الشاعر والتاريخ

الجمعة 2014/07/18

أذكر أنني في شتاء عام 1993 زرت داغستان بالقوقاز بدعوة من اتحاد كتاب روسيا وعندما وصلت إلى مطار موسكو مساء وجدت هناك مستعربة روسية، ضاع مني الآن اسمها بفعل زحام السنين والشيب الذي يقفل مسام الذاكرة. كانت تلك السيدة التي تتقن اللغة العربية إلى حدّ الدهشة قد أخبرتني أنها مكلفة بمرافقتي، وبترجمة ما كنت سأقوله وما سوف يقال لي طوال تلك الرحلة.

بعد ساعتين ونصف وصلنا إلى مطار داغستان، وتوجهنا مباشرة إلى مقر اتحاد الكتاب والأدباء الداغستانيين وهناك وجدت الشاعر رسول حمزاتوف رئيس ذلك الاتحاد ينتظرنا فاستقبلنا بكرم القرويين البسطاء الطيبين.

بعد التعارف الأوّلي تبادلنا كلمات الترحيب والصداقة وأذكر أنني قلت له بعفوية: “لقد كتبت كتابا جميلا وسميته: “داغستان بلدي”، ولكنني أتمنى من القلب أن تغيّر هذا الاسم ليصير: “داغستان بلدنا جميعا”. عندما سمع منّي الشاعر حمزاتوف هذه الكلمات وضع يده اليمنى على كتفي بلطف وقرّبني إليه وقال لي: “أنا أسقط الآن دعوة اتحادي كتاب روسيا وداغستان لك، واعتبر نفسك ضيفا يتسع ظله في بيتي حتى تعود إلى حيث جئت”.

في بيته حدثني الشاعر حمزاتوف عن رسالة الشاعر في هذا العالم قائلا: “هناك ثلاثة معلمين نتعلم منهم نحن الشعراء الذاهبين إلى المستقبل وهم: الطبيعة الذكية، وحب الوطن، وتاريخ الإنسانية وحضاراتها، ولا بدّ من نقد أيّ نظام مهما كان حسنا”.

أذكر أيضا أنني كلما خرجت معه إلى الشارع رأيت أفواجا من الناس يقبلون إليه بشغف، وعشرات السيارات تتوقف ومنها يترجّل سوّاقها ويسلمون عليه معانقين بحرارة.

في ذلك الوقت لم أكن قادرا أن أدرك سرَ حب مواطني داغستان للشاعر رسول حمزاتوف الذي بنوا له بعد وفاته في عام 2003، 70 نصبا تذكاريا لقصيدته الشهيرة “طيور اللقلق”، وتمثالا عملاقا له وضعوه في أكبر وأوسع شارع بمركز عاصمتهم “ماخاتشكالا”، ولكن مع مرور الزمن عدت إلى قصائده وإلى كتابه “داغستان بلدي” ففهمت أن حبهم له نابع من تمسكه بثقافتهم وبلغتهم والدفاع بواسطة كتابة الأدب المشبع بعبق تاريخ وفرادة الشعب الداغستاني: “أيها الرجال الذين ولدوا في الجبال علينا، أحياء أو أمواتا، أن نعود إلى قممها عبر الدروب الممتدة في الأفق البعيد”، ولأنَ “الألواح المقدسة لا تتحدث عن القرون الخوالي. يا للخسارة. لكن طريقنا لا ينتهي. تلك القصة التي بدأها الأجداد بسيوفهم أكملها أنا ويراعي في يميني”.


كاتب من الجزائر

15