الشاهد يتخذ قرارات صارمة لضرب الفساد في الجمارك التونسية

وضع رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد إصبعه على موطن الداء خلال الزيارة المفاجئة التي أداها إلى ميناء رادس البحري بالعاصمة تونس واطلاعه على أوضاع الإدارة الجمركية موجها انتقادات صريحة ومباشرة لأداء هذه المؤسسة الغارقة في البيروقراطية والبطء والفساد.
الجمعة 2017/06/16
لا مجال بعد اليوم للفساد الإداري

تونس - جاءت جولة رئيس الحكومة التونسية في المنطقة الجمركية بالميناء مختلفة عن سابقاتها من الزيارات السطحية التي أداها عدد من المسؤولين الحكوميين الذين كانوا يكتفون بمجرد إجراءات شكلية لم تنجح في النفاذ إلى لب المشكلة التي تنخر إدارة الجمارك والتي أضحت واحدة من أكثر ملفات الفساد تعقيدا وتضخما.

ولم يكن من الصعب بحسب المتابعين الاستنتاج بأن رئيس الحكومة التونسية كان على اطلاع كامل ودقيق بكل المشاكل والمعضلات التي تعاني منها الجمارك وتفاصيل الفساد والتجاوزات التي تشمل شبكة واسعة من المتنفذين والموظفين والتي أضحت بمثابة لوبي متحكم في مداخل ومخارج الميناء.

وأبدى الشاهد خلال الزيارة عدم رضاه عن تسيير وحدة الكشف بالأشعة عن الحاويات والطرود (السكانار) كما عاين حالات التأخير والانتظار لعدد كبير من السفن المتوقفة في منطقة المياه العميقة بالميناء في انتظار تفريغها وهو ما يكلف الحكومة التونسية غرامة مالية بخمسة آلاف دولار عن كل يوم تأخير.

وشهدت السنوات الماضية تفاقم حالة التذمر والامتعاض والتشكيات من طرف أصحاب الشركات والمستثمرين والناشطين في مجال الاستيراد والتصدير من التعطيلات الكبيرة والبيروقراطية المتضخمة داخل ميناء رادس أحد أكبر المنافذ البحرية بتونس وذلك نتيجة لامبالاة موظفي ومسؤولي الجمارك وتعمد تأخير وإطالة الإجراءات الإدارية وتعقيدها بهدف ابتزاز أصحاب البضائع وشركات التخليص الجمركي ما يضطرهم إلى دفع رشاوى مالية باهظة بشكل شبه منتظم.

وتشير مصادر مطلعة إلى أن ملف الجمارك كان موضوعا على طاولة رئاسة الحكومة منذ فترة وان العمل عليه كان يتم في إطار من التكتم والسرية وذلك لعدة اعتبارات أهمها تفادي محاولات بعض مراكز القوى والنفوذ المستفيدة من مافيا الفساد الذي ينخر المنظومة الجمركية لتعطيل الإجراءات المتخذة أو طمس الملفات والوثائق والمعطيات التي توثق حالات الفساد والتجاوزات.

باسل ترجمان:فتح ملف الجمارك يؤكد أن الدولة ماضية في محاسبة الفاسدين

وتستشهد المصادر بسرعة القرارات المتخذة في وقت قياسي خلال الاجتماع الذي أشرف عليه رئيس الحكومة بحضور وزيري المالية والنقل ومدير عام الجمارك عقب الزيارة الميدانية أن البحث في حالات الفساد الموثقة بلغ مرحلة متقدمة تم على ضوئها تحديد قائمة من الأسماء والعناصر المتورطة.

وتتطابق هذه المعطيات مع تصريح وزير العلاقات مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان مهدي بن غربية والتي بين من خلاله أن زيارة رئيس الحكومة إلى ميناء رادس لم تكن “عرضا فرجويا بل كانت عملية مدروسة”.

