الشاعر وفلسطين

السبت 2017/08/12

واظبتُ قبل سنوات، كلما أطلقتْ إسرائيل حربا جديدة، على طلب شهادات شعراء أجانب لصالح جرائد عربية، يدفعني في ذلك البحث عن تمثل صورتنا كضحية مفترضة لدى الآخر.

خلال حرب إسرائيل الأخيرة على غزة، تلقيتُ شهادات أكثر من عشرين شاعرا من العالم، تستوقفني الآن منها شهادتا شاعرين اختارا أن يطلا على ما حدث، كل واحد من زاويته.

الأولى للشاعر الشيلي ألبرتو كورابل، أخبرني فيها أنه أجهش بالبكاء، رفقة زوجته سوزانا، حينما فتحَ جهاز التلفاز على صورة لجثة طفلة رضيعة جَنب جثث أفراد عائلتها. قال لي ألبرتو إنه أحس كما لو أنه فقدَ طفلتَه التي لم يُرزق بها أبدا، وهو الذي أمضى خمسا وعشرين سنة منفيا بكندا، بعد انقلاب الشيلي وبعد وفاة صديقه المبدع والموسيقي الشهير فيكتو خارا، الذي أقدم الانقلابيون على بتر أصابعه التي كانت تعزف للثورة.

أما الشهادة الثانية فجاءتني من الشاعر الكندي إميل مارتل، لم ينس مارتل، وهو الذي خَبر العمل الدبلوماسي من خلال اشتغاله بسفارة كندا بإسبانيا زمن حكم فرانكو، أن يُحذرني من أن شهادته قد لا تنفع الملف الذي كنت أعده، ثم كَتب بالحرف “أعيش بعيدا عن الحرب، وأجد نفسي مُشمئزا من هؤلاء البلهاء الأصوليين الذين يبحثون، بأي طريقة، بما فيها إرهاب الأبرياء، عن تدمير دولة، وكما يحدث في مثل هذه الظروف، تستعمل هذه الدولة كل الطرق وكل الإمكانيات من أجل الدفاع عن نفسها ضد الذين يريدون تدميرها. إسرائيل دولة ديمقراطية وأنا أحترم الأنظمة الديمقراطية” (كذا!).

إميل مارتل قد لا يكون الشاعر الكندي الوحيد الذي ينظر إلى مأساة فلسطين من هذه الزاوية، ولحسن الحظ أن أغلبَ شعراء منطقة الكيبك يحتفظون بفلسطين داخل قصائدهم وداخل قلوبهم، لكنني رغم ذلك، لم أفهم شخصيا كيف يستطيع شاعر أن يجعل من مجرمي الحرب ضحايا يدافعون عن دولتهم الديمقراطية، وأن لا ينتبه إلى كل هذا الألم الذي ينبعثُ من صور الضحايا من الأطفال والرضع، قد يفعلها السياسيون، وقد فعلوها بمكر أكثر من مرة، بما فيهم الإخوة، أما الشاعر فلا عذر له.

كتبتُ ذلك لإميل مارتل، ثم سألته دون لباقة “هل أنت شاعر بالفعل؟”، لم يجبني، ولا يهمني أن أفقدَ صديقا يحب الديمقراطية، على طريقته، حتى لو كانت حمايتُها تقتضي قتلَ شعب بكامله.

قبل سنتين، دعوتُ هذه المرة مئة كاتب مغربي إلى كتابة شهاداتهم عن فلسطين، بمناسبة استضافة المعرض الدولي للنشر والكتاب بالدار البيضاء لفلسطين، وكنتُ سعيدا بتوصلي بالشهادات في أقل من أسبوع، بل إنني توصلت بشهادات كُتاب لم أستكتبهم أصلا، غير أن الصورة ليست دائما صافية، ثمة دائما نشاز ما، شاعر شهير، احتسبَ عدد كلمات شهادته، وقدّر الثمن، وظل يطالبُ بتعويضات عن تعبه في التفكير في فلسطين!

كاتب مغربي

17