الشاعر والسيد

السبت 2014/08/02

قد يبدو هذا اكتشافا متأخرا من نزيز الذاكرة، لكنه وقع ببلاد ما بين القهرين العظيمين. أقصد تذييل الأسماء التي سمّاها آباؤهم، بلقب يشير إلى مدينة أو منزلة اجتماعية وحتى منزلة دينية تنطوي على الكثير من العنصرية والتعالي الأجوف مثل مفردة شيخ أو آية أو سيّد وهذه تدرُّ الآن على شائليها ذهباً وحنطة وخزنة دنانير ومهابة قد ترتفع أحايين فوق مهابة الدولة المريضة.

لا أكتب الليلة عن سيّد من كراماته أنه يشفي المرضى بطاسة ماء وبصقة، أو شيخ ينفخ امرأة فتحمل حملاً صبياً بعد ألف نذرٍ ونذر، أو صاحب كرامات يأتيه واحدٌ حلقهُ ذاهب إلى يمين أو شمال الخدّ فيصليه بنعال نايلون أصليّ فيعيد إليه حرفهُ وابتسامتهُ وعافية القُبَل، وحلم بقاء بنت الجيران مسجلة على ذمة الفؤاد، ولا عن عمر الذي عبر من كره بغداد صوب أقصى رصافتها وحمل بعبّهِ جنسيةً اسمه فيها عليّ، ولا عبدالحسين الذي قطع الصحراء محمولاً محروساً بحرز اسم عثمان.

وطبعاً ليس عن صويحبتي المشهورة التي طلّقتْ بعلها بالثلاث وباللقب العزيز. مقصدي اليوم هو أن فنانين وأدباء معروفين ومغمورين استيقظوا فجأة فوجدوا باباً وضرعاً قابلاً للاستثمار، لا يكلّف صاحبه أو صاحبتهُ قيراً ولا مسامير. تهاوت وتضعضعت قصصهم وقصائدهم ورسماتهم التي كانوا يصنعونها طازجة مستلةً من صندوق الحداثة وما بعد الحداثة.

مذيعة شرسة تسأل مغنياً معتقاً عن بيبان المقامات والأطوار والطقاطيق التي ساحت من على حنجرته الذهب، فيترك كلّ جمل الغناء ويذهب بالمذيعة القوية صوب شطّ القراءات والمناحات الحسينية الموجعة. رسام رسم فوق لوحته اسمه الذي عُرفَ به واستعان الآن باِسم جدهِ ليعيش بحبوحة شعبية لذيذة تقول “يا مسعدة وبيتك على الشطّ، ومنين ما ملتِ غرفتِ”.

خلف المايكرفون، يُقدّم لقب سيّد على لقب شاعر. السيد الشاعر المستثمر هنا يخبر الرعية المنصتة بأنّ رأس أبيه كان حجة وقياساً وحلفاً موثوقاً تتداوله الناس حال التضاد والعياط.

كلّ سنة تبيد من زمن العراق الأميركيّ، تبيد معها سننٌ حسنة، وتفزّ من جبّ الخرافة والدجل خصلٌ ما أنزلت السماوات بها من سلطان.

قلنا وكانت قولتنا ضلع حقّ مبين: إنّ الأميركان الهمج إذا دخلوا بلادا أفسدوها.

بلادي ما زال اسمها مدقوقاً وراسخاً بقوة، فوق رأس ورقة الأمصار الأفسد على وجه الأرض، مع وجود أعداد ضخمة ومفرخة من سادة وشيوخ وآيات وقداسات ومنابر. هؤلاء ومن على أشكالهم يقعون، لا دين ولا ربّ لهم. لهم حرفهم ولي حرفي.

24