الشاعر والأداء

السبت 2016/10/15

قبل سنتين، كنت قد دعوت الشاعرة الكندية مونيك جوطو إلى المعرض الدولي للكتاب بالدار البيضاء. قبل حلولها، طلبتْ مني أن أوفرَ لها براد شاي مغربي وقليلا من التراب والحصى. وفي زحمة تهيئة المعرض، نسيت الأمر. غير أنني سأفاجأ بمونيك جوطو، أثناء قراءاتها، وهي تحمل البراد وترمي الحصى فوق منصة القراءة مع توالي إنشادها بلكنتها الكيبيكية. لم أسأل مونيك جوطو عن الطريقة التي تدبّرت بها أكسسوارات قراءاتها، لأنني كنت أعرف أنها لم تفقد قدرتها العجيبة على السفر وعلى اكتشاف الأمكنة وعلى المغامرة رغم تجاوزها السابعة والستين.

مونيك جوطو تؤمن بأن الشاعر حين يصعد إلى المنصة فهو يكون مقبلا على القيام بفرجة ما، حيث يصير الشخص الذي نراه ونسمعه ونصفق له. وهو بذلك يمنح ليس فقط قصائده ولكن أيضا جزءا سحريا من ذاته. ولذلك لم تتردد، مثلا، حين كانت تبحث عن شيء توظفه أثناء إلقائها لقصيدة مهداة إلى روح والدها، في أن تخرج من جيبها حذاء والدها أثناء القراءة.

وإذا كانت مونيك جوطو تلجأ إلى توظيف أشياء مختلفة، مع الحرص على أن تكون بسيطة وعادية، اعتبارا لدورها فقط كعتبة لفهم النص، فإن شعراء آخرين يذهبون إلى أبعد من ذلك أثناء أدائهم لقصائدهم. شارل بينكوان يقرأ قصائده المرتجلة، مستعملا مكبر صوت. سيرج باي يفضل أن يكتب قصائده فوق ألواح ليقرأها على صوت الأجراس التي يضعها في رجليه بطريقة تحفّها طقوس الجذبة. أما جوليان بلان، فقد كان يختار أحيانا المغامرة بحياته، حيث سبق له، قبل سنوات، أن رمى نفسه من أعلى أدراج محطة قطار مدينة مرسيليا الفرنسية، وذلك قبل أن يقرر توقيف أدائه الغرائبي، مع بلوغه الستين من عمره، مكرّسا سنة كاملة للاحتفاء بقراره.

ولا يبدو اللجوء إلى الأداء الشعري المختلف والغرائبي أحيانا رهين مبادرات منعزلة، بل يشكل، على الأقل على مستوى المشهد الشعري بالغرب، جزءا من حركة إبداعية وفنية أكبر، انطلقت بشكل أساس خلال خمسينات القرن الماضي بالولايات المتحدة الأميركية، في خضم سياق تمثّل تراجيديا الحرب العالمية الثانية وظهور مجتمع استهلاكي يبحث عن ثقافة مختلفة، وأيضا بالتزامن مع حركات التحرر التي كان يعرفها العالم خلال تلك المرحلة.

أما الحركة، التي عرفت بعنوانها الكبير البيرفورمانس، فستجتاح كل الأشكال الإبداعية والفنية تقريبا، سواء تعلق الأمر بالشعر أو التشكيل وغيره من الفنون البصرية، أو فن الارتجال أو الموسيقى. كما ستنحو أحيانا إلى أشكال لا تعرف الحدود. وفي سنة 1971، أصيب الفنان التشكيلي الأميركي كريس بُوردن بجرح غائر في يده، بعد أن أطلق عليه زميله، بطلب منه، رصاصة، وكان ذلك امتدادا لتيمة الخطر التي تشكل مركز أعمال بوردن.

كاتب من المغرب

17