الشاعر وغايته التي لا تدرك

الاثنين 2017/06/12

رضا الشاعر عن قصيدته غاية لا تدرك، أو لا تدرك تماماً إلاّ في القليل النادر. فهي، كأيّ عمل إبداعيّ آخر، لا تأخذ طريقها إلى النضج بنعومةٍ ويسرٍ تامين منذ البداية. ولا يمكن للشاعر أن يفرغ منها تماماً منذ كتابته لها للمرة الأولى. وبعبارة أخرى لا يمكن للقصيدة، في صيغتها الأولى، أو لحظة ولادتها، أن تفي بما يريد الشاعر منها، أعني بأغراضه الجمالية والفكرية والوجدانية. وكلما حفل تاريخه الشعري بإنجازات شعرية أفضل كان رضاه عن قصيدته الأخيرة أقل صخباً.

ورغم ما تبعثه هذه الوليدة في نفس الشاعر من نشوة داخلية وفرح يكونان طفوليين أحياناً، فإن هذا الأب الشعري قد لا يكون راضياً تمام الرضا عن قصيدته. وربما سيرافقه هذا الرضا المنقوص فترة طويلة، حتى يتحوّل، أو يكاد، إلى إحساس بالتقصير الشعري، أو الندم، لأنه لم يهَب تلك اللحظةَ الشعرية الغاربة ما تستحقه من أناة وصبر ضروريين.

في الغالب لا تأخذ القصيدة شكلها النهائيّ منذ الشوط الأول، ولا تأتي ملبية لكل ما يريده الشاعر أو يتمناه. غير أن المشكلة لا تنشأ في لحظة الفراغ من الكتابة مباشرة، بل يتأخر ظهورها إلى اللقاء الأول مع الجمهور، أو نشر القصيدة للمرة الأولى.

وتكون إعادة النظر في نص القصيدة، أحياناً، آنيِّة ومؤقتة ومباشرة، يختبر فيها الشاعر يقظة الجمهور وإحساسه الجمالي في لحظة شفاهية من تجربته. والشاعر قد يغير هذه المفردة أو تلك الجملة أثناء القراءة، وقد يتحقق هذا التعديل لاحقاً إلى القصيدة منشورة.

ويمكن القول إن وصول القصيدة إلى الجمهور لا يتم دفعة واحدة، وليس له شكل واحد ووحيد. محطات كثيرة تقطعها القصيدة، من القراءة المباشرة، إلى النشر في الصحافة بأشكاله المتعددة، ثم النشر في الديوان في أكثر من طبعة، وأخيراً النشر في الأعمال الشعرية أو كتب المختارات.

وهذه المحطات لا تعني مناسبات للتغير الحتمي، ففي الغالب يحتفظ الشاعر بالشكل الأول لقصيدته، مهما تعددت قراءته لها أو تعددت مرات طباعتها. رغم إحساسه أحياناً أن في هذه القصيدة أو تلك ما كان يمكنه الارتقاء بصياغته اللغوية أو الدلالية بشكل أفضل.

من الطبيعي القول إن حاجة القصيدة إلى معاودة النظر ليست حتمية على الدوام. لكنها تختلف من قصيدة إلى أخرى ومن شاعر إلى آخر. ففي قصيدة الجلسة الواحدة، أو الشوط الكتابي الواحد قد تكون هذه الحاجة أشد وضوحاً. ومع ذلك فإن هذه الحالة واحدة من ظواهر الوعي الفني، التي تصل أحياناً الى أن تكون وسواساً لدى الكثير من الشعراء، فهي تمثل قلق الشاعر على صنعته الشعرية، وسعيه المربك إلى الاكتمال الذي يظلّ بعيداً.

والشعراء لا يتساوون في تعاملهم مع هذه اللحظة الشعرية التي انسابت من بين أصابعهم متعجلة ولم تأخذ حصتها الكاملة من لهب الموقد.

كان الشاعر الرومانسي الإنكليزي جون كيتس، مثلاً، يعيد النظر في الكثير مما يكتب حتى بعد النشر. أدونيس قام بتغييرات في الكثير من نصوصه الشعرية، وسمى هذه التغييرات “صياغة نهائية”. أما محمود درويش فقد قال ذات يوم “لو أتيح لي إعادة كتابة مؤلفاتي لحذفت منها الكثير”. لذلك لم يتردد في القيام بتغييرات واضحة في بعض قصائده، سواء خلال نشرها لاحقاً، أو أثناء قراءتها أمام الجمهور. وقد رصد ذلك بعناية واضحة الناقد الفلسطيني عادل الأسطة، حتى أن درويش وصفه بالمحقق الذي “يمارس دوراً بوليسيًّا”. وهناك من يفعل هذه التغييرات وإن على نطاق محدود. وقبل أيام أصدر الشاعر والناقد العراقي محمد صابر عبيد صياغة نهائية لأعماله الشعرية.

وقد يلجأ بعض الشعراء، كما فعل سركون بولص، إلى كتابة قصيدة له مرة أخرى وفي أفق رؤيوي مغاير. وأذكر، في السياق ذاته، أنني عشت هذه التجربة في قصيدة “تخطيطات في دفاتر ابن زريق الواسطي” التي أعدت كتابتها ضمن قصيدة أخرى، بدوافع دلالية وجمالية مختلفة.

في اعتقادي أن تعديلاتٍ كهذه، كما أشرت في حوار مع مجلة الثقافة العراقية، قد تعود بمردود جمالي أو دلالي كبير على القصيدة، يتدارك فيها الشاعر ما فاته لحظة الكتابة، أو يكفِّر فيها عن تلك الغُصّة الشعرية التي ظلت ترافقه طويلاً. لكن ذلك قد يلحق إرباكاً مؤكداً بالجانب الوثائقي من تطور الشاعر، الذي يحرص عليه كتاب سيرته، أو من يتتبعون تحولاته الفنية والفكرية ومنعطفات تجربته.

لا شك في أن الشاعر يحرص على الظهور بكامل لياقته الشعرية في أيّ منجزٍ شعريٍّ له. ومن كمال ذلك استبعاد ما يخلخل تلك الصورة أو يعكرها، كحذف بعض القصائد، أو حذف أجزاء منها، أوعدم نشرها أصلاً.

وخلاصة القول أن هناك معيارين يتفاعلان في هذه القضية الشعرية: دقةُ الوثيقة وجماليةُ النصّ. فالمعيارالتوثيقي ينظر إلى النصّ باعتباره مدونة لا يمكن المساس بها، لأنها شهادة على رحلة الشاعر الإنسانية والفكرية والشعرية، في مسارٍ زمنيٍّ معلوم. أما المعيار الآخر فهو جماليّ بنيويّ وصفيّ، لا ينظر إلى القصيدة إلاّ بكونها بنيةً جماليةً لغويةً وفكرية، لها زمنها الخاصّ ومنطقها الشعريّ المكتفي بذاته.

شاعر عراقي

14