الشاعر والقيثارة

السبت 2015/03/07

في اللحظة التي كانت فيها عساكر بينوشي قد أنهت للتوّ عملية اغتيال فيكتور خارا بعد أن قطعوا أولا أصابع يديه بمنشار، بعيد الانقلاب الذي عرفته الشيلي سنة 1973، كان ألبرتو كورابل قد اختار الاختفاء، ليستطيع، بعد مدة، مغادرة سانتياغو، رفقة زوجته سوزانا، والوصول إلى كندا، طالبا اللجوء السياسي.

لم يكن فيكتور خارا وكورابل مقاتلين في صفوف الرئيس سالفادور أليندي ولا زعيمي حرب، كان فيكتور عازفا وكاتبا فقط غنى للحياة وللحب، وكان كورابل ابن السابعة والعشرين حينها شاعرا ومغنيا، صديقان، جمعهما الشعر والموسيقى والعروض التي قدماها سويا، لتفرقهما الدكتاتورية الجديدة. في كندا، سيكون على كورابل أن يبدأ حياة جديدة، كان يعرف أن الأمر قد انتهى، وكان يعي أيضا أن عليه أن يظل وفيا لجذوره، لذلك وجد كورابل نفسه مدفوعا، في نفس الآن، إلى الاندماج في فضاء جديد وإلى استئناف العمل الوحيد الذي يتقنه، وهو الكتابة والغناء.

تعلم الفرنسية والأنكليزية، وتعلم كيف يتواصل مع مجتمع يفتقد لحرارة مجتمعات أميركا اللاتينية. تعلم أيضا أن يقترب من المهاجرين والمنفيين وتطلب منه ذلك قضاء مدة بمنطقة الهارليم بالولايات المتحدة الأميركية، بغية معاينة عادات المهاجرين المقيمين هناك، ليؤسس في ما بعد “فرقة المنفى” التي حظيت بشهرة واسعة، بفضل عروضها التي تحمل دفء أميركا اللاتينية.

تعلم كورابل أن لا يكون حقودا على أحد، معتبرا أن أكبر معجزة في الكون هي ولادة كائن ما وأن عظمة هذه المعجزة تقتضي منح هذا الكائن كل الحب. لم ينس كورابل أبدا موطنه. وأذكر جيدا موقفا بليغا له؛ فقد اختار منظمو المهرجان الشعري لمدينة تروا رفيير الكندية أن نقضي يوما بكامله داخل زنازين سجن قديم، تمّ إغلاقه لظروفه القاسية وتحويله إلى متحف، يسيره موظفو السجن أنفسهم.

كانت الفكرة أن نعيش نفس ظروف السجناء، مع استثناء وحيد كان خلال وجبة العشاء، حيث جمعت نفس المائدة الشعراء “السجناء” والسجانين. كما اختار المنظمون أن يتمّ بث قراءات شعرية مباشرة عبر راديو كندا، من داخل الزنازين بالطبع. حينما نطق كورابل اسم الشيلي في إحدى قصائده، أجهش بالبكاء، متوقفا عن القراءة، خلال أكثر من خمس دقائق. بينما طلب المخرج من مساعديه التقنيين الاستمرار في البث المباشر.

خمس دقائق من الصمت مرّت عبر أثير إذاعة كندا، كانت أشبه بردّ على البيان الأول الذي اختار الانقلابيون قراءته عبر إذاعة الشيلي سنة 1973. عاد كورابل إلى بلده، بعد أن أمضى خمسا وعشرين سنة في المنفى. ومازال ألبرتو كورابل، وهو في السبعين من عمره اليوم، يجول مدن الشيلي مغنيا للحياة وللحب، وبرفقته قيثارته ورفيقة عمره سوزانا.


كاتب من المغرب

17