الشاهد يفتح الباب أمام انعطافات سياسية جديدة في تونس

تصريحات رئيس الحكومة التونسية حملت عدة رسائل في مقدمتها توتر علاقته بالمعارضة واتحاد الشغل بسبب الإصلاحات التي تنفذها الحكومة.
السبت 2018/03/24
تصعيد غير مسبوق

تونس – فتح رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد في كلمة أثناء مساءلته من قبل البرلمان، الباب أمام انعطافات قد تكون مفصلية في البلاد من خلال إشارته إلى أنه ليس متمسكا بالبقاء في منصبه، ولن يكون “شاهد زور” على تعطل الإصلاحات الكبرى.

وقال إن حكومته “عملت خلال عام ونصف العام كل ما يمكن لإصلاح وضع البلاد ووضعها على سكة النموّ، وقامت بكل ما في وسعها رغم إكراهات المنظومة، لأنها تُدرك أن الحل يكمن في إصلاح المنظومة من الداخل”.

وشدّد على أن الإصلاحات الاقتصادية “يجب أن تبدأ بسرعة خاصة في قطاع المؤسسات العمومية”، لافتا إلى أنه يمكن التفويت في البعض منها لمعالجة عجز المالية العمومية.

واعتبر أن “تعافي المالية العمومية له حل واحد وهو الإصلاحات الهيكلية والإدارية التي يجب أن تشمل الصناديق الاجتماعية ومنظومة الدعم والمؤسسات العمومية التي تشهد عجزا”.

وبعد أن أشار إلى أنه يواجه ضغوطا من المعارضة والنقابات التي تتهمه بالفشل، أكد الشاهد أنه لن يقبل البقاء في منصبه “ليكون شاهد زور على مزيد من تأجيل الإصلاحات”.

ويرسم هذا التأكيد خطوط التقاطع والتنافر بين الشاهد والمعارضة، وخاصة بينه وبين الاتحاد العام التونسي للشغل (أكبر منظمة نقابية في البلاد)، الذي ما فتئ يُحذّر من أن التفويت في مؤسسات القطاع العام “خط أحمر لن يسمح أبدا بتجاوزه”.وتصاعدت حدة الخلافات بين الحكومة التونسية والاتحاد العام التونسي للشغل حيث تحوّل إلى معارض لسياسات الشاهد بعد أن كان أحد أبرز داعميها.

كما يزيد هذا التأكيد من عمق الدلالة السياسية في العلاقة بين الطرفين رغم محاولات الشاهد إلقاء اللوم على تردي علاقاته مع اتحاد الشغل، على بعض الأطراف الأخرى (لم يسمّها) التي قال إنها “تُراهن على توتير العلاقة بين الحكومة واتحاد الشغل”.

مراقبون ينظرون إلى تصريحات يوسف الشاهد على أنها تصعيد جديد لا يخرج عن سياق سياسة الهروب إلى الأمام

ويرى مراقبون أن هذه المحاولات تجعل التأكيد بحد ذاته أكثر اتساعا من الاستدلالات المباشرة، وينطوي على رسالة مُتعدّدة الأبعاد تحدد ملامح المشهد السياسي، وترسم محدّدات المواجهة القادمة، خاصة وأن ما جاء على لسان الشاهد تزامن مع حدثين بارزين لهما علاقة مباشرة بالجدل الذي تعيشه البلاد حول بقاء او رحيل حكومة الشاهد.

ويتعلّق الحدث الأول باجتماع غير مسبوق جمع ليل الخميس-الجمعة، بين نورالدين الطبوبي الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، وسمير ماجول رئيس منظمة أرباب العمل، وراشد الغنوشي رئيس حركة النهضة ذات المرجعية الإسلامية.

ويتعلق الحدث الثاني بالاجتماع الذي عُقد الجمعة بين الرئيس الباجي قائد السبسي، ونورالدين الطبوبي.

وأحيط الاجتماعان بتكتم شديد، حيث لم يتسرب عنهما أي شيء رغم إجماع المتابعين للشأن التونسي على أنهما لا يخرجان عن مسار بوابة التموضعات السياسة الجديدة ارتباطا بمرحلة ما بعد يوسف الشاهد.

وهو مسار لا يمكن أن تغيب عنه عوامل المواجهة ومعطياتها في سياق البحث عن مقاربات تأخذ عناوينها التفصيلية في جزء منها على الأقل من اقتراب تلك المواجهة من حافة المحظور السياسي.

وتخشى الأوساط السياسية دخول تلك المواجهة المحظور السياسي، بمعنى الاستعصاء الحكومي، وذلك ارتباطا بالرسائل الساخنة التي انطوت عليها كلمة الشاهد التي تشي بتشنج علاقته مع أحزاب المعارضة، حيث لم يتردد في اتهامها بأنها تخاف الانتخابات.

وقال مُخاطبا أعضاء البرلمان “هناك جهات رافضة للانتخابات البلدية… وثمة ناس تعتبر أن نتائج هذه الاستحقاقات ستكون ضربة قاسية لطموحاتها السياسية… وتخاف من الصندوق، وبالتالي تهرب من الاستحقاق الانتخابي”.

وتابع “أقول بصراحة، كل هذه الأطراف وغيرها، تراهن على فشل حكومة الوحدة الوطنية، وتريد رحيلها بأقصى سرعة ممكنة… لكن مساعيهم لإلغاء الانتخابات البلدية، ستفشل”.

وينظر المراقبون إلى أن ما ذهب إليه الشاهد على انه تصعيد جديد لا يخرج عن سياق سياسة الهروب إلى الأمام، التي تغلب عليها صفة التحول السريع نتيجة المعادلات المفاجئة، سواء ما تعلق منها بالمقاربات السياسية أو ما ارتبط منها بالحسابات الحزبية المتغيرة.

وترتبط هذه الحسابات بالاصطفافات الراهنة، وخاصة منها تلاقي اتحاد الشغل ومنظمة أرباب العمل في صف واحد للمطالبة بتغيير حكومي.

ويُدرك الشاهد أن هذه الاصطفافات التي انضمت إليها غالبية الأحزاب باستثناء حركة النهضة الإسلامية، تشكل بداية انعطافة سياسية هامة، باعتبارها نقلة في المواجهة ستنسحب باتجاه تعديل في موازين القوى سياسيا، بما يُفقد الاستعصاء إن هو لجأ إليه من كل عوامل التأثير الحقيقي، قبل أن يرتدّ على مستقبله السياسي.

ومع ذلك، تكشف كلمة الشاهد أن التلويح بالانسحاب المشروط من الحكم، حينا، والتصعيد حينا آخر، تعكسان حالة القلق السياسي، بعد أن وصلت حكومته إلى وضع لم تصل إليه في ذروة التجاذبات الكبرى.

4