الشاي الصيني طقوس مليئة بالأسرار والمذاقات

مشروب الملوك والرؤساء يقدم للضيوف في أجواء قليلة الكلام.
الخميس 2019/05/09
الشاي يقدم في أهم وأكبر الأعياد الصينية

زارت صحيفة "العرب" الصين وتعرفت على عاداتها وثقافتها المتعلقة بالشاي، المشروب السحري الذي رافق الملوك في قصورهم والرؤساء والمسؤولين في مكاتبهم، بل رافق الرهابنة في المعابد البوذية كمشروب مصاحب لتأملهم، كما يرافق الشعب الصيني في حياته اليومية يقدمونه للضيوف وفق طقوس وحركات تقلّ فيها الكلمات، ويستعملونه دواء للعديد من الأمراض وفق الطب الصيني الشعبي.

بكين - يتجاوز الشاي في الصين مكانته المرموقة من كونه مشروبا وطنيا، محاطا بالكثير من الطقوس التي ترافقه في رحلته من المزارع إلى الكؤوس، إلى احتلاله مقاما رفيعا في التفاصيل اليومية للحياة الثقافية والاجتماعية للصينيين.

ويعد بيت الشاي في بكين أحد المعالم الثقافية البارزة التي يقصدها الصينيون والسياح على حد سواء، حيث تجاوز عدد زوار هذا المركز أكثر من اثنين مليون زائر وفقا للقائمين عليه من بينهم مشاهير وزعماء عالميون.

ويخلّد هذا المعلم الثقافي البارز في قلب العاصمة الصينية ذكرى الأديب والروائي والكاتب المسرحي الصيني الشهير لاو شه (1899 – 1966) الفائز بلقب “فنان الشعب”، والذي تحمل إحدى مسرحياته الشهيرة اسم “مشرب الشاي” والتي عرضت للمرة الأولى في العام 1958، والمسرحية ترصد التحولات الاجتماعية والسياسية في حياة عدد من رواد مقهى للشاي في بكين في السنوات الخمس الأخيرة من عهد أسرة تشينغ التي حكمت الصين من 1644 وحتى 1912.

ويضم بيت الشاي قاعات متعددة تقدم موجزا عن حياة الأديب لاو شه ومعرضا لصوره وتذكاراته، والأوسمة التي نالها، نظير اقترابه من هموم وأحلام المواطن الصيني اليومية، ومن ذلك طقوس الشاي التي خلدها لاو شه في مسرحيته، فتم تخليد ذكراه بمتحف يحمل ذات الاسم الذي حملته أشهر أعماله.

ويتكون بيت الشاي أو مشرب الشاي من 4 طوابق على مساحة 2600 متر مربع يتم فيها تقديم عروض مسرحية وتراثية وموسيقية صينية، تقدم خلالها وجبات صينية خفيفة، وشايا على الطريقة الصينية لرواد المركز، إضافة إلى احتوائه متجرا لبيع أنواع الشاي الصيني والأدوات التقليدية المستخدمة في تقديمه، في عملية تكثيف متميزة تجمع ما بين مختلف العناصر الثقافية التي يقابلها الزائر لهذا المركز الذي تقدم فيه العروض البصرية مثل مسرح الظلال والعروض الغنائية والاستعراضية، بما في ذلك فقرات من رياضة الكونغ فو والأغاني الأوبرالية الصينية.

شارع الشاي

Thumbnail

غير بعيد من “بيت الشاي” في بكين، يقع سوق “ماليانداو” الشهير لبيع الشاي الصيني بمختلف أنواعه، وفي هذا الشارع الممتد على مسافة 2 كم تقريبا، تحتدم المنافسة بين العشرات من التجار لعرض منتجاتهم من الشاي الصيني وأدوات تقديمه بطريقة مميزة تهدف إلى جذب السياح على وجه الخصوص.

