الشاعر يوسف بزي: الحداثة العربية ميليشيا فاشية وشاعرها شبيح

الثلاثاء 2013/10/01
بزي: طفولتي ومراهقتي وشبابي قضيتها في خضم الحرب

بيروت- وصف الشاعر والصحفي اللبناني يوسف بزي بأنه من الشعراء الذين يحبون الغوص في اللغة، وتفجير طاقاتها البلاغية والأسلوبية، إلا أن الشاعر يفضّل اللعب مع اللغة بوصفه شقياً، لا ذكياً ولا سباحاً ماهراً، أي بوصفه فوضوياً يسعى إلى التنظيم لا بوصفه مهندساً حاذقاً، عن عدة مواضيع وقضايا كان لنا معه هذا الحوار.

بدأت بالسؤال عما إذا كانت الثورات العربية جعلت من الشعر السياسي ضرورة. فقال: ما بين عامي 2005 و2011، عملت شخصياً على تجربة العودة إلى الشعر السياسي لأسباب تتعلق بالتجربة اللبنانية في العام 2005.

وكتبت مقالات عدة محاولاً تلمس خطاب نقدي مقنع لهكذا عودة، فنحن -كما نعرف- عانينا في الشعر العربي خصوصا في السبعينات وإلى الثمانينات من طغيان نمط من الشعر السياسي المباشر والركيك الذي يستعين بالشعر من أجل الدعاوى الأيديولوجية أو من أجل التعبئة والتحريض والتبشير، كأنه ترس في آلة "البروباغاندا" الحزبية. تلك التجربة جعلتنا ننفر من كل شعر سياسي فيما بعد ونبتعد عن تهمة أو شبهة الشعر السياسي ونحاول تنظيف قصائدنا من أي ملمح سياسي، لكن هذا أدى بجزء كبير من التجارب ما بعد الثمانينات إلى أن تكون نظيفة إلى حد الخواء، مغتربة إلى حد الانمحاء، متعالية إلى حد الكذب، جميلة، وسكرية على نحو يقطع أية صلة بالواقع".

ويضيف : "في العام 2005، وجدت نفسي ورفاقاً لي متورطين كناشطين وكمثقفين وكشعراء في انتفاضة سميت انتفاضة الاستقلال ووجدنا أنفسنا في خضم مئات الألوف من البشر في جسم واحد من غير ذوبان فردياتنا، وفي مشاعر متوحدة كأننا في قلب غنائية كبرى.

هذا ما دلني على أن أعود وأستكشف احتمال كتابة قصيدة سياسية، خالية من مثالب إرث القصيدة السياسية السابقة، ولا تتخلى عن الشرط الشعري من أجل وضوح سياسي. أظن أن تجربة 2011 وحتى اليوم من تونس إلى ليببا إلى مصر إلى اليمن إلى البحرين إلى سوريا تؤكد عودة الشعر – لا القصيدة – إلى الحياة وإلى التداول العام. أقصد بالشعر هنا كل الممارسات العفوية الفطرية، التي قام بها عشرات الألوف من شبان اللاب توب، والغرافيتي والهيب هوب، والراب، والستاتوس الفيسبوكي، وعدسة الهاتف المحمول، واليافطة المرتجلة للتو في الزنتان الليبية أو في ميدان التحرير في القاهرة، أو في كفرنبل السورية، عاد الشعر مع حنجرة إبراهيم القاشوش، أو من كلمة مبحوحة لتوكل كرمان، أو من دمعة وائل غنيم، أو من صرخة الالتراس في القاهرة، أو في رسم الغرافيتي، هذه ثورات ناضحة بالشعر وتفتقر إلى الشعراء، لأن شعراءنا على مثال أدونيس هم ميليشيا الحداثة، وشبيحة الثقافة.

أدونيس و"السيد الرئيس"


في تعليق له على رسالة أدونيس إلى الرئيس بشار الأسد يقول الشاعر يوسف بزي: "قرأت رسالة أدونيس إلى الرئيس السوري… وطوال الوقت، اجتاحتني الريبة من كل عبارة فيها، ففي اللحظة التي كان فيها الشعب السوري ينزع أي وهم عن شرعية الرئيس بشار الأسد، ويشرع في ثورته الأشد جرأة بين كل الثورات العربية، اختار رمز أيديولوجيا الحداثة أن لا يخاطب شعبه أو مواطنيه، بل أن يخاطب الدكتاتور بلغة ودودة، دبلوماسية، وبمضمون مبني على كلمة "الرئيس المنتخب"، وهذه العبارة تعطي من قبل الأستاذ أدونيس شرعية غير متوفرة في هكذا رئيس.

