الشاعر يوسف عفط: لماذا يكتب الليبيون بأسماء مستعارة

الثلاثاء 2014/03/25
عفط: لا أشك لحظة في أني أكتب في اللاوعي

طرابلس – “جنون أنا.. عالمي موطني ومنفاي.. حيث احتكار القلم وحرفي إذا لم يكن نابضا فلا شأن لي باكتناز الحكم وللحزن، بي لذة لا تنام، مسهدة في براح الأم”، هذه كلمات يوصّف بها الشاعر الليبي يوسف عفط مناخه الإبداعي. أصدر عفط ديوانا بعنوان “هالة لبدر آخر” عام 2009، وأهداه بشكل ناعم في كلمة واحدة احتوت كل الكلام المتاح قال فيه “إليك” وكفّ عن بوح آخر إلا بوح قصائده الثلاث والعشرين التي ضمّها الديوان. التقت “العرب” بالشاعر يوسف عفط وكان لها معه هذا الحوار:

حدثنا الشاعر الليبي يوسف عفط عن بداياته، فقال: من الصعب جدّا أن أحدّد تاريخ ميلادي الشعري، ربّما دخلت عالم الشعر قبل أن أكتب بيتا واحدا. فكتبت في بداياتي محاولات قد لا تصلح لأن يطلق عليها شبه شعر، ولكنّي كنت أعشق الأدب منذ طفولتي وأحفظ الأناشيد وأردّدها دائما عن ظهر قلب، ونشأت في “الكتّاب” حيث حفظت من القرآن ما تيسّر ممّا حسن قراءتي ومخارج حروفي ومنحني ملكة الحفظ. أما كتابتي الحقيقية فكانت في بداية الألفية الثانية… وأعتقد أن الصعوبة الحقيقية هي أن أذكر من وقف معي، لأنّ الصفحات تضيق بمساحات الأسماء، من كلّ الفئات والتجارب الشعرية والحياتية، من متعلّمين وأميين، مشائخ وصياع، فقراء ومترفين”.

أطالب بأحقيتنـا في الأنسنة بعيدا عن ألفاظ الجرذان والطحالب والكلاب الضالة


نكتب بأسمائنا


عن تحقيق المعادلة الصعبة بالوصول إلى المتذوّق للشعر بكافة فئاته من البسيطة إلى النخبة، أوضح عفط أنّ التصنيفات لا تعنيه بقدر ما تعنيه الرسالة التي يحملها ويريد إيصالها، ويقول: “أحاول أن أبتعد عن المباشرة وأيضا عن الإيغال في الغموض، أما الواقع فيتحدّث عن قصائد أكتبها في اللاوعي بلغتي الفصحى التي أستعملها بعيدا عن (مكرّ، مفرّ، مقبل، مدبر معا..) وبعيدا عن التعقيد الذي يسمّونه تلاعبا بالألفاظ، ويهمني جدّا أن أوصل رسالتي إلى الدكتور في الجامعة و”السفرادجي” في المقهى، فلا يتهمني الأوّل بالمباشرة ولا الثاني بالغموض”.

وحول موضوع من يكتب من: الشاعر أم القصيدة؟ يقول عفط: “الشعر بصراحة يكتبني ولا أكتبه، والقصيدة لا تأتمر بأمري، وكثيرا ما أخلفت موعدا بيني وبينها، لذلك لا أشكّ لحظة في أنّي أكتب في اللاوعي، ممّا ينفي تماما مسألة أنّ الشعر مسألة إثبات وجود، ربّما كتابتي للمقالات لا تخلو من محاولة إظهار للذات وإثباتها أو من خلال مناشط ومحافل، ولكنّي بأمانة لا أستجدي القصيدة ولا أستعرض من خلالها مثقال ذرّة، أما لمن أكتب فلا أشكّ لحظة في أني أكتب للإنسان والسلام والحب”.

مسألة أخرى لا تروق للشاعر الليبي، تكمن في انتشار استخدام الأسماء المستعارة في الكتابة رغم هامش الحرية المتاح. وهو يرى ذلك “شيئا غير مبرّر حتى وإن حاولنا إقناع أنفسنا بكذبة المجتمع المحافظ، ولا أرى عذرا لشاعر أو شاعرة أن يكتب باسم مستعار، فأوّل حقيقة في هذه الدنيا هي أسماؤنا، كما أنّ الأسماء المستعارة (النكرة) عادة ما يضيع تحتها نسبُ القصيدة، فتنسَبُ إلى غير أبيها فيما يُسمى في قضايا الأدب بـ”الانتحال”.


