الشباب أسرى طموحات آباء فشلوا في تحقيق أحلامهم

الشباب يقعون ضحية لمفاهيم خاطئة دون إدراك لطبيعة متطلبات المستقبل، والتوقف عند اختصاصات علمية معينة يوصل شبح البطالة إلى مستويات كارثية.
الأحد 2019/05/26
المستقبل يبدأ من سوق العمل

يستسلم الشباب لرغبات الأسرة في دراسة التخصص الذي يحظى بمكانة اجتماعية مرموقة، بالرّغم من تشبع سوق العمل بها وعدم الحاجة إليها، فرغم شغف الجيل الجديد بالتغيير والتطوير والحداثة ورفض الخضوع إلا أن الأفكار المتوارثة عن المهنة ما زالت تتحكم في قراراتهم المستقبلية.

القاهرة - تسيطر خيارات الأسرة ورغباتها على قرارات الشباب الدراسية في اختيار التخصص الدراسي،  فيقبلون على مهن تحتفظ بمكانتها تقليديا في المجتمع، على حساب تخصصات عصرية مطلوبة اليوم في سوق العمل.

ويفضل الشباب، بشكل آلي، الابتعاد عن بعض التخصصات الدراسية من باب الحفاظ على المظهر الاجتماعي. ويتجنب قطاع كبير من الجيل الجديد اختيار التخصصات الحديثة، في الكليات أو المدارس الفنية، مع أنها أساس القوام الاقتصادي والاجتماعي مستقبلا، لذلك تزداد نسب البطالة في البلدان العربية، ووصلت معدلاتها إلى ثلاثة أضعاف مثيلاتها في مناطق أخرى، وأحد الأسباب الرئيسية في ذلك اختيارات الشباب الخاطئة للتخصصات الدراسية التي تؤهلهم لسوق العمل، مدفوعين غالبا بتحقيق رغبات الأسرة، أو الاستسلام لها.

ليس غريبا عند استطلاع آراء الشباب العرب وهم في منتصف طريق التعلم، حول أحلامهم وطموحاتهم الوظيفية والمهن المستقبلية، أن تأتي الإجابات متشابهة ولا ترتبط باحتياجات سوق العمل، كأنها لا تعنيهم ولا تحتل مكانة في عقولهم، أو لم يعد المردود المادي وسرعة التوظيف عاملين أساسيين، فالمهم نظرة الناس للتخصص العلمي أو الوظيفة، والتي ترسخت في أذهانهم بديهيا مع كثرة تداولها في المجتمع.

والمفارقة أن هؤلاء الشباب شغوفون بالتغيير والتطوير والحداثة ورفض الخضوع لفكرة التقليد الأعمى، ولا يميلون إلى تطبيق ذلك عند اختيار التخصصات الدراسية.

الكثير من الشباب يقعون ضحية اختيارات أسرهم التي تتأثر بما أقدموا عليه في السابق، أو نتيجة لمقارنات داخل العائلة

تحلم نسبة كبيرة منهم بامتهان الطب والصيدلة والهندسة والإعلام والعلوم السياسية والألسن، لمجرد أن لها بريقا ومكانة بين الناس، توارثوها عبر الأجيال، أما كليات التكنولوجيا الحديثة والبرمجة وعلوم الفضاء والزراعات التطبيقية والذكاء الاصطناعي، فالإقبال عليها قليل للغاية.

وأعلنت نقابات المهندسين والصيدلة وطب الأسنان والعلاج الطبيعي في مصر عن تشبع سوق العمل بالخريجين. وقالت نقابة الصيادلة مثلا إن البلد لا يحتاج إلى صيدلي واحد قبل مرور 5 سنوات، ومع ذلك التحق 15 ألف طالب وطالبة بكليات الصيدلة هذا العام. أما نقابة الأطباء فحذرت من استمرار قواعد الالتحاق المعمول بها، لأنه خلال ثلاث سنوات سوف يكون هناك طبيب لكل 900 شخص.

في مصر، من النادر أن تتناقش الأسرة مع ابنها الشاب قبل اختيار التخصص الدراسي الذي سيحدد مصير وظيفته، ودراسة احتياجات السوق والمهن التي يزيد عليها الطلب.

هذه ثقافة ليست رائجة لدى أسر كثيرة، فالمهم أن يحمل لقب طبيب أو صيدلي أو مهندس، حتى لو كان مصيره الجلوس في المنزل عقب التخرج. فهو في النهاية دكتور، وسوف يقول الجيران والأصدقاء وباقي أفراد العائلة إن هذه الأسرة (أسرة الطالب) أصبح لديها دكتور أو مهندس، وهكذا.