بدا أدونيس على مسافة من الثورة أبعد بكثير من أية مسافة تفصله عن السلطة، بل يجوز القول إن أدونيس على مقربة من السلطة وعلى فارق هوة مع الشعب السوري. واقترنت تلك الرسالة برأي أكده مرارا الأستاذ أدونيس في شعب الثورة لا فقط في الثورة نفسها فبدت نظرته إلى شعب الثورة أنه أقل جدارة في المرتبة الإنسانية من أن يثور. طالما أن هذا الشعب لم يخرج من "معاهد" الحداثة التي شيدها أدونيس في مخيلته وطالما أن هذا الشعب يخرج من المساجد لا من عباءته. لذا كان قولي السابق في رسالة أدونيس".

ويضيف : "كنت سأستغرب جدا لو كان موقف أدونيس مغايرا لموقفه هذا، إذ أحسب أن أيديولوجيا الحداثة، تضم أفكار البعث وأفكار الحزب السوري القومي الاجتماعي وأفكار الفاشية العربية بوجهيها العسكريتاري والثقافي، فتوالف ما بين الديكتاتور والشاعر في نفس واحدة. قد يحق للبعض التشكيك في دوافع انتقاد أدونيس الذي قد يشوبه ثأرات شخصانية أو ضغائن مترسبة من تنافسات أدبية، لا أنفي ذلك عن مجمل تلك الانتقادات، ولا أنفي انتهاز البعض لـ"سقطة" أدونيس كي يجهز على صورة أدونيس وشهرته ومكانته".

الحياد المزيف


لكن هل حاول أدونيس في رسالته هذه التي شغلت الوسط الثقافي العربي أن يقف على الحياد وهل يحق للشاعر أن يقف على الحياد. عن هذا يجيب يوسف بزي: "الشاعر الذي فعلا على حياد هو الذي يقرر كتم الكتابة، إفراغها من أي معنى، لكن حياد أدونيس مزيف، لأنه قائم على مساواة الضحية بالجلاد في أفضل الحالات ولأن عقل أدونيس البطريركي يرتجف من تمرد الأبناء.

حياد أدونيس قائم على خوف صائب، من أن سقوط النظام هو أيضا سقوط البطريركية التي تتيح له الجلوس متربعا على سدتها.

دائماً ما تعجبي الفكرة التالية : عندما توفي حافظ الأسد "باني سوريا الحديثة" لم يدفن في دمشق، إنما اُعيد جثمانه إلى مسقط رأسه، إلى القرداحة، فلا مأمن لجثمان حافظ الأسد في عاصمته، أورد هذا المثل لأقول إن أدونيس الذي خرج في منتصف الخمسينات من سوريا إلى "رصيف بيروت الحداثة" إلى باريس الكوزموبوليتية إلى العالمية "النوبلية"، انتهى به المقام بأن يعود إلى مسقط رأسه ويفتتح "مضافة " ويلبس العباءة التقليدية ويجلس مرحبا بالمريدين، فاكتملت تلك الدائرة بلحظة العودة إلى مسقط الرأس، وفي السياسة أيضاً انتهت مغامرة أدونيس، إلى أن يحيد إلى حضن الخوف على الأقلية، والذود الباطني عن الطائفة، وازدراء أغلبية السوريين "الأميين، الجهلاء، الظلاميين"، فارتاح على وضوحه وباطنة. الحياد وهم، أو شبه مستحيل، أنا مع الانحياز الموضوعي، الانحياز الأخلاقي، إن كان ذلك في مهنتي كصحفي أو في كتابتي كشاعر".

ازدهار الرواية


وعن الرأي القائل إننا في زمن الرواية اليوم وهل سينقرض الشعر انطلاقاً من هذا الواقع يقول : "لا أعرف لماذا يكون الزمن إما للرواية أو للشعر، من أتى بهكذا شرط، لست أدري، لكن كما قلت سابقاً، نعيش فترة استثنائية لازدهار الرواية وفترة مؤقتة من تلعثم القصيدة إنما نعيش في زمن شاعري بامتياز، فهذه الثورات في العمق دافعها العاطفي الأساس هو حلم شاعري، ما معنى أن نطلب الكرامة أو الحرية أو العدالة ! كلمات تنم عن إغراء شاعري قبل أن تكون قوانين أو دساتير أو ديمقراطية.

