الشاهد يدفع تونس نحو سيناريوهات مفتوحة على المجهول

يجمع مراقبون على أن الخلاف الحالي بين حكومة يوسف الشاهد والنقابات تحول إلى ما يشبه الحرب السياسية والإعلامية، الأمر الذي ستكون له تداعيات خطيرة على البلاد، ما يجعل الشاهد يخاطر بإثارة مواجهة لن تكون في صالحه وصالح البلاد.
الجمعة 2016/10/21
في انتظار الانفجار

تونس – اختار رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد الهجوم المعاكس للرد على الانتقادات والاتهامات الموجهة له ولفريقه الحكومي، في الوقت الذي توسعت فيه دائرة التحذيرات السياسية والنقابية والأمنية من أن التصعيد الكلامي الخطير الذي يسود حاليا المناخ العام في البلاد بدأ يقترب كثيرا من التوتر الذي قد يدفع تونس نحو سيناريوهات مفتوحة على المجهول.

وتتساءل الأوساط السياسية إلى أين يمكن أن يصل التصعيد، وحول مدى قدرة يوسف الشاهد على الصمود أمام حجم الضغوطات التي يتعرض لها، وما رافقها من تصعيد نقابي وسياسي متواتر، لا سيما وحكومته التي تُوصف بحكومة الوحدة الوطنية، بدأت تفقد تدريجيا تلاحمها بسبب انضمام حركة النهضة الإسلامية إلى الأطراف التي تُحذر من مخاطر توجهات حكومة الشاهد.

وفيما كانت الأنظار تتجه نحو موقف الحكومة من موقف الاتحاد العام التونسي للشغل الرافض لبعض الإجراءات التي تضمنها مشروع الموازنة العامة للبلاد للعام 2017، واتهمامه حكومة يوسف الشاهد بالتنصل من تعهداتها، والالتفاف على ما جاء في وثيقة “اتفاق قرطاج” التي حددت أولويات عمل حكومته، حذر الشاهد من سقوط حكومته، قائلا “إذا سقطت هذه الحكومة… فإنها ستسقط على رؤوس الجميع″، على حد تعبيره.

ورغم أنه وصف في تصريحات صحافية، وضع المالية العمومية في بلاده بـ”البيت الذي يحترق، والاكتفاء بالفرجة في الأثاث”، فإن ذلك لم يمنع البعض من المراقبين من القول إن مثل هذه التصريحات من شأنها تغذية التوتر الحالي بين الحكومة وعدد من النقابات، وهي بذلك هجوم معاكس غير محسوب النتائج. وتذهب ردود فعل البعض من السياسيين، والمتابعين لتطورات المشهد الحالي في تونس إلى القول إنه كان يمكن تفهم تلك التصريحات، غير أن سياقها الذي تزامن مع تزايد حدة الاحتقان في البلاد، يدفع نحو تكريس انطباع مفاده أن الشاهد يستعجل من حيث لا يدري المواجهة التي يُخشى أنها ستضع البلاد أمام سيناريوهات مفتوحة على كل الاحتمالات الخطيرة.

وفي هذا السياق، قال المُحلل السياسي هشام الحاجي لـ”العرب”، “إن مثل هذه التصريحات هي عبارة عن تحرك استباقي يعكس أن الشاهد الذي تُحاصره الاحتجاجات من كل جانب، بات يشعر بأنه تم خذلانه من الحلفاء قبل الخصوم والمعارضين”.

واعتبر أن الوضع المُرتبك الذي وجد الشاهد نفسه فيه، قد يكون وراء اندفاعه نحو اعتماد مقولة أن أفضل طريقة للدفاع هي الهجوم، وبذلك يمكن من هذه الزاوية فهم تصريحاته التي أثارت جدلا يُرجح أن يتواصل على وقع اتساع دائرة المأزق الراهن بين الحكومة والأطراف النقابية، وكذلك الحزبية.

وتعيش البلاد منذ أكثر من أسبوع على إيقاع البيانات والبيانات المضادة بين الحكومة والنقابات، ما أثار توترا واحتقانا سياسيا عكستهما الاتهامات المتبادلة، والتهديدات بالإضرابات التي تجاوزت المنظمات النقابية، لتشمل المحامين، بالإضافة إلى تراجع منظمة أرباب العمل عن مواقفها السابقة، لتُعلن رفضها لتوجهات حكومة الشاهد لمعالجة الأزمة التي تمر بها البلاد.

وأعربت الهيئة الوطنية للمحامين، عن رفضها القاطع والنهائي للإجراءات التي تضمنها مشروع قانون المالية للعام 2017 الذي سلمته حكومة الشاهد للبرلمان لمناقشته قبل المصادقة، ودعت في المقابل إلى تنظيم يوم غضب، الجمعة، يشمل تنفيذ إضراب عام عن العمل مع غلق كل مكاتب المحامين وتنظيم مسيرة احتجاجية وطنية.

وتزامن هذا التصعيد مع دخول عمال شركة “سودابس” للنفط الناشطة في صحراء تطاوين بأقصى الجنوب التونسي في إضراب عن العمل مع وقف الإنتاج احتجاجا على عدم تفعيل الاتفاقيات الموقعة لتحسين نظام الأجور، وذلك في الوقت الذي بدأت فيه الخلافات بين حكومة الشاهد والنقابات تتسلل تدريجيا إلى بقية المنظمات الوطنية، والأحزاب، منها حركة النهضة الإسلامية التي تُشارك في حكومته.

وحذرت حركة النهضة في بيان لمكتبها التنفيذي من بوادر احتقان اجتماعي وتعطل آلة الإنتاج والمزيد من تعقيد الأوضاع والمناخات العامة بالبلاد، وذلك في بيان رسمي دعت فيه الحكومة إلى “أهمية مواصلة الحوار بين الحكومة والأطراف الاجتماعية من أجل إيجاد حلول لا تثقل كاهل المالية العمومية ولا تكون على حساب القدرة الشرائية للشغالين وضعاف الحال”.

ويأتي هذا الموقف الذي عكس تطورا لافتا في علاقة النهضة بالحكومة، بينما تزايدت فيه التكهنات حول إمكانية دخول حكومة الشاهد في أزمة خطيرة، خاصة وأن هناك شبه إجماع على وصف التشكيلة الحالية للحكومة بأنها “مزيج غير متجانس، وقابل للانفجار في أي لحظة”.

ولعله لهذا السبب، لم يتردد المحلل السياسي هشام الحاجي في القول في تصريحه لـ”العرب”، إن ما ذهب إليه الشاهد من تحذيرات “ليس مثمرا لأن حكومته في حالة ضعف، ومن دون إسناد سياسي طالما أن حركة نداء تونس منقسمة، وما دامت حركة النهضة لا تساندها بشكل واضح، بل تُعارضها في أهم المحطات والملفات”.

واعتبر في هذا الصدد أن “هذه التطورات وخاصة منها الارتباك الذي أظهره يوسف الشاهد في التعاطي مع أخطر الملفات، تطرح أكثر من سؤال حول المستقبل القريب لتونس التي يبدو أنها أصبحت أمام مفترق طرق لسيناريوهات متعددة ومخيفة”.

4