ويسارع الباعة إلى تقديم أكواب مجانية من الشاي لإقناع الزبائن بجودته، وهو ما يترافق عادة مع تقديم معلومات سريعة عن فوائد الشاي الصيني وأنواعه ومميزاته الصحية والمزاجية، وطرق تحضيره، بدءا من مرحلة قطفه مرورا بمراحل تحضيره وتخميره وتحميصه التي تتزامن عادة مع عيد “تشينغ مينغ” الذي يصادف فصل الربيع، ويشهد تفتح الأزهار، ويمارس الصينيون فيه طقسا غريبا يطلق عليه “عيد كنس المقابر” حيث يقومون بزيارة قبور أسلافهم وتنظيفها وتقديم القرابين أحيانا، لذلك يسمى في بعض المناطق عيد الأشباح.

ووفقا لأحد الباعة يتميز الشاي الذي يتم قطفه قبيل عيد تشينغ مينغ والذي يعني (الصفاء والنقاء) بمكانة متقدمة في ثقافة الشاي الصينية، حيث يحمل الشاي الأخضر المصنوع من الأوراق التي قطفت قبل هذه المناسبة، اسم “ما قبل التشينغ مينغ” وتباع بسعر أغلى بكثير من بقية أصناف الشاي الأخرى التي يتم قطفها بعد هذا العيد.

ويضم شارع الشاي كغيره من مواقع بيع وتداول الشاي وثقافته، مشربا للشاي يتم فيه عرض الطرق التقليدية لتحضير الشاي والطقوس التي ترافقه والتي تتميز بالثراء والتراكم الكبير الذي شهدته هذه الصناعة خلال فترات طويلة تمكن فيها الصينيون من تطوير طرق التعبير عن ولعهم بهذا المشروب السحري وعاداته.

طقوس سحرية

تترافق مع شرب الشاي الصيني، العديد من الطقوس التي تعبر عن احترام الصينيين لهذا المشروب الذي يقدمونه بإجلال لضيوفهم، وبحركات محسوبة بدقة تقترب من حد التقديس لهذا المشروب السحري الذي يقل معه التعبير اللفظي، ويستعاض عن ذلك بحركات جسدية ذات أبعاد طقوسية، تبدو امتدادا لتاريخ استخدام الشاي من قبل الرهبان في المعابد البوذية كمشروب يحفز على التأمل الليلي والسهر، وهي ذات الوظيفة تقريبا التي رافقت ظهور القهوة العربية على أيدي بعض المتصوفة.

وبحسب باحثين صينيين يعود استخدام أوراق الشاي كمشروب في الصين إلى عصور سحيقة، تقارب الأربعة آلاف عام، كما يعد الشاي في الثقافة الاجتماعية والغذائية الصينية، من ضمن المواد السبع الأساسية في المطبخ الصيني والحياة ككل.

وسجل الصينيون مبكرا ولعهم بثقافة الشاي من خلال الكتب والرسومات والقصائد الشعرية التي تغنت بهذا المشروب، وقد دوّن “لو يو”، خبير الشاي في عهد أسرة تانغ الملكية أول كتاب عن الشاي في الصين حمل عنوان “كتاب الشاي الكلاسيكي”، لخص فيه تجاربه المتعلقة بزراعة الشاي وصناعته وشربه، وينتصب اليوم في قلب مدينة شيآن العاصمة القديمة للصين تمثال للو يو تخليدا لذكراه ودوره في تطور ثقافة الشاي الصينية.

وكما يحتفي العرب بضيوفهم من خلال تقديم القهوة، يعد الشاي مشروب الضيافة الصيني الأول، وفي مقابل الدواوين التي يستقبل العرب فيها ضيوفهم ويقدمون فيها أكواب القهوة، توجد في الكثير من البيوت الصينية التقليدية غرف للشاي أيضا.

الشاي في المعابد البوذية يحفز على التأمل الليلي والسهر، وظيفة تقارب ظهور القهوة العربية  على أيدي المتصوفة

ولا يرافق شرب الشاي الصيني عادة أي مأكولات أو معجنات، كما هو الحال في بعض الدول الأخرى، حيث يقدم الشاي في الصين منفردا، وتختلف أنواع الشاي المفضلة من منطقة إلى أخرى، كما يختلف نوع الشاي بحسب المناسبة أو الاحتياج الذي يقدم من أجله، فبينما يفضّل سكان العاصمة بكين الشاي المعطر الذي يصنع من أوراق زهرية، يفضل سكان العاصمة الاقتصادية شنغهاي الشاي الأخضر، وفي مقاطعات جنوب شرقي الصين يميل السكان لشرب الشاي الأحمر، كما يستخدم الشاي الأبيض في مناطق أخرى، أو من أجل احتياجات مختلفة في مقدمتها الاستفادة من فوائده الطبية في الطب الصيني التقليدي.