وكانت وزارة المالية قد أعلنت في بلاغ صادر عنها عقب الاجتماع الوزاري عن إبعاد 21 عون جمارك برتب مختلفة من مواقع المسؤولية أو الإدارات الحساسة وذلك في انتظار استكمال التحقيق معهم إلى جانب إحالة 35 عونا من مختلف الرتب على مجلس الشرف طبقا للإجراءات والتراتيب الجاري بها العمل.

ويجمع المراقبون على أن التعاطي الحاصل مع ملف الجمارك يبعث برسالة مفادها استمرار رئيس الحكومة في الحرب على الفساد وتأكيد جديته من خلال فتح ملفات الفساد الإداري التي تنخر المنشآت العمومية ومؤسسات الدولة.

ويشير مراقبون إلى أن تفكيك منظومات الفساد داخل الهياكل الحكومية يستهدف بالدرجة الأولى جهازي الجمارك وقطاع الصحة العمومي اللذين يحوزان على أكبر نسبة من التجاوزات وسوء التصرف باعتبار حساسية هذين القطاعين ما تسبب في هدر الملايين من الدولارات سنويا.

ويلفت الكاتب الصحافي الفلسطيني والمختص بالشأن التونسي باسل ترجمان في تصريح لـ”العرب” أن زيارة الشاهد لميناء رادس كانت ثالث زيارة لرئيس حكومة منذ سقوط نظام بن علي لهذا المرفق الهام فيما تعد المرة الأولى التي يتم خلالها اتخاذ قرارات حازمة وصريحة لمواجهة الفساد وهذا يؤكد حقيقة واحدة أن المعركة ضد الفساد مستمرة وطويلة وصعبة ولكنها تسير بصمت وثقة.

وحول تقييمه لمضمون القرارات المتخذة وفاعليتها يرى ترجمان أن الدلالة الأهم هي تغيير نظم إدارة وتسيير مؤسسة الجمارك والتي تعتبر السبب الرئيسي وراء استشراء الفساد لما تتضمنه من نقاط ضعف تسهل من عمليات التلاعب وخرق القوانين داخل الموانئ والمعابر الحدودية ما يؤكد أهمية هذا الإجراء باعتبار أن “إصلاح هذه الإدارة وتطهيرها كان في السابق أمرا مستعصيا على المسؤولين السابقين بما في ذلك رؤساء الحكومات الذين لم يجرؤوا على المساس بهيكلة الجمارك”.

ويعتبر ترجمان أن العقوبات الردعية بحق المتجاوزين تمثل “رسالة واضحة بأن الدولة ماضية في محاسبة كل الفاسدين ومعاقبة من يقف أو يتستر على الفساد”.

وكان ملف الفساد داخل الجمارك مثار جدل في الشارع التونسي مؤخرا بعد اعترافات عماد الطرابلسي صهر الرئيس الأسبق والذي أثار خلالها قضية اللوبيات المتنفذة داخل الجمارك والمرتبطة بشبكة من رجال الأعمال وأباطرة التهريب كاشفا العديد من التفاصيل عن الممارسات التي كانت تتم بمشاركة عناصر وضباط الجمارك لتسهيل تهريب السلع والمواد الموردة وتمريرها تحت عناوين معفاة من الأداء أو ذات تعريفات منخفضة مقابل رشاوى مالية بالآلاف من الدنانير.

وخلال نقاشه مع عدد من مسؤولي الجمارك ألمح الشاهد إلى تصريحات عماد الطرابلسي قائلا “إن عائلة بن علي المتنفذة في الماضي رحلت فيما بقيت منظومة الفساد على حالها بالجمارك”.

ويرجح المحلل السياسي هشام الحاجي في تصريح لـ”العرب” أن يوسف الشاهد أراد أن يوجه رسالة للرأي العام مفادها أنه سيواصل مقاومة الفساد بعد أن تسرب الشك إلى المتابعين حول جدية حملته معتبرا أن السؤال المحوري يتمثل في معرفة قدرة الشاهد على مواصلة حملته اعتمادا على الدعم السياسي الذي يحظى به من رئاسة الجمهورية والأحزاب المشاركة في الحكومة.

4