الشاهد يؤكد أن الإصلاحات ضرورية لتونس وليست مفروضة

تثير مسألة اقتراض تونس من صندوق النقد الدولي الكثير من اللغط، إذ تعتبر الأوساط الشعبية أن تونس تخضع لإملاءات المؤسسة الدولية في تنفيذ الإصلاحات. لكن خبراء يقولون إن الحكومة بحاجة إلى دعم سياسي قوي لتتمكن من إحراز تقدّم في خطتها الإصلاحية الضرورية لإنقاذ البلاد من أزمتها.
الثلاثاء 2018/01/30
قمنا باللازم

تونس - قال رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد، الاثنين، إن الإصلاحات الموجعة التي بدأت تونس بتنفيذها ضرورية لإنقاذ اقتصاد البلاد، مؤكدا على أنها ليست مفروضة على تونس من قبل صندوق النقد الدولي.

وجاءت هذه التصريحات ردا على القائلين بأن الحكومة تنفذ اشتراطات صندوق النقد الدولي وغيره من الجهات المانحة على حساب التونسيين الذين يعيشون صعوبات اجتماعية واقتصادية.

وصرّح الشاهد، خلال افتتاح ندوة اقتصادية دولية بالعاصمة التونسية، إن “إصلاح الصناديق الاجتماعية وإصلاح قطاع الوظيفة العمومية ضروري وليس إملاءات من صندوق النقد الدولي”.

وتوجّه البعض من الأوساط السياسية خاصة المعارضة اللوم إلى الحكومة متهمة إياها بالخضوع إلى شروط وأوامر الجهات المانحة في تنفيذ إصلاحات في العديد من القطاعات على حساب موظفي القطاع العام والطبقات الاجتماعية البسيطة.

ويقول البعض إن قانون المالية للعام الحالي سعت من خلاله الحكومة إلى إرضاء المانحين أكثر من تفكيرها في قدرة التونسيين على مجابهة غلاء المعيشة، حيث زاد ارتفاع الأسعار وفرض ضرائب جديدة مشكلات المقدرة الشرائية للتونسيين خاصة أصحاب الدخل المحدود.

وأكد رئيس الحكومة أن “البوادر الإيجابية للإصلاحات التي تم الانطلاق فيها بدأت تظهر”. وأوضح أن تونس لجأت لصندوق النقد الدولي من أجل التمتع بقروض نسبة تسديدها منخفضة.

كما أشار إلى أن تونس بدأت في استعادة عافيتها من خلال تسجيل تطور في نسب النمو رغم ما تمر به المالية العمومية من صعوبات.

ويرى متابعون للشأن السياسي في تونس أن الحكومة تسعى للتأكيد أنها صاحبة السيادة في اتخاذ كل القرارات والإجراءات التي تحاول من خلالها معالجة الأوضاع. فيما يرى خبراء الاقتصاد في تونس أن الحكومة تسعى لطمأنة الجهات المانحة والمقرضين من أن الأوضاع تحت السيطرة وتحرز تقدّما في تنفيذ برامجها وأولوياتها.

وقال حسين الديماسي الخبير الاقتصادي ووزير المالية الأسبق، لـ”العرب، إن “الشاهد أراد نوعا ما أن يطمئن المسؤولين عن صندوق النقد الدولي” بهدف الحصول على القسط الثالث من القرض.

وأضاف “أنا أرى أن تصريح رئيس الحكومة له تأثير دبلوماسي أكثر منه إصلاحي”.

وشهدت تونس مطلع الشهر الحالي احتجاجات توسعت رقعتها لتشمل مناطق مختلفة من البلاد بسبب الإجراءات التي جاء بها قانون المالية لعام 2018 والذي تضمّن زيادة في أسعار العديد من المواد والسلع الاستهلاكية والخدمات.

ولجأت الحكومة إلى سياسة تقشف قاسية بهدف تجاوز مشكلاتها المالية التي ترتبت عن تراجع قطاع السياحة بسبب هجمات إرهابية عرفتها تونس خلال السنوات الماضية، إلى جانب تراجع الإنتاج بسبب تواتر الاحتجاجات المطالبة بفرص عمل.

وأقرّت الحكومات المتعاقبة منذ سقوط نظام زين العابدين بن علي العام 2011 إلى انتداب موظفين جدد في القطاع العام بهدف تهدئة الاحتجاجات، لكن تلك الإجراءات زادت من الأثقال المادية على كاهل ميزانية الدولة بسبب العدد الضخم للعاملين في القطاع العام.

وأعدّت تونس خطة لتسريح العديد من الموظفين بالإضافة إلى إحالة آخرين على التقاعد المبكر كما جمّدت الحكومة الانتداب في القطاع العام، من بين حلول أخرى تهدف إلى التخفيف من أعباء الميزانية بضغط من صندوق النقد الدولي.

