الشاعر والإعلامي ياسين عدنان: لابد من مصالحة الثقافة مع الناس

المبدعون العرب وجمهورهم على موعد في "بيت ياسين" وحوار تلقائي حول أهم قضايا الفكر والأدب.
الخميس 2018/10/11
الشاعر والإعلامي ياسين عدنان: الحديث في الثقافة ممكن حتى على سفرة الطعام

يحل المثقفون والمبدعون العرب ضيوفا على برنامج “بيت ياسين”، الذي تبثه قناة “الغد” ابتداء من الجمعة، في العاشرة مساء بتوقيت القاهرة، ويعاد بثه في منتصف النهار من كل سبت. برنامج يقترح علينا مقاربة جديدة لطرح قضايا الثقافة والأدب والفن في جو حميمي، وهو يتوخى القرب من الناس والجمهور. لذلك جاء اختيار البيت فكرة وديكورا وجوا عاما إمعانا في الألفة التي يراهن عليها هذا الموعد الثقافي العربي الجديد.

أطلقت قناة “الغد” برنامجا ثقافيا جديدا يحمل اسم “بيت ياسين”، يعدّه ويقدّمه الشاعر والإعلامي المغربي ياسين عدنان، وهو من إنتاج مشهور أبوالفتوح وإخراج هشام عبدالرسول. وقد اختارت القناة وقت الذروة لبث هذا البرنامج الاستثنائي، ضمن باقة من البرامج الثقافية الجديدة التي برمجتها للبث في الآونة الأخيرة، والتي تؤكد أن الثقافة هي رهان وتحديات.

لقاءات شيقة

يستمد البرنامج من “البيت” حميميته وشاعريته، ليجعلنا قريبين من الضيوف الذين يستدعيهم ياسين عدنان إلى بيته، وهو يرحب بهم ويستقبلهم بالباب، ثم يحاورهم على “سفرة” الطعام، قبل دعوتهم إلى المكتبة لشرب الشاي ومواصلة النقاش الهادئ شبه العفوي حول القضايا التي تؤرقهم والأسئلة التي تشغلهم.

 فبعد مرور اثنتي عشرة سنة على تجربته في إعداد وتقديم برنامج “مشارف” على القناة المغربية الأولى، والذي استدعى إليه كبار الكتّاب والمبدعين والفنانين العرب، وعددا من المستشرقين المرموقين، يخوض الشاعر والروائي ياسين عدنان هذه المرة تجربة إعلامية مغايرة، من خلال برنامج “لايت”، يتوخى تمرير الخطاب الثقافي والإبداع الأدبي والفني بطريقة أكثر ذكاء ومرونة، عبر تقريب المثقفين والمبدعين من المشاهدين وترغيب الجمهور في ما ينتجه أولئك من أفكار وأعمال أدبية وفنية.

برنامج يمرر الخطاب الثقافي والإبداع الأدبي والفني بطريقة ذكية ومرنة، عبر تقريب المثقفين والمبدعين من المشاهدين

من هنا، يرى عدنان أن هذا البرنامج إنما هو محاولة من أجل “تحرير خطابنا الثقافي من الرؤية المتعالية للثقافة، من وطأة الجهاز المفاهيمي وثقل اللغة الأكاديمية”، من خلال طرح السؤال الفكري والأدبي ومقاربة القضية الثقافية بلغة مُتاحة لعموم الناس. وحتى لا تبقى أسئلة الثقافة والفكر والأدب حكرا على الجامعة والندوات الأكاديمية المغلقة.

في مقابل ذلك، ينطلق البرنامج من قناعة مفادها أن الحوار حول الثقافة والفن يمكن نقله بسلاسة إلى المقهى والشارع والمقهى والبيت. البيت بما هو رمز للألفة وهندستها، كما يقول باشلار. تلك الألفة الدافئة التي تتخذ من البيت شكلها وتمثيلها الحي. البيت، تحديدا، ما دام هدف كل منتوج تلفزيوني الوصول إلى بيوت الناس، فلمَ لا نستدعيهم نحن أيضا إلى بيت إعلامي، صار يحمل اسم “بيت ياسين” في قناة الغد، بدءا من اليوم.

