الشاهد يقر بإخفاق تونس في تجسيد الاستحقاقات الاجتماعية للثورة

كانت مختلف التصريحات التي أدلى بها رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد بمناسبة الذكرى السادسة للثورة فرصة لقيم من خلالها ما حققته تونس اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا، كما كان فرصة ليقدم ابرز ملامح برنامجه السياسي للفترة المقبلة.
الاثنين 2017/01/16
الحكومة تتفهم المطالب المشروعة

تونس - أقر رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد بأن بلاده أخفقت في تجسيد الاستحقاقات الاجتماعية والاقتصادية لـ”الثورة” التي أطاحت بنظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي في 14 يناير 2011، وتعهد بالعمل على إرجاع “الحلم والأمل” إلى كل التونسيين.

ويأتي هذا الإقرار بالفشل، وسط إجماع مختلف الأوساط السياسية والاجتماعية على أن الواقع الاقتصادي والاجتماعي في البلاد تدهور كثيرا بالمقارنة مع الأوضاع التي كانت سائدة في العام 2010، أي قبل سقوط النظام السابق في أعقاب احتجاجات شعبية شملت غالبية المناطق بدأت في 17 ديسمبر 2010، وتواصلت على مدى شهر.

وقال الشاهد، الذي تسلم رئاسة الحكومة التونسية في التاسع والعشرين من شهر أغسطس الماضي خلفا للحبيب الصيد، في كلمة له مساء السبت بمناسبة الذكرى السادسة لـ”الثورة”، إنه بقدر “النجاح الذي حققته تونس في مجال الانتقال السياسي والديمقراطي، فإنها أخفقت في تحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية التي قامت من أجلها الثورة”.

واعتبر أن الاحتجاجات التي تشهدها العديد من المناطق في جنوب وغرب ووسط وشرق البلاد، هي “دليل على هذا الإخفاق”، ودعا في هذا السياق المحتجين إلى الحفاظ على الطابع السلمي لاحتجاجاتهم، معربا في المقابل عن تفهم حكومته لمطالبهم المشروعة.

واحتفلت تونس، السبت، بالذكرى السادسة لـ”الثورة” على وقع احتجاجات شعبية في مختلف أنحاء البلاد، رُفعت خلالها نفس الشعارات التي نادى بها المُحتجون قبل ست سنوات، أي المطالبة بالتنمية والشغل والكرامة والعدالة الاجتماعية.. وهي شعارات لم يتحقق منها إلا القليل رغم تعاقب ثماني حكومات على حكم البلاد، أطلقت الكثير من الوعود التي تلاشت بسرعة.

يوسف الشاهد: نجحت تونس في الانتقال الديمقراطي وأخفقت اقتصاديا واجتماعيا

وتُجمع الأحزاب السياسية والمنظمات الاجتماعية على تحميل الحكومات المتعاقبة مسؤولية تردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في البلاد، حتى أن حسين العباسي الأمين العام للإتحاد العام التونسي للشغل (أكبر منظمة نقابية في البلاد)، لم يتردد في القول إن الاحتقان السائد في العديد من مناطق البلاد الذي تحول إلى توتر واضطرابات اجتماعية عشية الاحتفال بالذكرى السادسة لـ”الثورة”، يؤكد أن “أهداف الثورة لم تتحقق إلى اليوم جراء غياب التنمية في المناطق الداخلية التي قام أهلها بالثورة”.

ومن جهته، أكد حمة الهمامي، الناطق الرسمي باسم الائتلاف الحزبي اليساري المُعارض “الجبهة الشعبية” في تصريحات إذاعية، أن كافة الحكومات التي تعاقبت على البلاد بعد 14 يناير 2011 “لا علاقة لها بالشعارات التي ينادي بها الشعب ولا بالثورة”.

وفي المقابل، لفت حزب المسار الديمقراطي الاجتماعي، الذي يُشارك في الحكومة الحالية برئاسة يوسف الشاهد، إلى أن الذكرى السادسة لـ”الثورة” جاءت في “ظرف صعب ودقيق يتميز بتصاعد الاحتجاجات الاجتماعية وتواصل أزمة الثقة بين مؤسسات الدولة والمجتمع رغم المجهودات التي تقوم بها حكومة الوحدة الوطنية من أجل دفع الاستثمار في الجهات والمناطق الداخلية والتصدي لظاهرة الفقر والبطالة والتهميش والتحكم في غلاء المعيشة”.

ودعا في بيان بهذه المناسبة، المُحتجين إلى ضرورة “الحفاظ على سلمية تحركاتهم الاحتجاجية وضرورة احترام القانون تعزيزا لمشروعية مطالبهم ومصداقيتها”، لافتا إلى أن الوضع الراهن في البلاد خطير لأنه “يتميز بتواصل الخطر الإرهابي”.

وفي تفسيره لأسباب هذا الإخفاق الذي تُجمع عليه مختلف الأطراف، قال رئيس الحكومة يوسف الشاهد في كلمته، إن “السبب الكامن وراء هذا الفشل الذريع في تحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية لـ”الثورة”، يعود بالأساس إلى غياب إصلاحات اقتصادية جوهرية”.

ولكنه أقر في المقابل بعدم قدرة الدولة على القيام بكل الإصلاحات الاقتصادية بمفردها، باعتبار أن التحديات المطروحة جسيمة وتتطلب تضافر جهود القطاعين العام والخاص وتفعيل الاقتصاد الاجتماعي التضامني”، على حد تعبيره.

وقبل ذلك، قال الشاهد في كلمة تلفزيونية “لم ننجح لأن الوضع الإقليمي والعالمي صعب، ثم لأننا لم نقم بالإصلاحات الضرورية وبقينا على نفس منوال التنمية ونفس مفهوم الدولة والقطاع الخاص”، ثم ختم قائلا “نحن مكبلون بمنظومة قديمة ولا بد من تسريع نسق الإصلاحات”. وتأسيسا على هذا التشخيص، تعهد رئيس الحكومة التونسية، بأن يكون العام 2017 “عام إرجاع الحلم والأمل إلى كل التونسيين، من خلال مكافحة البطالة، والتقليص في نسبها بشكل ملموس، إلى جانب تفعيل مبدأ التمييز الإيجابي لفائدة الجهات المُهمشة والفقيرة والنائية، ضمانا لحق تكافؤ الفرص بين الجهات والفئات”.

وشدد على أن ذلك “يستدعي الانطلاق في الإصلاح الفعلي عبر النهوض بدور الدولة في التشغيل، من خلال دفع النمو الذي يساعد على دعم الاستثمار، وخلق السياسات النشيطة في التشغيل”.

وأضاف أن الإصلاحات الاقتصادية تتمثل أيضا في التسريع في برنامج تطوير الإدارة، وتقليص الإجراءات، وتمويل الاقتصاد خاصة في بعض القطاعات كالفلاحة والمؤسسات الصغرى والمتوسطة، وإقرار برنامج لإعادة هيكلة المؤسسات العمومية بما فيها البنوك بهدف تفعيل مردوديتها المالية.

وأعاد في هذا السياق التأكيد على أن التنمية في الجهات “تعد أولوية مطلقة بالنسبة إلى حكومته وجوهر العقد الاجتماعي لسنة 2017”، وهو ما يعكسه القرار الحكومي ببناء 13 مصحة جهوية جديدة ضمن قانون الطوارئ الاقتصادي، وإحكام توزيع الأدوية على الخارطة الصحية، بالإضافة إلى إقرار جملة من مشاريع البنية التحتية لفك العزلة عن المناطق الداخلية.

4