الدافع شاعري، وعيش التجارب التي تخضع لها المجتمعات العربية اليوم هو عيش شاعري. التعابير التي سردتها سابقا التي تقولها تلك الجموع وتلك الشبيبة والصور التي تنتج عن هذه الثورات والمشهديات الكبرى التي يصنعها هؤلاء كلها شاعرية . نحن نعيش اليوم ازدهار الرواية وتلعثم القصيدة واستثنائية شاعرية.

المشكلة في القصيدة كواسطة لقول الشعر هي التي تعاني من مشكلة وليس الشعر. الشعر يمر ويتنفس اليوم عبر الإنترنت وكل الوسائط التي يستعملها الشباب، عبر كل اجتراح لفكرة سياسية تنبت من الشارع، عبر كل موت يسقط فيه أبرياء. لكن القصيدة الحديثة بترسيماتها التي كانت سائدة هي التي تعاني من أزمة . الشعر ليس قصيدة. الشعر اوسع من القصيدة.

القصيدة واسطة، هي شكل، أما الشعر فهو عابر لكل أنواع الفنون. أجد الشعر في تصميم الأزياء أكثر بكثير من قصائد ركيكة. الشعر كمظهر جمالي لمفارقات الوجود ولوعينا بالوجود هو اليوم في أبهى حالته أما القصيدة كوسيلة لتمظهر الشعر فهي اليوم ضيقة وعاجزة. يعود السبب إلى أن هذه القصيدة بنت المختبر الحداثوي وفق ما صاغته أيديولوجيا الحداثة العربية. ونحن اليوم تقريبا تحررنا منها".

الشعر والاستبداد

كنت سأستغرب لو كان موقف أدونيس جيدا من الثورة السورية فأيديولوجيا الحداثة تضم أفكار البعث والقومي السوري وأفكار الفاشية العربية.


دائما ما يطالب الشاعر يوسف بزي بـ "تحرير" الشعرية من الاستبداد، ومن سلطة "الحداثة" نفسها. وعن هذا يقول: هي ليست دعوة إلى النسيان إنما دعوة إلى التمرد على ظلال الماضي وطغيانه، والانطلاق بخفة نحو هذا المستقبل بمجهوليته.

لكن ما الذي ساهم في تشكيل نصوص الشاعر يوسف بزي خصوصا وأن الشعرية لا تولد من فراغ، يقول : من الصعب حصر مصادر أي قصيدة لي او للآخرين. الوجود والتنبه إلى الوجود بكل ما فيه له سهم في صنع القصيدة.

وُصف بزي بأنه من الشعراء الذين يحبون الغوص في اللغة، وتفجير طاقاتها البلاغية أو الأسلوبية. لكنه يقول: أستغرب ذلك. أفضّل اللعب مع اللغة بوصفي شقياً، لا ذكياً ولا سباحاً ماهراً، بوصفي فوضوياً يسعى إلى التنظيم لا بوصفي مهندساً حذقاً. واللعب مع اللغة يحمل شيئاً من الخفة والمرح، والتسلية، ولذة الاستكشاف والاكتشافات المفاجئة. هذا الأقرب إليّ في محاولة صنع القصيدة ومقاربتها.

وعن شعرية القسوة في نصوصه وإذا ما كانت الحرب قد ساهمت في تشكيلها، يقول : شعر القسوة وملامح القسوة والعنف في تجربتي الشعرية بالتأكيد في المقام الأول يعود السبب فيها إلى حقيقة العالم ثم إلى تفتح وعيي على حقيقة الحرب اللبنانية التي عايشتها وتورطت فيها إلى سن متقدم.

طفولتي ومراهقتي وشبابي قضيتها في خضم الحرب، يضاف إلى كل هذا ثقافة العنف التي جذبتني في السينما والفن التشكيلي وحقائق الحياة اليومية وحاولت على الضد من سكرية ورهافة الشعر اللبناني أن أبرز "جماليات" القسوة والعنف والشاعرية الكامنة فيهما.

وعن جديده يطلعنا الشاعر يوسف بزي فيقول: "منذ أربع سنوات أنجزت نصف ديوان شعري، ولم أستطع أن أزيد على هذا النصف نصفا آخر، وهذا ما عبرت عنه بشكل متقطع في أجوبتي السابقة عن شكي في شكل القصيدة، كبناء مقنع، وكخطاب فعال، هذا مأزق شخصي، لا أحبذ تعميمه".

15