وبقدر ما يعرض البرنامج لحظات وحوارات شيقة، فهو مُحمل برسائل مُعَمَّقة موجهة إلى أصحاب المشاريع الفكرية والثقافية والإعلامية في عالمنا العربي، حين يدعوهم إلى فتح أبوابهم في وجه الآخرين، وعرض أفكارهم وهواجسهم أمام هؤلاء وهؤلاء، بلغة يفهمها الجميع. ولعل هذا ما حدا بصاحب رواية “هوت ماروك” إلى تصدير برنامجه الجديد على قناة “الغد” بمقولة الكاتب البلجيكي موريس ماترلينك “يعتقدون أن لا شيء سوف يحدث، فقط لأنهم أغلقوا أبوابهم…”.

إنتاج ثقافي

لا يخفي ياسين عدنان حماسه لهذا المشروع الذي يسعى في تحقيق مصالحة بين الجمهور العربي العريض والخطاب الثقافي الذي تُرك مع الأسف الشديد لحاله، معزولا عن محيطه العام. ويذهب معدّ ومقدّم “بيت ياسين” إلى أن البرامج الثقافية في حاجة إلى إرادة من قبل منتجين مغامرين يثقون في قدرة الثقافي على استمالة “المشاهدين الأعزاء”.

في هذا السياق الثقافي الإعلامي، يرى عدنان في لقاء خاص مع “العرب” أننا “طالما كنا نحس بأن البرامج الثقافية متخلّ عنها إنتاجيا من قِبَلِ الفضائيات التلفزيونية العربية”. على أساس أن القنوات العمومية تبقى محدودة الإمكانات مع الأسف، يقول محدثنا، كما أن الثقافة “ليست أولوية لديها لتنذر لها إمكانات إنتاجية تنصفها”.

وأما الفضائيات العربية الكبرى “فكلنا نرى كيف وضعت بيضها كاملا، إما في سلة الترفيه والفيديو كليب، وإما في سلة السياسة والدين. فيما تم تهميش الخطاب الثقافي، ولم تتم المراهنة على الثقافة بشكل استراتيجي لدى أي من فضائياتنا العريقة الراسخة”. هذا ما جعل صاحب البرنامج الجديد يتفاءل بما أسماها “استراتيجية قناة الغد وتطلعها الثقافي التنويري”. هذه القناة التي “استشعرت الحاجة إلى برامج ثقافية تحقق، أو على الأقل تتطلع لتحقيق، بعض المصالحة ما بين الجمهور العام والفكرة الثقافية”.

غير أن هذه المصالحة ليست مجرد شعار نردده ونلوكه على ألسنتنا فحسب. فالأمر يحتاج، حسب صاحب البيت، إلى “تضافر جهود على مستوى الإعداد والتقديم أولا، ثم على مستوى الإنتاج أساسا”.

وعن دور الإنتاج في تنزيل الخطاب الثقافي على أرض الإعلام، وتقريبه من عموم المتلقين، يرى ياسين، انطلاقا من هذه التجربة الإعلامية الجديدة، أنه “بقدر ما تجد نفسك مطالبا بتحرير الخطاب الثقافي من تعاليه وتعالُمِه وأجهزته المفاهيمية وخطابه النظري، والنزول به إلى أرض الناس ولغتهم، يصير الإنتاج مطالبا بأن يدعمك فنيا وتقنيا ولوجستيكيا لكي ينال البرنامج الثقافي بدوره حظه من الإمتاع الفني والبصري والجمالي. هكذا نُمكِّن له تلفزيونيا بأدوات التلفزيون وإمكاناته”.

من هنا، يعوّل البرنامج الجديد لقناة الغد على ضمان “تناغم تحريري وإنتاجي بأهداف واضحة”، وسط ما يصفه محدثنا بـ”العزوف الإنتاجي العام في عالمنا العربي عن الاستثمار تلفزيونيا في المادة الثقافية”.

هكذا، وابتداء من اليوم، يضرب لنا “بيت ياسين” موعدا مع كتّاب ومبدعين عرب في الشعر والفكر والقصة والرواية والفكر والموسيقى والسينما والتشكيل… من مختلف الأجيال والجغرافيات الثقافية العربية، من أدونيس إلى بنسالم حميش، ومن ميسون صقر إلى نوري الجراح، ومن واسيني الأعرج إلى صموئيل شمعون، ومن صلاح نيازي إلى طالب الرفاعي، ومن سعيد الكفراوي إلى شكري المبخوت، ومن جاهدة وهبة إلى مكادي نحاس، ومن كريمة الصقلي إلى خالد الهبر، وسوى هؤلاء من الأدباء والفنانين الذين سيحلون ضيوفا على بيت ياسين.

14