الشاعر وليد الخشاب: الشعر العربي اليوم يعود إلى أصله الشفاهي

الشاعر المصري يقر بأن قضية الحداثة وتغيّرات العالم بفعل التحديث المتواصل هي إحدى القضايا المركزية في كافة دواوينه.
الأربعاء 2020/04/01
أتأمّل مخطوطة ديواني لعام أو أكثر بعد اكتمالها

عرفت تسعينات القرن الماضي وليد الخشاب ناقدا وأكاديميا ومترجما ومثقفا له حضوره الفاعل وعطاؤه المتميز في المشهد الثقافي والإبداعي المصري، حيث شارك في دعم رؤى وأفكار شعراء قصيدة النثر أو قصيدة التفاصيل كما يحب أن يسميها. في هذا الحوار مع الخشاب تحاول “العرب” إضاءة تجربة شعرية وثقافية جديرة بالتعرف عليها.

في تسعينات القرن الماضي كان الشاعر المصري وليد الخشاب يسعى لخصوصية تجربته، لكنه لم يطبع ديوانه الأول “الموتى لا يستهلكون” إلا في مطلع الألفية الثالثة حيث تعامل مع تجربته بقسوة ربما حذرا من الاستسهال أو خوفا من الاتهام به.

وقد نتفهم حذر الشاعر حيث كانت تلك الفترة زاخرة بالاتهامات لشعراء قصيدة النثر ونقادها والمدافعين عنها، ويبدو أن حذره وخوفه استمرّا حيث جاء ديوانه الثاني “التي” بعد 12 عاما، وديوانه الثالث “قمر مفاجئ”، وأخيرا أصدر ديوانه الرابع “كشك اعتماد” عن دار المرايا الذي احتفل بتوقيعه في معرض القاهرة للكتاب.

قصيدة التفاصيل

خروج على المألوف في النوع الشعري
خروج على المألوف في النوع الشعري

يقول الخشاب “بدأت الكتابة في الثمانينات لكني لم أنشر ديواني الأول ‘الموتى لا يستهلكون‘ إلا عام 2001، وكان الديوان شبه مكتمل قبل نشره بثلاث سنوات. يعني هذا أني انتظرت ما يقرب من عشرين عاماً قبل أن أنشر شعراً، منذ أول قصيدة كتبتها حوالي عام 1983 إلى لحظة ظهور ديواني الأول عام 2001. ثم انتظرت أكثر من 12 عاماً قبل نشر ديواني الثاني ‘التي‘ عام 2013. قد يعني هذا ببساطة أني كسول. لكن المؤكد هو أني لا أطمئن لصلاحية قصيدة ما للنشر إلا بعد تمحيص وانتظار قد يدومان سنيناً، خاصة وأنني ناقد وأكاديمي بالإضافة إلى كوني أكتب الشعر. فالناقد بداخلي يقسو على الشاعر الذي يكتب بيدي، ويتحسب من أن يكون النشر متسرعاً”.

وحول عنوان ديوانه الجديد “كشك اعتماد” وهو عنوان أقرب لعنوان رواية أو مجموعة قصصية، يقول الخشاب “لم يدر ببالي أن عنوان ديواني الأخير ‘كشك اعتماد‘ أقرب إلى عناوين الروايات، وأظن الملاحظة في محلها. أجتهد لأختار عناوين دواويني بحيث تبدو جديدة على الأذن، وخارجةً على المألوف في النوع الشعري الذي ينتمي له الديوان. لكن الديوان نفسه هو الذي يفرض عنوانه. عادة ما يكون العنوان عندي عبارة دالة مستخدمة في قصيدة بعينها. عنوان ديواني الأول ‘الموتى لا يستهلكون‘ هو أول سطر في قصيدة محورية بالكتاب، وكذلك عنوان ديواني الثالث ‘قمر مفاجئ‘ هو بالأصل سطر في قصيدة. وكلمة ‘التي‘ التي اخترتها عنواناً لديواني الثاني تتكرر كثيراً في مطلع القصائد بذلك الكتاب”.

ويشير الخشاب “طيلة حياتي الأكاديمية، قاومت استخدام مصطلح ‘قصيدة النثر‘ للإشارة إلى القصيدة العربية المتحررة من المجاز التي برزت بقوة مع نهاية الثمانينات وبداية التسعينات المصرية، لأن المصطلح لا يتطابق مع ما يسميه النقد الأوروبي ‘قصيدة النثر‘ في الفرنسية والإنجليزية. فالأخيرة مقصود بها ببساطة قصيدة مصفوفة صفَ النثر، ذات جمل طويلة وفقرات متعددة. لكني أتفهم غلبة مفهوم قصيدة النثر على المشهد الشعري العربي، وأحتفي بتناسب تلك العبارة مع جماليات القصيدة التي سادت منذ التسعينات: قصيدة تقتصد في الانفعال وتحتفي بالتفاصيل وتتجنب الإفراط في المجاز، ولذلك أستخدم عادة تعبير ‘قصيدة التفاصيل‘”.