وتقول لي سونجنيان جي لـ"العرب" وهي خبيرة في ثقافة الشاي الصيني إن هناك 3 استخدامات رئيسية للشاي في الصين هي التداوي أو الشرب أو الأكل، أما أنواع الشاي فأكدت أنها ستة أنواع رئيسية بالإضافة إلى وجود تفريعات أخرى له يتم تصنيفها بحسب الموسم الذي يتم جني أوراق الشاي فيه ونوع الأشجار من ناحية حجم الشجرة أو المنطقة التي يزرع فيها، والتي تنقسم إلى أربع مناطق رئيسية لزراعة الشاي في الصين هي: منطقة جنوب غرب الصين، منطقة الجنوب، منطقة جنوب نهر اليانغتسي، ومنطقة شمال نهر اليانغتسي.

وتشير لي إلى أنه عند تصنيف أنواع الشاي تم الأخذ بعين الاعتبار فنون معالجته وخصائصه وهي من الأمور التي تساعد في تصنيف الشاي تبعا لأوراقه ومن أشهرها الشاي الأسود، الشاي الأصفر، الشاي الأخضر، الشاي الأبيض، الشاي الأسود المائل للحمرة، وشاي وولونغ الذي ينتج من مقاطعة وويي ويعتبر من أفضل أنواع الشاي الصيني وأكثرها خصوصية.

وتختلف طريقة تحضير كل نوع من الأنواع السابقة وفقا لخبيرة الشاي الصينية، حيث يعتمد ذلك على طريقة التبخير والتحميص والتخمير، فعلى سبيل المثال يمر الشاي الأخضر بأربع مراحل للتحضير هي: التجفيف، القلي، التبخير ثم التجفيف، كما تختلف درجة التخمير من نوع إلى آخر، ويتفرع كل نوع من الأنواع السالفة تبعا للجزء الذي يحضر منه الشاي، فمثلا هناك نوعان للشاي الأبيض الصيني الأول يؤخذ من فرع شجرة الشاي والثاني من ورقها.

وتسرد لي قائمة طويلة من الأغراض الطبية للشاي الصيني، فكل نوع يختص بعلاج مرض بعينه، وعلى سبيل المثال يستخدم الشاي الأصفر وفقا للي في علاج عسر الهضم وفقدان الشهية ومكافحة الالتهابات. كما يستخدم الشاي الأخضر لعلاج التورم في الجسم ومكافحة أعراض الشيخوخة، بحسب الطب الصيني التقليدي.

Thumbnail

وعن التركيبة التي يتضمنها الشاي والتي تمنحه بعض الخصائص العلاجية، تضيف خبيرة الشاي الصيني أن إخضاع أوراق الشاي للفحص كشف عن احتوائه على الفيتامين ج والكافيين والفيتامين ب والكاروتين والمنغنيز والفلور والبوتاسيوم ومواد عضوية كثيرة. ويحضّر الشاي الصيني طازجا أمام الضيف، بدءا من وضع الأوراق وإضافة الماء المغلي، ويتم ذلك بحركات هندسية ثابتة، يقوم بها محضر الشاي تنم عن الاحترام الشديد لهذا الطقس.

وبحسب خبيرة في طقوس الشاي الصيني تحدثت لـ"العرب"، يعبر الضيف عن شكره عند تعبئة كل كأس بالشاي من خلال النقر على الطاولة برؤوس إصبعيه السبابة والوسطى.

وعند سؤال الخبيرة عن طريقة إخبار المضيف باكتفاء الضيف وعدم رغبته في ملء كوب الشاي الذي يتم تكرار ملئه على ذات منوال القهوة العربية، قالت إن ترك الكوب الأخير ممتلئا يعني عدم الرغبة في المزيد، على خلاف الطريقة العربية التي يعبر فيها الضيف عن اكتفائه من خلال هز الفنجان عادة.

