن وظيفة الشاعر فنجد الكثير من التنظيرات بداية من جعله لسان قبيلته، كما كان في عصور سابقة، إلى الشاعر النجم حامل قضايا الأمة، إلى الشاعر صوت الإنسان الكوني، إلخ من الوظائف التي تعلق في رقبة الشاعر، الذي يرى الطيب أن الشاعر عليه أن يقاوم اليأس والأمل.

كثيرا ما نتحدث عن الشاعر ككائن لغوي أو أدبي فحسب، لكننا ننسى الشاعر الإنسان البسيط في أصغر تفاصيل حياته، لذا نسأل الطيب حول ما إذا كان يمكن للشاعر أن يؤسس أسرة، أي أن يعيش تلك الحياة العادية وينخرط في تفاصيلها ويومياتها، رغم ما لها من تأثير على إبداعه وتأثر به؟ وفي رأي الطيب “يمكن للشاعر أنْ يؤسسَ أسرة بالطبع، لكنه لا يستطيع أن يكونَ رب الأسرة إلى الأبد”.

المشهد الشعري العراقي

شعر ثري
شعر ثري

المشهد الشعري العراقي ثري بالتجارب الجديدة، والتي نطالع أغلبها من خلال النشر الإلكتروني، لكن نتساءل مع الطيب هل نالت هذه التجارب حظها، سواء من القراءة أو النقد أو الاهتمام، وإن يوافقنا الطيب في أن هناك فعلا تجارب شعرية جديدة ومميزة في العراق وأصواتًا حديثة وحية وطموحة، لكنه يستبعد في نفس الوقت أن تكون هذه الأصوات قد نالتْ الاهتمام المناسب.

رغم أهمية النشر الإلكتروني والتطور التواصلي الذي عوض تعقيدات المنابر الإعلامية الكلاسيكية وساهم في بروز الكثير من الأصوات الأدبية المميزة والمجددة، فإن الواقع الإلكتروني هذا ساهم في صعود تجارب باهتة على حساب تجارب عميقة، حيث لا معايير نقدية تقوده، فقط انطباعية القراء الذين يعاني أغلبهم من قصور في التقييم أو النقد، ويؤكد الطيب ما ذكرناه، لكنه يضيف أن هذا الأمر يحدث دائما مع فارق أن الواقع الإلكتروني جعله واضحا وسريعا ويوميا.

ويرفض الطيب تقييم المشهد الأدبي والثقافي العراقي اليوم، نظرا إلى تشظيه واتساعه إذ لا يملك شاعرنا الرؤية الكافية للحكم على مشهد أدبي وثقافي متحرك.

ظهرت في السنوات الأخيرة جماعة سمت نفسها “ميليشيا الثقافة” حاولت التجديد في الفعل الثقافي من خلال الشعر، فحاول شعراؤها ضخ الفعل والصورة إلى الشعر، ولكن هذا قد يكون على حساب النص، نسأل عامر الطيب حول هذه الجماعة، ليقول “ما قرأته لهم لم يكنْ يستحق الضجة التي تثار حولهم، ولم يكنْ مناسباً حتى للمشاهد التي يقومون بها. بعض المشاهد آلمتني بسبب أني نباتي وهذا شيء شخصي. أضف إلى ذلك أني أضع خطا تحت كلمة ‘ميليشيا‘؛ فالكلمة غير مريحة لا سيما في بلد ينفرد بوجود أكثر من خمسين ميليشيا”.

نختتم حوارنا مع الشاعر العراقي حول سبب صدور كتابه الأول في مصر وليس العراق، ليقول عامر الطيب “الفضل في ذلك يعود إلى الشاعر إبراهيم المصري الذي أشكره، أما لماذا لمْ أطبع في العراق فلا أريد أن أعرف ذلك”.

15