واعتبر الديماسي أن الحكومة تتخذ قرارات غير مطابقة لشروط ومطالب القائمين على صندوق النقد الدولي، مؤكدا أن المؤسسة الدولية غير راضية على مسار التفاوض على الزيادة في رواتب القطاع العام، “وبالتالي يجب طمأنتها على الإصلاحات التي اشترطتها”.

حسين الديماسي: يوسف الشاهد يريد أن يطمئن المسؤولين عن صندوق النقد الدولي

وتابع “الحكومة لم تحقق تقدّما بشأن طلبات الصندوق إلى الآن”، مشددا على أن الوظيفة العمومية هي القطاع الوحيد الذي يستطيع يوسف الشاهد أن ينفذ فيه إصلاحات.

وانتقد الديماسي عدم تقدّم الحكومة في تنفيذ الإصلاحات الكبرى، ومن بينها هيكلة قطاع الوظيفة العمومية، وإصلاح الصناديق الاجتماعية، وهيكلة البنوك والمؤسسات العمومية. وتأسست حكومة الوحدة الوطنية برئاسة يوسف الشاهد خلال العام 2016، بهدف تنفيذ الإصلاحات الكبرى التي ستساعد البلاد على تجاوز أزمتها المالية. لكن في المقابل تواجه هذه الحكومة صعوبات في تنفيذ برامجها بسبب الصراعات السياسية وتكرر الاحتجاجات الاجتماعية.

ويرى حسين الديماسي أن حالة التفكك السياسي التي عانتها الحكومة تصعب عليها القيام بالإصلاحات، مؤكدا على أن الحكومة يجب أن تكون لديها أغلبية كبيرة في مجلس نواب الشعب وفي المشهد السياسي حتى تتمكّن من تنفيذ الإصلاحات.

وفقد الحزام السياسي لحكومة الشاهد، في وقت سابق، الحزب الجمهوري وآفاق تونس. وأعلنت أحزاب موقّعة على وثيقة قرطاج انسحابها من هذا الاتفاق الذي كان قاعدة على أساسها تشكلت حكومة الوحدة الوطنية.

وفي مسعى لمواجهة احتقان الشارع، عمدت الحكومة التونسية إلى إقرار إصلاحات اجتماعية جديدة من بينها توسيع الفئات المشمولة بأنظمة الرعاية الصحية وتسهيل إجراءات شراء مسكن خاص ورفع المساعدات للعائلات الفقيرة. لكن البعض من الأوساط ترى هذه الإجراءات غير كافية، رغم إيجابيتها.

وفي وقت سابق من الشهر الحالي، حاول صندوق النقد الدولي تبرئة نفسه من إجراءات التقشف التي اعتمدتها الحكومة والتي أغضبت قطاعات واسعة من التونسيين.

وقال جيري رايس، المتحدث باسم الصندوق، إن “الصندوق لا يريد إجراءات تقشف في تونس وإنه اقترح برامج لحماية الفقراء من تأثير الإصلاحات الاقتصادية”، مبديا تفهمه للإحباط الذي يشعر به التونسيون. وأكد رايس أنه “في نهاية المطاف برنامجهم، وليس شيئا مفروضا من صندوق النقد”.

وفي الكثير من الأحيان، ينتقد خبراء الاقتصاد في تونس الحكومة على خيار اللجوء للاقتراض من صندوق النقد الدولي لتجاوز صعوباتها الاقتصادية. ويقول هؤلاء إن المؤسسات الدولية تستغل الأوضاع التي تمر بها تونس لفرض توجهاتها مقابل دعم المسار الانتقالي، دون أن يكون لتونس مجال لمناقشة شروط القروض.

ودعم صندوق النقد تونس من خلال برنامج قرض قيمته 2.9 مليار دولار على مدى أربع سنوات حتى يساعدها على الخروج من أزمتها، في مقابل القيام بإصلاحات اقتصادية لمعالجة الأزمة المالية.

وأقرّ يوسف الشاهد، في كلمة ألقاها الاثنين خلال الندوة الاقتصادية، أن علاقة تونس مع صندوق النقد الدولي تحسّنت كثيرا مقارنة بالفترة الأولى التي تسلّمت فيها الحكومة عملها. وأوضح أن تونس قامت بالإصلاحات اللازمة والتي كانت مطلوبة منها وتحصلت على القسط الثاني من القرض من صندوق النقد الدولي. وأكّد على وجود بوادر إيجابية ومشجعة لحصول تونس على القسط الثالث من قرض صندوق النقد الدولي، مشيرا إلى أن مجلس الصندوق سينعقد في 13 فبراير القادم.

4