وإضافة إلى الطقوس والعادات التي ترافق تحضير وتقديم الشاي في الصين، توجد الكثير من الأدوات التي يتم بها تحضير وتقديم الشاي الصيني، حيث تتنوع بتنوع الجغرافيا الصينية والتطور الزمني الذي رافق هذه الثقافة الراسخة.

وتأتي الأدوات الفخارية أو ما يطلق عليها “ييتاو” في مقدمة أدوات الشاي الصينية، إلى جانب الأدوات الأخرى المصنوعة من الخزف بألوانها الزاهية كالأزرق والأبيض، كما تشتهر بعض مناطق الصين باستخدام الإبريق الرملي ذي اللون الأحمر.

وتتوارث بعض الأسر فن صناعة وتشكيل وتلوين أدوات الشاي في الصين كموروث فني وثقافي واجتماعي، ولا يزال بعضها يشتهر حتى اليوم بصناعة هذه الأدوات التي تتفاوت أسعارها بين الباهظ جدا والرخيص المتاح لعامة الشعب.

وتعد حفلات الشاي طقسا أصيلا في الثقافة الصينية، حيث شهد عهد أسرة سونغ الملكية، قيام الإمبراطور سونغ هوي تسونغ بتكريم وزرائه من خلال إقامة حفلات الشاي، التي يعد فيها الشاي بيديه.

وامتدت هذه الثقافة إلى زمن الصين الحديثة، حيث لا يزال الصينيون يقيمون حفلات الشاي في الأعياد والمناسبات الرسمية، وفي مقدمتها عيد رأس السنة الصينية، وعيد الربيع، أهم وأكبر الأعياد الصينية.

وينصح الصينيون عادة الراغب في تتبع تاريخ الشاي الصيني بزيارة عدد من المواقع والفعاليات التي تسلط الضوء على بدايات وخلفيات وطرق صناعة هذا المشروب، وفي مقدمتها جبل مونغشان في مقاطعة سيتشوان الذي يعده البعض موطن الشاي الصيني الأصلي، والذي يستقبل سنويا الآلاف من السياح، حيث تنظم المنطقة مهرجانا دوليا لتذوق الشاي.

أباريق ثمينة

صناعة أدوات الشاي موروث فني وثقافي
صناعة أدوات الشاي موروث فني وثقافي

تكتسب أباريق الشاي في الموروث الصيني أهمية معنوية ومادية بالغة القيمة، حيث يتم توارث أطقم الشاي في بعض الأسر جيلا بعد جيل، ويقول تشانغ دونغ تشوي لـ"العرب" إن الكثير من الصينيين يهوون جمع الأباريق الخزفية والاحتفاظ بها لسنوات طويلة لبيعها بعد ذلك بأسعار عالية، حيث يوجد سوق رائج لبيع وشراء الأباريق القديمة على وجه الخصوص. ويضيف تشوي أن بعض الصينيين يفضلون ترك هذه الأباريق حتى تتراكم بقايا الشاي على تجاويفها ما يكسبها رائحة زكية.

وبيعت بعض أباريق الشاي الصيني النادرة بأسعار باهظة للغاية تجاوزت الاثنين مليون دولار، كما هو الحال مع أغلى زوج إبريق يعود إلى القرن 18 تم بيعه بمبلغ مليونين و180 ألف دولار أميركي في مزاد بونهامس في غلاسكو في مايو 2011.

وقد تم بيع إبريق طيني أرجواني مزخرف بالصينية، يعود تاريخ صنعه للعام 1948 على يد الفنان الصيني جو جينجزو بمليوني دولار أميركي في مزاد في بكين في مايو 2010، ويتميز هذا الإبريق بتراكم بقايا الشاي القديمة على جوانبه الداخلية ما يكسبه أهمية خاصة وفقا لتقاليد الشاي الصينية القديمة.

إقرأ أيضاً: بكين تمنع الاختراقات الخارجية بسياسة "التصيين"

20