الشاعر ولـذة الوهـم

الجمعة 2016/05/20

جزء كبير من الجسـد الشـعري العربي كان يمثل ثناء على الحياة أو تطرية لها أو تسريبا للإيقاع إلى مفاصلها المتخشبة حتى كدنا ننسى أن للشعر صلة ما بمنابته الأولى، حين كان ابن الطبيعة بكلّ ما فيها من تلقائية وبكارة وفوضى، وحين كان حارسا لفظاظة الروح غير المقهورة، وصنوا للجسد القادر على ارتجال مباهجه، والاحتفاء بخساراته، أو هشاشته دون حياء كاذب أو بسالة مدّعاة.

ها هو الشاعر الحديث واقف في حيزه الضيق يرقب الواقع ينفلت من بين قصائده أو يتسرب من ثنايا شباكه المرخـاة في الريح دون جدوى. مؤلمة كانت انتقالةُ الشاعر من أفقه العام إلى انهماكاته الداخلية، من فروسيته الحقة أو المدعـاة إلى شجاعة اليائس المحدّق بالهاوية بعينين مليئتين بالغضب أو الحيرة أو العجز.

هذه الكلمة محاولة للحاق بالشاعر وهو يتراجع عن فضاءاته الخارجية أو مناطق نفوذه الموروثة أو حكمته الفائضة عن الحاجة أحيانا. مجموعة من شعراء الحداثة كانوا يوزعون مواقفهم على مستويات شتى. الواهم الكبير، والأعزل المخبوء في محنة روحه المتشظية، والمغلوب على أمره الشعري والإنساني، وأخيرا المطرود من وطن متوهم طالما بالغ في الانتماء إليه واحتمال جبروته.

الشاعر، إذا، أمام لحظة الإقرار الكبير بالخذلان أو العجز. لحظة بالغة الخصوصية، يتمرد فيها الشاعر على جبروته الكاذب وتماثله القطيعي ويستعيض عنهما بشجاعة الممعن في يأسه، والممعن في نقائه أيضا.

في نصوص محمد الماغوط مثلا ثمة وهم ساطع وهم البدائي المشرد، بين المطر وبكارة الليل. هربا من عبودية الآن، والهنا، إلى حياة وحشية صافية، يكتشف فيها روحه وجسده معا وهما يتفتحان عاريين أمام الطبيعة. وبذلك، ومن خلال هذا الوهم، يحقق الشاعر منتهى حريته، حيث يغدو جزءا من تموّج الليل. وحرية الريح. وحتى يستكمل وهمه الشرس الوحشي هذا، فإن الماغوط يجعل من العبودية لذة، ويفجر فيها ومنها حياة أخرى، ليصعد بها إلى أفق الوهم. وكأن الوهـم لدى الماغوط أكثر رفعة من الحلم وأشدّ نقاء منه.

فالحلم اليوم لم يعد حلما، فقد شاع وابتذل، وأُثبت الواقع بطلانه مرات عديدة. الحلم فضلة المحتمل، وبقية الممكن، التي قد نعوّل عليها، وقد نتغنى بها، ولكن غناءنا لها جزءٌ من ازدواجية لا نستطيع التخلص منها، والحالم في زماننا هذا يسمّي هزائمه وخساراته بأضدادها، هربا من الاعتراف الكبير والمزري بهذه الخسارات والهزائم، وإنكارا لمذلته التي يتمرغ فيها كل يوم.

أما لدى سركون بولص، فإن هذا الارتطام المريع بين عبودية الواقع وحرية الوهم يصل أقصى مدياته، فنحن لا نجد في شعر سركون ذلك الصرير الأيديولوجي الصادر عن مطحنة فكرية تحتقن بالزيف والمداهنة. بل نجد أنفسنا، كما في قصيدته “تحولات الرجل العادي” مثلا، أمام بطل النصّ، أو الأنا الشعرية وهي تنشطر بين عالمين: الأسطورة والفعل اليومي المكرور، رجلٌ نهاري مسطح، بالغُ الشيوع ودون تضاريس، أخذته واجباته اليومية إلى خارج نفسه، وأفقدته بفعل التكرار جموحه الداخلي، وأخمدت فيه شكوى المتذمر وتململ الحانق.

لم يعد أمام الشاعر إذا إلاّ وهمه الجميل هذا يكشف به عن ضعفنا الإنساني، لا ليزيده ابتذالا، بل ليرتقي به، عبر الاعتراف الملتهب والحميم، إلى مستوى أسطوري ليلي مفعم بالمعنى، يفارق فيه عمومية البشر النهاريين، حيث الوضوح والتشابه والطاعة.

وليس بعيدا عن سركون بولص، الذي ينتصر على العالم النهاري القطيعي والمتماثل، يحقق محمود درويش انتصارا من نوعٍ آخر، انتصار الإبداع على قوى الفناء والتلاشي، انتصاره هو على موته الشخصي، بعد أن نزع عنه غموضه وتعاليه وخفاءه ولاإنسانيته، ويجعله موضوعا للسخرية والتندر أحيانا.

يستدرج درويش موته الشخصي إلى كمين لا يمكن الخروج منه: اللغة، وينهال عليه بوابل من صلف الخطاب الشعري ونرجسيته المحرقة، وبذلك يبدو الشاعر هو المقتحم والآمر، هو الناهي والمتحكم واللاعب باللغة. أما الموت فهو الواقعي في أدنى مراتبه، إنه المصغي، والمهجو، والخاضع لفعل اللغة التي تفتك بجبروته القديم.

شاعر من العراق مقيم في الإمارات

14