الشاهدات.. سرد يحفر في معنى الموت

السبت 2013/11/23
"الشاهدات رأسا على عقب" محاولة لقلب رؤيتنا عن الموت

دمشق-"إن للبول فلسفة وحكمة" يفتتح الروائي راهيم حساوي روايته "الشاهدات رأساً على عقب" الصادرة عن دار العين سنة 2013، بهذه الجملة التي تأتي على لسان الشخصية الرئيسية "جابر"، مقدما بها حقيقةً يصل إليها الراوي بعد مسيرة حياة تأتي في قادم صفحات الرواية جعلت من الخلاء المكان الأفضل للراحة من هاجس الموت.

يشكل لقاء الراوي "جابر" بأصدقاء طفولته "رشاد ومنار" في مطلع الرواية نقطة ارتكاز ينطلق منها النص مسترجعاً على لسان الراوي سيرة حياة شخصيةٍ يعكس من خلالها أفكاره حول مفهوم الموت، منطلقا من الذاتي ليصف العام، مستعملا في ذلك تقنية الفلاش باك، حيث يتذكر جابر إثر لقائه الجديد برشاد أيام طفولته الغابرة.


قبور الأحياء


يفتح لقاء جابر برشاد ومنار حياته على علاقات قديمة تتجدد بشكل مختلف، حيث لم يعد أي من الشخصيات ذاك الطفل الذي كان عليه في الماضي، ما يمنح علاقة جابر مع محيطه شكلا جديداً، لا سيما وأن علاقته مع منار التي أعادت إلى ذهنه صورة "كنانة" تلك الفتاة التي حمته من زوجها بديع زاهر "سارق دهن العقول" فوقع في حبها وهو طفل، ليصطدم بعد ذلك بموتها انتحارا في ذات البيت الذي عذبه بديع زاهر فيه.

تسير خطوط الرواية في زمنين مختلفين، الأول زمن جابر الطفل الذي حفرت تجربته مع "سارق دهن العقول" وزوجته المنتحرة كنانة الأثر الأعمق في شخصه، والثاني جابر الشاب المتأمل بعلاقاته مع المحيط.

ما فتئ سرد الراوي يتجوّل بين الزمنين، حيث يسترجع جابر سيرة طفولته في فترات مختلفة من الرواية، واصفا علاقته بالمقبرة مسهباً في سرد تفاصيل المكان، مظهرا أثر هذه العلاقة في نظرته إلى الموت "كانت الشاهدات واقفة ومائلة ومتكئة ومستلقية، لا تختلف كثيرا بشكلها هذا عن شكل الأحياء".

يحضر الموت في حياة جابر ليغير من مسار شخصيته، فبعدما حفر موت كنانة منتحرة ذكرى قاسية في حياته عندما كان طفلا، جاء موت رشاد المفاجئ ليدفع جابر نحو التفكير مجددا بالموت ومفاهيمنا عنه خارجا بحقائق مختلفة.

تتخذ شخصية بديع زاهر مكان صلة الوصل بين زمني جابر، حيث يلتقي جابر في جنازة رشاد بـ"سارق دهن العقول" الذي يعيد إلى ذهنه ذكرى كنانة فيعيده إلى طفولته التي ما برحها أصلاً.

ولا يقف أثر بديع زاهر في مسار حياة جابر عند هذا الحد، بل "تضيق المدينة عندما يمشي بها بديع زاهر" إذ يلقاه أينما اتجه مدللا بذلك على سلطة المجتمع التي كادت أن تدفع بجابر نحو الانتحار من على الجسر في آخر الرواية بعدما وجد بديع زاهر حاضرا في العاصمة حينما راح إليها للقاء "نينار" شقيقة "منار" صديقه.

يعتمد النص مفهوم الموت كموضوع أساسي، انطلاقا من العنوان "الشاهدات رأسا على عقب" مرورا بتحميل الموت مسؤولية تحويل مسار الشخصية الرئيسية، وانتهاءً عند فلسفة الموت التي يحمّلها النص للراوي الذي يطرح أفكاراً حول ما "يجب" أن تكون عليه علاقتنا كأحياء مع الموت.

حيث يدعي جابر على امتداد الرواية أننا كأحياء يجب ألا نأبه بالموت ولا في الأموات "فهم خلقوا لكي يكونوا أمواتاً" وفي الوقت ذاته لا ينفك يتوقّف عن استذكار الأموات دون الأحياء، محوّلاً تفاصيل المقبرة ـ خاصة الشاهدات ـ إلى دلالاتٍ تصب في رؤيته عن الموت وسعيه لقلب رؤيتنا عن الموت "رأسا على عقب".


إياك أن تنام


لم يكن شكل امتلاك الحقائق وطرحها بمناجاة داخلية هو الشكل السردي الوحيد الذي يظهره "جابر" بل يتعدى ذلك ليطرح تعريفات حول مفاهيم عامة ومثالها الندم الذي يرى أنه "ذاك الذي يجعلنا مؤمنين كل الإيمان بأننا أحرار فيما نفعل، وهو الــذي يملأ قلبنا بقوة تحرك فينا الإحساس بقيمة حريتنا في اتخاذ قــراراتنا في المرة القــادمة".

كذلك ساهمت نصيحة بديع زاهر "كن كالنعسان وإياك أن تنام" التي يعتمدها "جابر" في علاقته مع صديقه لاعب الشطرنج "رضوان اليوسف" في تكريس صورة الراوي العارف مقدم النصائح والعبر.

لعبت اللغة التقريرية التي احتوت في أغلبها على أفعال ماضية مسندة إلى الراوي دوراً في اقتراب النص من اليوميات أكثر منه إلى فن الرواية، لا سيما وأن مركزية الراوي التي اعتمدها المؤلف بضمير الأنا، إذ ترصد الرواية حركة "جابر" في المكان مظهرة الاختلاجات النفسية التي تصيبه في العلاقة مع الآخر.

ما جعل من "جابر" مركزاً، منه تلتقي وتنطلق كل خطوط الرواية دون استثناء، تنكفئ الشخصيات بشكل مباغت مثلما ظهرت، حيث تختفي شخصيات "منار، أستاذ الرياضيات، نينار" دون مصير محدد تاركةً المساحة الأكبر من النص لتفاصيل جابر الحياتية.

حاول حساوي تحرير لغة روايته التقريرية المباشرة باستعارات وتشبيهات بين الفينة والأخرى "وكان وجهه مبللا بالدمع مثل زجاج النوافذ في فصول الشتاء"، إلا أنها لم تتمكن من كسر حدة اللغة المباشرة التي كتبت بها الرواية.

"الشاهدات رأسا على عقب" محاولة لقلب رؤيتنا عن الموت ومفهومنا عنه، عن طريق ادعاء "جابر" لامتلاك فهم هذه الحقيقة التي ستبقى إلى الأبد مثار جدل الكائن البشري، لا يحسمها أحد.

16