ضحية مفاهيم خاطئة

يقول حسن الخولي خبير علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، إن البعض من الشباب يقعون ضحية لمفاهيم خاطئة وعادات تركن إلى عدم المجازفة والسير على نهج السابقين من دون أن يكون هناك إدراك لطبيعة متطلبات المستقبل.

وأضاف لـ”العرب”، أن التغيرات السريعة في سوق العمل دفعت إلى تغيير خارطة ما يسمى بـ”كليات القمة”، وتقدمت عليها الكليات التكنولوجية الحديثة، غير أن هذا التقدم ما زال غائبا في الكثير من الدول العربية التي تعاني أيضا ندرة في أصحاب الحرف بفعل رفض الشباب امتهانها، فضلا عن الإهمال الحكومي للتعليم الفني، ونظرة المجتمع نفسه لأصحاب الحرف باعتبارهم من ذوي المستوى الاجتماعي المنخفض، ما دفع الشباب إلى هجرها.

وأشار إلى أن الكثير من الشباب يقعون ضحية اختيارات أسرهم التي تتأثر بما أقدموا عليه في السابق، أو نتيجة لمقارنات داخل إطار العائلة، وقد يكون ذلك دون رغبة الطالب الأساسية لكنه يتأثر بالتطورات المحيطة به، ما ينعكس على زيادة عدد الشباب العاملين في مجالات بعيدة عن تخصصات دراستهم.

أحمد مصطفى، شاب مصري كان يحلم بالالتحاق بكلية علوم بيانات أو حاسبات ومعلومات، لأن سوق العمل بحاجة إلى هذه التخصصات باعتبار أن التكنولوجيا موجودة في التفاصيل الحياتية، لكن والده تمسك باختيار كلية الهندسة لأنه كان يحلم بدخولها عندما كان شابا.

وأكد أحمد أن أغلب الشباب لا يشغلهم اختيار تخصص دراسي يؤهلهم لوظيفة بسبب الإحباط من المستقبل، وتردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، فأصبح التعليم عبارة عن شهادة يحتاج إليها الخريج عندما يتقدم لخطبة فتاة، أو وقت التقدم لوظيفة ترضي طموحه الشخصي، والأزمة الأكبر أن الشباب مستسلمون بسهولة للمؤثرات المحيطة بهم ولا يبادرون بالتغيير من تلقاء أنفسهم.

طارق شوقي: ابتعاد الشباب عن التطورات المتسارعة عالميا في سوق العمل، يخرجهم من المنافسة رغم امتلاكهم المهارات
طارق شوقي: ابتعاد الشباب عن التطورات المتسارعة عالميا في سوق العمل، يخرجهم من المنافسة رغم امتلاكهم المهارات

وأوضح لـ”العرب” أن غياب احتياجات السوق عن فكر الشباب مرتبط بعوامل كثيرة، أبرزها أن تعلم وامتهان حرفة يعنيان أن مستواك الاجتماعي والتعليمي متدهور، ورفض الالتحاق بكليات معاصرة تحمل مسميات وتخصصات حديثة لها مستقبل واعد مرتبط بإدمان الأسر على إلحاق أبنائها بكليات لها سمعة وتاريخ، ولأن الأهل يقررون مستقبل أولادهم، فإن الشباب سيظلون رهينة طموحات الآباء التي فشلوا في تحقيقها حينما كانوا صغارا.

تكمن المشكلة في ميل الكثير من الشباب المعاصرين إلى التخصصات التي لا ترهقهم مستقبلا، فأكثرهم يرفضون المهن الحرفية. والمصيبة الأكبر، حسب أحمد، أن عائلة الشاب تعتبر التحاقه بأي تخصص دراسي معاصر دليلا على فشله وضيق أفقه وعقم تفكيره، ما يجعله يتراجع أمام دوافعه لتغيير وجهة نظر الآخرين فيه، ولا بديل عن استقلال الشاب دراسيا عن طموحات ورغبات وتدخلات الأهل، لأن ثقافتهم ونظرتهم للوظيفة مرتبطتان بالماضي.

تحولات جذرية

تذهب بعض الدراسات إلى أن سوق العمل في المنطقة العربية سوف تشهد تحولات جذرية تشبه الغربلة، للأعمال التي تشبعت بالخريجين ولم تعد لها فائدة، لصالح مهن وتخصصات جديدة معاصرة، ما يهدم كل المسلمات التي يتعايش معها الشباب في الوقت الحالي.