ويلفت الخشاب إلى أنه “كقارئ وكاتب للشعر، ربما تأثر بشكل غير واعٍ بجماليات القصيدة عند بعض الشعراء الغربيين، مثل الفرنسيين إليوار وبريفير، وهي جماليات قريبة من سمات قصيدة التفاصيل: معجم بسيط، صور غير مألوفة لكن تبتعد عن المجاز المعقد، إيجاز شديد في العبارة، وبناء يعتمد على تفاصيل عادية أو يومية. لذلك كثيراً ما أقول إن أنسي الحاج ومحمد الماغوط ليسا وحدهما ضمن آباء قصيدة النثر العربية، بل إن الترجمات العربية لناظم حكمت وبريشت ونيرودا ولوركا، بالإضافة إلى فيرلين وإيلوار وبريفير تنضم إلى قائمة ‘أسلاف‘ تلك القصيدة العربية. مع ملاحظة أن التفات هؤلاء الشعراء إلى قضايا اليسار لم يكن هو ما انتقل لقصيدة نهايات القرن العشرين في العالم العربي، بل إن تأثيرهم كان يتمثل في النظرة للتفاصيل دون الكليات، وللمفردات والتراكيب السهلة اليومية”.

ويقر الخشاب “هذا تصوري عن الشعر الذي أكتبه والشعراء الذين أحب أن تتلمس قصائدي خطاهم. لكن ذائقتي كناقد وأكاديمي تتسع للاستمتاع بجماليات متباينة ومتناقضة من التراثات الغربية والعربية، قد لا تنعكس على كتابتي”.

الشعر الشفهي

قصيدة التفاصيل ليست قصيدة النثر
قصيدة التفاصيل ليست قصيدة النثر

يوضح وليد الخشاب “قبل سفري إلى كندا في نهاية التسعينات، كان إنتاجي النقدي محصورا في تحليل منتجات ثقافية أدبية وسينمائية، وكثيرا ما ركزت دراساتي على ظاهرة تفاعل النصوص بعضها مع بعض في الاقتباس، مثلاً بين الأدب والمسرح، أو بين الرواية والسينما، أو في التناص الأدبي، مثلاً بين مسرحي العبث في أوروبا ومصر. منذ استقررت في كندا، وبالتوازي مع تقدمي في دراسة الدكتوراه ثم مناقشتها، بدأ أفق اهتماماتي الأكاديمية في التوسع، في إطار شغفي بالنقد الثقافي. مازلت مهموماً بقضية الاقتباس بوصفه نموذجاً أساسياً في التفاعل الثقافي بين العرب والغرب، حيث إن نقل الحداثة من الغرب إلى العالم العربي قد تم من خلال اقتباس العرب لأساليب الحياة ولأدوات الإدارة والحكم وللقضايا الفكرية والأنواع الفنية والأدبية الغالبة في الغرب”.

ويضيف “للوهلة الأولى قد لاتبدو الصلة واضحة بين هذه الهموم الأكاديمية وعوالم دواويني. لكن الواقع أن قضية الحداثة وتغيرات العالم بفعل التحديث المتواصل هي إحدى القضايا المركزية في كافة دواويني. في ‘الموتى لا يستهلكون‘ أتأمل تحولات القاهرة، وتبدل شكل بعض أحيائها حتى يشبه بعض أحياء مدن أميركية حديثة، من حيث هيمنة رأس المال عليها وتطبيعها بطابع التسليع والمكننة وتوحيد المناظر”.

ويتابع الخشاب “أعتز بتجربتي في ترجمة كتاب ‘مدخل إلى الشعر الشفاهي‘ لبول زومتور الذي صدر عام 1999 عن دار شرقيات، فهو سِفْرٌ وكتاب عُمْدة في ذلك المجال، وأظنها أنضج تجاربي في الترجمة. كنت أترجم الكتاب بالتوازي مع كتابة القصائد التي ضمها ديواني الأول، والديوان قد اكتمل في الوقت نفسه الذي اكتملت ترجمتي لكتاب الشعر الشفاهي، وما تأخر صدور الديوان عن وقت صدور الترجمة إلا بسبب عادتي أن أتأمل مخطوطة ديواني لعام أو أكثر بعد اكتمالها، حرصاً على تنقيحها وتصفيتها مما لا طائل منه في الشعر”.

ويتابع الشاعر “لا أعي تأثيراً لنظرية زومتور في الشعر الشفاهي على كتابتي وإن كنت أتعاطف فكرياً مع تعريفه الواسع للشعر، الذي لا يقتصر على ما هو مكتوب ومنشور في صورة طباعية، بل يدخل فيه ما قد يسميه البعض بالأغاني والأهازيج والإنشاد، وهو يلمس بذلك عصباً حساساً عند الشعراء المعاصرين، إذ يذكرنا بأن الشعر في أصوله عند الإغريق القدماء كما عند عرب الجاهلية كان شفاهياً، وأن تداول الشعر كان يعتمد أساساً على أدائه الحي بين الناس. ظهر كتاب زومتور قبل ظهور الإنترنت وقبل تشجيع منصات التواصل الحديثة وموقع يوتيوب على عودة الشعر العربي لحالة شفاهة ‘بدائية‘ أو مبدئية، لكنه يساعدنا في فهم وتثمين الجانب الشفاهي في الشعر اليوم، وقيمة تداوله لفظاً لا طباعةً. وأزعم أني أعتني بهذا الجانب في قصائدي. فلا أكتفي بضبط إيقاعها الحر في الصف الطباعي وإنما أعدل فيها حتى تستقيم مع الأذن السامعة إذا أُلقِيَت جهرا”.

15