الشاعر والمهمة المستحيلة

الاثنين 2017/03/06

هل يصحّ القول بتحويل الشعر إلى مهمّة؟ وهل ينهض الشاعر بمهمّاته حين يكتب شعره ويؤلّف قصائده؟ أي مهمّة تلك التي تراد من الشاعر والشعر؟

لا يخفى أن الحديث عن المهمّة في الشعر يحتمل جانب التكليف في المسألة، وهذا ما يتناقض مع ماهيّة الشعر المؤسّسة على الحرّيّة المطلقة للشاعر في اختياراته وارتحالاته في قصائده، لأنّ التكليف يرسم مسارا للشاعر، وهذا ما يتناقض مع الآفاق غير المحدودة التي يفترض أن يعيشها ويتخيّلها، والتكليف إلزام وتقييد وإخراج للشعر من بحره الشاسع وإغراقه في مستنقع الفرض والإملاء.

يلفت الأميركي تشارلز سيميك في يوميّاته إلى أنّ كلّ الفنون تأتي من مأزقنا المستحيل. ويجد أنّ هذا هو المصدر الأزليّ لجاذبيّتها: يقول “كثيرا ما يقول الشاعر ‘تعوزني الكلمات’. كلّ قصيدة هي فعل يأس، أو إذا أحببت، رمية نرد”. ويشير إلى أنّ الأمنية السرّيّة للشعر هي إيقاف الوقت. وأنّ الشاعر يريد أن يستعيد وجها، مزاجا، سحابة في السماء، شجرة في الريح، وأن يأخذ صورة روحية لهذه اللحظة التي تعرّف القارئ بنفسه. ويصف القصائد بأنّها لقطات الآخرين التي منها نعرف أنفسنا.

يجد الشاعر اليوم نفسه في مواجهة مع اللغة والفروض والإملاءات، وهذا ما يجعله يخوض في مهمّته التي يمكن وصفها بالمستحيلة في عالم يبتعد عن الشعر والأدب والفنّ ويقترب بسرعة من التسليع، وينساق وراء الاستهلاك المتسارع في كلّ التفاصيل والمناحي.

يكون الشاعر أمام مهمّته التي يكون قد كلّف نفسه بها منذ قراره الأوّل بخوض غمار كتابة قصيدته الأولى، إذ عليه أن ينسج قصيدته بحيث يحمّلها بالدلالات والتأويلات، ولا تفقد في الوقت نفسه متعة اللغة، تدهش وتمتع معا، وهنا أسرار الشاعر في صياغته وسبكه معادلته الشعريّة التي تنفتح على الحياة وألغازها من دون أن تفقد جماليّاتها الأدبيّة.

يوجب الشاعر على نفسه أن يكون في صدارة مهمّاته الانخراط في هموم شعبه وأهله، أن يصوغ أوجاعهم وأحلامهم، لا أن ينزوي في ركن معتم ويتقوقع على ذاته وووساوسه بذريعة الانشغال بأعماقه ومشاعره ووحشته، ولا أن يكون لسان المستبدّين وبوقا يؤدّي مهمّة مأجورة في تلميع صورهم والدفاع عن جرائمهم بحق الإنسانيّة.

لعلّ ما يحكيه سيميك نفسه في يوميّاته عن متعة الفلسفة التي يسمّيها متعة اختزال، والتي يعرّفها بأنّها طقوس التلميح في عدّة كلمات إلى مسائل معقّدة، هو نفسه متعة الشعر ومهمّته المستحيلة المتمثّلة في القبض على الجوهري، وقول ما لا يقال، وجعل حقيقة الوجود تتألق عبر ذلك.

كاتب من سوريا
15