وذكرت دراسة قامت بها شركة “دل” (dell) بالاشتراك مع معهد متخصص في الدراسات المستقبلية عام 2017، أن 85 بالمئة من المهن الموجودة بحلول العام 2030 سوف تختلف بشكل كلي عن الأشغال الراهنة، وبعض المهن الحالية قد تستمر في المستقبل لكنها ستعرف تغييرات كبيرة للتأقلم مع الواقع الذي سيسود حينها.

لذلك على الفئات الشبابية في المرحلة العمرية بين 18 و30 عاما، إدراك حتمية التغيير الذي تشهده سوق العمل، وعليهم التخلي عن مقاومة التغيير والخروج عن دوائر التفكير التقليدية، وتطوير مهاراتهم استعدادا للدخول في منافسة جديدة سوف يصبح حسمها بيد القدرات العقلية التي تستطيع التكيف مع المتغيرات الجديدة.

وتكمن أزمة الكثير من الشباب في أنهم لا يجيدون قراءة المشهد والمستقبل جيدا، ولا يهتمون بالتغيرات العالمية المتسارعة والتطورات الحاصلة في المجالات المختلفة، سواء الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثورة التكنولوجية، وإن قرأ بعضهم وأصبح على دراية بكل ذلك، قد لا يكون طموحا ليتعلم أو يتخصص في مجال يؤهله ليكون أداة للتغيير.

وهناك توافق بين خبراء التنمية البشرية على أن الاكتشافات التكنولوجية وتغيرات الأوضاع الاقتصادية سوف تحدث تغييرا عميقا في نظم الاستهلاك والتصنيع المرتبطة بمجالات حيوية كالصحة والنقل والتعليم، ما ينعكس مباشرة على سوق العمل، وإذا ظلت طموحات الشباب متوقفة عند نقطة معينة، فشبح البطالة سوف يزداد ويصل إلى مستويات كارثية.

وأوضح طارق شوقي وزير التربية والتعليم المصري -وهو أيضا عضو بالمجلس الأعلى للجامعات- أن “ابتعاد الشباب عن التطورات المتسارعة عالميا في سوق العمل، يخرجهم من المنافسة رغم امتلاكهم مهارات وقدرة على النجاح والتحدي تكاد تتخطى الموجود في أوروبا، لكنهم بحاجة إلى مساعدة الأهل والمجتمع والحكومات لتغيير نظرتهم للتخصص الدراسي ووظيفة المستقبل”.

وأشار لـ”العرب”، إلى أن “فارق السرعات بين نظرة الغرب للعلم ونظرة العرب للتعلم، سببه أنهم شغوفون بالتطوير من أنفسهم، لكننا نخشى هذا الأمر، خوفا من الفشل، ونفكر في إمكانية الرسوب في التجربة قبل دعم نجاحها.. إن الشباب العرب يمتلكون قدرات هائلة على فرض أنفسهم عالميا باقتحام تخصصات دراسية معاصرة ودعم نشرها في المجتمع، فلم يعد ممكنا استمرار تخصصات تخاطب الماضي، لأن ذلك مقدمة للإخفاق في كل شيء”.

ويرى متابعون أن الأمر لا يرتبط فقط بدعم وتشجيع الشباب على اتخاذ قرارات تحديد مصيرهم المستقبلي، وفق احتياجات السوق والتطورات المعاصرة، لكن الحكومات لها دور فاعل في مواكبة تلك التطورات من خلال افتتاح أقسام علمية حديثة، ودفع الطلاب نحو الانضمام إليها من خلال إيقاف استقبال طلاب جدد بالتخصصات غير الموجودة في سوق العمل المستقبلية. ولا يمكن إلقاء المسؤولية كاملة على الشباب واعتبار أنهم متخاذلون، فهناك حكومات تنمي لديهم الاستسهال والرضا بالأمر الواقع.

