الشاعر والعلاقة مع السلطة السياسية

علاقة الشعراء بالسياسة والسلطة ظلت دائما متذبذبة حتى وإن تقاربا تظل العلاقة بينهما في ما يشبه التنافر.
الثلاثاء 2019/08/20
المعري اختار العزلة والصمت مُتَقَصيّا حقائق الوجود

منذ البدء، والتاريخ يؤكد لنا في مختلف حقبه وأطواره أن العلاقة بين الشاعر ورجل السياسة قد تكون متوترة ومُلْتَبَسَة وموسومة بالحذر والخوف من جانب الأول، وبالعنف والقسوة والعدوانية من جانب الثاني. وكثيرون هم الشعراء الذين كانوا ضحايا استبداد الحكام وظلمهم وكرههم للكلمة الحرة، ونفورهم من الأحلام وجنوح الخيال. والأمثلة على ذلك كثيرة.

ففي البداية كان الشاعر الروماني أوفيد صاحب “التحوّلات” و”فن الحب”، يتمتع بشعبية كبيرة، ويحظى بالتقدير والاحترام في البلاط الإمبراطوري. لكن فجأة نزل عليه غضب الإمبراطور أوغسطس فنُفي إلى بلدة موحشة على البحر الأسود ليمضي فيها العشر سنوات الأخيرة من حياته.

وطمعا في الحصول على المجد والثروة، تقرّب أبوالطيب المتنبي من جلّ حكام وأمراء عصره المضطرب اضطراب البحر في العاصفة، ومدحهم بأجمل القصائد لكنه لم ينل منهم سوى الوعود الكاذبة. وفي النهاية، قُتل شر قتلة في صحراء العراق ليكون رمزا للشاعر الخائب، المخذول والمغدور من قبل أهل السلطة والنفوذ.

وأما أبوالعلاء المعري فقد أدرك وهو في بغداد أن التقرّب من الحكام والأمراء خطأ كبير، بل ربما يكون قاتلا. لذا احتقر أولئك الشعراء الذين كانوا يتمسّحون بأعتاب هؤلاء، ويدبجون القصائد “العصماء” في تمجيدهم وتكريمهم. وهكذا ترك عاصمة الخلافة غير آسف مفضلا أن يمضي بقية العمر في العزلة والصمت، مُتَقَصيّا حقائق الوجود.

وفي القرن التاسع عشر الذي اخترقه من بدايته إلى اقتراب نهايته، خاض فيكتور هوغو، شاعر فرنسا الأكبر، معارك سياسية متعددة، إلاّ أن معركته الأساسية كانت من أجل مستقبل أفضل للحضارة المتجسّدة في القيم التالية: الحرية والقانون والعدالة ”كلّ شكل من أشكال الحضارة له حبله السُّرّي. وقطع هذا الحبل هو شأن التقدم. والتقدّم هو المولّد للحركة الكونيّة، وهو الذي يقوم بهذه العمليّة بمهارة فائقة. لذا يمكننا أن نثق فيه”. ويتمثّل التقدّم في نظر فيكتور هوغو في الضروريّات التالية: السيطرة على المادّة، والدفاع عن الأنوار في مواجهة التزمّت والانغلاق والظلاميّة، وإقرار العدالة الاجتماعية.

وفي خطاب ملتهب ألقاه في السابع عشر من شهر يوليو 1851، أظهر هوغو معارضته لرئيس الجمهوريّة، مطالبا بتحرير الدستور. إثر ذلك تدهورت الأوضاع السياسيّة في فرنسا تدهورا خطيرا، وشرعت القوى المحافظة تعدّ العدّة لسحق المعارضين لها. وقد واجه فيكتور هوغو هذه الأزمة الجديدة بشجاعة كبيرة، محرّضا القوى التقدميّة على المزيد من المقاومة والصمود. غير أن الأوضاع سرعان ما ازدادت تعفّنا وسوءا ليجد هوغو نفسه مجبرا على مغادرة بلاده سرّا وذلك في 11 ديسمبر من العام المذكور ليصل في اليوم التالي إلى بروكسل ومعه صناديق تتضمّن مخطوطاته. ومن هناك كتب إلى زوجته أدال يقول ”أنا الممثل والشاهد والقاضي. أنا المؤرخ بالمفهوم الكامل للكلمة”. وكان عليه أن يمضي سنة في المنافي قبل أن يعود إلى بلاده.

ورغم أنه تحمّس للثورة البلشفية، ومدح زعيمها لينين، إلاّ أن ماياكوفسكي سرعان ما أصيب بخيبة مرة خصوصا بعد أن احتدت النزاعات والصراعات بين الأجنحة داخل الحزب البلشفي. وقد يكون انتحر ليتخلّص من عذاب الخطأ الجسيم الذي أوقع نفسه فيه.

وكان الشاعر الروسي عوسيب ماندالشتام من أبرز ضحايا الحقبة الستالينية (نسبة إلى ستالين). ولعله اختار بنفسه المصير المفجع الذي آلت إليه حياته في النهاية. ففي الفترة التي اشتد فيها الصراع بين تروتسكي وستالين، تجرأ على هجاء هذا الأخير الذي لم يتردد في إرساله إلى سيبيريا ليموت هناك بردا وجوعا.

ورغم أنه كان يعاني من مرض السل الذي سيقتله وهو في الثامنة والثلاثين من عمره، فإن بدر شاكر السياب رمى بنفسه في أمواج الصراعات السياسية التي شهدتها بلاده بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، ليعيش تلك الصراعات كمحنة مريرة زادت في تعقيد أوضاعه النفسية والصحية.

وفي البداية تحمّس للشيوعيين، وفتن بشعاراتهم البراقة المنادية بالعدالة والحرية. لكن بعد ثورة 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي، أصبح من ألدّ أعدائهم مفضّلا في هذه المرة أن يكون نصيرا للقوميين، ومادحا لزعيمهم جمال عبدالناصر. وبهدف الانتقام منه، حرّض الشيوعيون عليه أنصارهم فشتموه في الشارع بأقذع الشتائم، بل واعتدوا عليه بالضرب في أكثر من مناسبة. ولم ينتبه السياب إلى خطر خطأ حشر نفسه في الصراعات السياسية إلاّ في الأشهر الأخيرة من حياته.

والذين زاروه في المستشفى في الكويت أمثال عبداللطيف أطيمش، سمعوه يقول إن “الأدباء مثل الحزبيين والأحزاب السياسية لم يضعوا مصلحة الوطن في أولى حساباتهم، وانشغلوا بالتناحر والمكائد والمنافع الشخصية”. وسمعوه يقول أيضا إن الأدباء صاروا وجهة للسياسيين وللأحزاب السياسية، وأبواقا لها، وكتّاب دعاية. وبدلا من أن يدعو إلى حرية الرأي، صاروا يدعون إلى الانتقام من الآخرين، والتنكيل بهم. وفي النهاية مات السياب وهو يردد متوجعا:

“إن متّ يا وطني،

فقبر في مقابرك الكئيبة

أقصى مناي.

وإن سلمت فإن كوخا في الحقولْ

هو ما أريد من الحياة”.

14