شيطان أخرس


في السياق ذاته أكّد الشاعر وجوب الفصل في حرية التعبير بين الجانبين السياسي والاجتماعي، فكلّ منهما شهد مرحلتين قبل الثورة وبعدها، فحرية التعبير السياسي “كانت في عهد القذافي مصادرة تماما، وقد كنت شيطانا أخرس فلا أنا مع ولا أنا ضدّ.. ومع ذلك كانت هناك، في تلك المرحلة، مساحة للنقد الاجتماعي، فتستطيع أن تتحدّث بحرية في كثير من القضايا الاجتماعية دون أن يُصادَر صوتك، وفي المقابل فإنّ الصوت يبحّ دون أن يحدث أيّ تغيير”. ومن وجهة نظر عفط، فإنّ الأمر أضحى معكوسا تماما بعد الثورة، يقول إنّ “ضعف الدولة جعلها غير قادرة على تعديل الخطاب السياسي الذي زاغ نحو السباب، وحتى إن كانت هناك مصادرة فإنّها لا تكون من الدولة وإنما من تيّار سياسي لا يُقيم وزنا لاختلاف الرأي، ففي ليبيا قد تُصادر اليـــوم كلّكَ وليس صوتك فقط.

ولكن الأدهى بالنسبة إلى حريّة التعبير المتعلقة بالشقّ الاجتماعي، فقد تمّ اتهامي منذ فترة بالدعوة إلى الانحلال والتبشير عبر برنامج إذاعي قدّمته في إحدى الإذاعات، وأعتقد أنّ حرية التعبير من منطلق التعدّدية الفكرية هي المُصادرة بامتياز، وهي في تلاشٍ تامّ خصوصا في غياب القانون والاستناد إلى ما يُسمى بالعادات والتقاليد المقدّسة.

ضعف الدولة جعل بعض التيارات السياسيّة لا تقيم وزنا لاختلاف الرأي


رهبة القصيدة


أمّا عن استخدامه لمفردات وجمل ووصف ثائرٍ على قيم المجتمع وعن الكتابة النمطيّة، فقد كان واضحا في إجابته “إذا كانت الرهبة تصحبنا مع كلّ قصيدة جديدة نقدّمها إلى المتلقي فلا نستكين حتى نرى انطباعاتهم عليها، فما بالك بنقلة غير نمطية في القصيدة. كما أنّ الجرأة والبحث عن الجديد هاجس يجعلنا نكتب القصيدة ونوقع تحتها ونترقب وقعها… وإن كنت أتهم في أحيان عديدة بفعل التقليد، فإنّني أرى أنّه من الجائر تقويم القصيدة من خلال صدرها وعجزها بصرف النظر تماما عن الروح الكامنة في جسدها”.

للشاعر الليبي فلسفته الخاصّة بشأن جنس القصيدة، عبّر عن ذلك بقوله: “بعيدا عن فلسفة أقصدة الأنثى وتأنيث القصيدة، وبالنظر إلى أنّ القصيدة مخلوق غريب مدهش أرقى وأسمى من الجنسين، فإنّ السرّ في المحافظة على القصيدة يكمن في فهمنا لأنفسنا أولا، ومن ثمّ كيفية التعامل مع هذا الكائن الجميل الذي نسميه شعراً”.

يقول “لكلّ قصيدة خصوصيّتها وشهيقها وزفيرها المستقلّ وحتى قصائدي التي ولدت في حرب التحرير تثور وتغضب لأجل الحب والسلام، ولم أكتب قصيدة وطنية إلا ووجدتني أستهجن الإقصاء والمزايدات والمطالبة بأحقيتنا في الأنسنة بعيدا عن ملفوظات مثل الجرذان والطحالب والكلاب الضالة وكل المصطلحات الحيوانية التي لن نستطيع في وجودها أن نضع حجرا واحدا من أجل البناء”.

وعن تجربته الدولية ومشاركاته من خلال ما يُسمّيه بـ”الوحش الألكتروني” وتأسيسه لـ”مهرجان مصراتة للشعر الفصيح”، قال عفط: “لقد كثفت تواصلي مع الأشقاء العرب بعد حرب التحرير، حيث شاركت في معلقة القرائح الخضراء بتونس، وكانت فرصة رائعة للتعرّف على بعض الشعراء العرب والتواصل معهم. وقد فتح لي ذلك آفاقا أخرى لمشاركات في المغرب والجزائر ومصر”.

15