مسؤولية الجامعات

اختصاصات علمية لا تلفت الانتباه
اختصاصات علمية لا تلفت الانتباه

ويقول هؤلاء إن بعض الحكومات العربية أصبحت مسؤولة عن موازاة التخصصات الدراسية باحتياجات سوق العمل لا إفساح المجال للشباب كي يختار ما يشاء بناء على قناعات لن تفضي سوى إلى المزيد من البطالة وتدهور المستوى الاجتماعي. والمطلوب من المؤسسات التعليمية أن تكون لكل تخصص جامعي أو فني، وظيفة، مع نسف الوضع القائم منذ عقود طويلة، في طريقة تنسيق القبول بالجامعات حسب المجموع الأعلى، أو التدخل في الأعداد المقبولة بكل كلية، وعدم فتح الباب أمام الجامعات الخاصة لتحديد تخصصات الكليات وفق مصالحها الاستثمارية.

وأخذت الحكومة المصرية مؤخرا على عاتقها معالجة أزمات التعليم الجامعي ومخرجاته، من خلال وضع قيود على التوسع في ما يعرف بـ“كليات القمة” التي لم تعد سوق العمل بحاجة إلى المزيد منها، وقررت التوقف عن منح تراخيص جديدة لهذه الكليات في الجامعات الخاصة، كبداية لإلزامها بالتعامل مع سوق العمل بمنطق الأولويات، ومقدمة لتغيير نظرة الشباب لمفهوم كليات القمة عموما.

ويتطلب تغيير أولويات الشباب ونظرتهم للتعليم وسوق العمل، إقناعهم بمزايا التخصصات الدراسية المعاصرة ومجالات التوظيف فيها، مع ضرورة تنظيم حوارات وإطلاق حملات إعلامية لتغيير ثقافة ومعتقدات الأسر نفسها تجاه نظرتها لمستقبل أولادها.

ومن الصعب إقناع ولي أمر تربى ونشأ على تقديس كلمة طبيب أو مهندس بأن الأفضل لابنه أن يلتحق بكلية “تربية أسماك” أو “الذكاء الاصطناعي”، وبالتالي لن تنجح مهمة أي حكومة دون ظهير مجتمعي يدعم تطوير طموحات وأحلام الشباب وفق متطلبات العصر.

ودعّم وليد غنيم، الطالب بكلية العلوم في جامعة القاهرة، هذا الرأي، وقال لـ”العرب” “عدم الإلمام بالتخصصات المعاصرة التي تحتاج إليها سوق العمل يحد من اختيار الشباب للالتحاق بها، فهي غير معروفة بالشكل المطلوب ولا يدرك أكثر الشباب الفرص المتاحة للتوظيف بعد التخرج فيها، وهذه مهمة الحكومة والقطاع الخاص، فالشاب لن يغامر بدراسة تخصص نادر ومستقبله غير مضمون”.

وتشير بعض التقديرات إلى أن بعض المهن الجديدة سوف تحضر بقوة مستقبلا، رغم أنها لا تحظى باهتمام الشباب، منها مدرب المعاملات التجارية، والفلاح الحضري، والمتخصص في الطباعة ثلاثية الأبعاد، ومدرب الواقع الافتراضي، وتقني المنازل الذكية، والمتخصص في الجينات، ومطور البيئات الافتراضية، ومهندس الذكاء الاصطناعي.

واعتبرت شيماء عبدالإله -عضو تنسيقية شباب الأحزاب المصرية، ومتخصصة في مجال الإعلام التربوي- أن الشباب بحاجة إلى الاهتمام بالتدريب التحويلي الذي توفره المراكز العلمية المهتمة بمجالات المستقبل، بما يؤدي إلى تطوير مهاراتهم وتطويعها لصالح سوق العمل.

وأوضحت لـ”العرب” أن مواجهة تغيرات المستقبل تتطلب الانفتاح على الثقافات الغربية المرتبطة بالتدريب والدراسة المستمرة وعدم الاعتماد فقط على الشهادات الجامعية، على أن تكون هناك مشاركة فعّالة من قبل المجتمع المدني ووسائل الإعلام في توعية الشباب وأسرهم بماهية المهن المطلوبة والتخصصات الدراسية المناسبة لها، ويقتنع الشاب بأنه سيحصد نتيجة اختيار التخصص الجامعي الذي يرسم به مسار حياته العملية، سلبا أو إيجابا، ولا بديل عن الحرية في الاختيار.

ومهما كان التخصص غريبا وشاقا ويرى الشاب نفسه ومستقبله فيه ويقبل عليه بثقة ورغبة قوية ويشعر بتوافق وانسجام معه، سوف يكون بوابته نحو تغيير مسار حياته وعائلته، وحينها يدرك الجميع أنه كان على حق عندما تمرد على التخصصات التي فرضها المظهر الاجتماعي ولفظتها سوق العمل.

19