الشاعر والمتوسط

السبت 2017/01/14

يحب أدريان كريما، الذي يُعتبر أحد أهم الشعراء الجدد بمالطا والأكثرهم حضورا على مستوى العالم، أن يقدم نفسه دائما ككاتب مالطي متوسطي، حيث تتقاسم حضورَه صورتُه كشاعر ووضعُه كفاعل ثقافي واجتماعي وأكاديمي، إذ يؤمن بوجود روابط واستمرارية بين كل هذه الأدوار، باعتبار أن أغلب ما يقومُ به يَدور حول الكتابة واللغة.

ولذلك يبدو عاديا أن يتواجد أدريان كريما في أكثر من جبهة، مدافعا مرة عن قوة القصيدة وعن حقها في الابتعاد عن القضايا الوطنية والدينية، وفي إجابتها عن أسئلة عوالم تجتاحُها عولمة متسارعة، ومعتليا مرة أخرى منصة الدفاع عن حقوق شعوب العالم في العيش الكريم، ضدا على كل أشكال الاحتلال، وهو الأمر الذي تعكسه مقالاته العديدة عن فلسطين ومشاركاتُه في إطلاق أكثر من منتدى حولها بأوروبا.

ينتمي أدريان كريما إلى الجيل الجديد من الأدباء المعاصرين بمالطا، الذين يكتبون باللغة المالطية، والذي يبقى من أبرز أسمائه إيمانويل مِفسود وتزيرا أزوباردي ومارك سَموت وتريفور زهرة والشاعر الفلسطيني–المالطي وليد نبهان. إنه الجيل نفسه الذي يسعى، حسب أدريان كريما، إلى الانفتاح على العالم ومقاومة الخوف من هؤلاء الذين كانوا يحلون بضفاف مالطا. وهو الخوف الذي كان نتيجة الاجتياحات العنيفة التي عرفتها مالطا عبر القرون.

ولعل ذلك ما عَبر عنه الشاعر وليد نبهان، حيث يرى أن علاقة مالطا بالأجانب يحكمها قانون صارم، إذ ترحب ترحيبا حارا بوفودهم إليها سائحين، ينفقون نقودهم فيها، لكنها تمتعض بخشونة إذا قرر أحد هؤلاء السائحين أن يقيم ليتنافس مع أهلها على فرص العمل النادرة. غير أن وليد نبهان، القادم إلى مالطا حاملا أصله الفلسطيني، سينتهي، بعد إقامة تتجاوز العشرين سنة بهذه الجزيرة الصغيرة، بأن يصير جزءا أساسيا من مشهد الكتابة المالطية.

ولعل الرغبة نفسها في الخروج من رُهاب الانغلاق هي ما دفع أدريان كريما إلى إطلاقه لمؤسسته الشهيرة إنيزاميد، حيث استطاعت أن تخلق فضاء للحوار بين مختلف التجارب الأدبية المالطية وتجارب منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط وأوروبا.

تعود معرفتي بأدريان كريما إلى لقاءين. تم الأول في إطار الأمسية الشعرية التي جمعتنا سويا، رفقة الشاعر البرتغالي كازيميرو دي بريتو، بالمركز الثقافي الإيطالي بلندن، والثاني ببلده مالطا. وكنا مندهشين لتشابه إيقاعاتِ وأصواتِ ومفردات نصوصنا، فأكثر من ثلثي مفردات اللغة المالطية هي عربية بامتياز.

إحساسنا بقوة المشترك بيننا كان وراء صداقة تبدو الآن كما لو أنها تمتد لسنين، وإن كانت علاقة أدريان كريما باللغة العربية، كما بقية مواطنيه، تشوبها سحابة تعود إلى الثمانينات من القرن الماضي، حيث تم إقرار تدريس اللغة العربية بشكل إجباري، مع غياب شروط ذلك. كان ذلك بضغط من معمر القذافي مقابل ورقة استثماراته بالبلد.

كاتب من المغرب

17