الشباب الأكثر تضررا من موجة الوباء الثانية في تونس

الآثار النفسية وخيمة في صفوف الشباب: قلق وعزلة واكتئاب.
الخميس 2020/10/22
الإصابة بالفايروس تخلف آثارا نفسية صعبة

تونس – اعتبر كوفيد – 19 في البداية مرضا يصيب كبار السن، خصوصا المسنين ممن يعانون مشاكل صحية وأمراضا مزمنة، حسب منظمة الصحة العالمية، لكن مع انتشاره الواسع تبين أن الشباب ليس بمأمن من الوباء وعلى العكس فهم الفئة العمرية التي باتت تلعب دورا كبيرا في نقل العدوى، وهو ما توضح بشكل كبير خلال الموجة الثانية من انتشار الفايروس.

ورصدت منظمة الصحة العالمية طفرات في انتشار العدوى بدول العالم، خاصة حين توجه الشباب إلى ممارسة أنشطتهم المفضلة مثل العلب الليلية أو قاعات الرياضة أو ارتداء الشواطئ خلال الموسم الصيفي الأخير. وأكدت أن انتشار فايروس كورونا يقوده بشكل متزايد أشخاص أعمارهم بين العشرينات والثلاثينات والأربعينات، فيما لا يدرك كثيرون أنهم أصيبوا بالعدوى.

ومن بين الدول التي شهدت ارتفاعا لافتا في عدد الإصابات في صفوف الشباب الآونة الأخيرة: تونس التي تعيش وضعا صحيا مقلقا مع بلوغ عدد الإصابات إلى أكثر من 5700 إصابة جديدة بين يومي 13 و16 من شهر أكتوبر الجاري.

ويعد الشباب أكثر فئة عمرية تضررا من الوباء في تونس، وأكد الهاشمي الوزير مدير معهد باستور وعضو لجنة كورونا في حديثه لـ”العرب” صحة ما تداول سواء عبر تقارير إعلامية أو وسائل التواصل الاجتماعي التي أشارت إلى تفشي الوباء في صفوف الشباب كما نقلت قصص وتجارب البعض منهم في تعاطيهم مع الفايروس.

الهاشمي الوزير: الوباء استهدف الفئات العمرية التي تتراوح بين 14 وأربعين عاما
الهاشمي الوزير: الوباء استهدف الفئات العمرية التي تتراوح بين 14 وأربعين عاما

وبين الهاشمي الوزير أنه “وقع تسجيل في الآونة الأخيرة حالات عدوى لجميع الأعمار، لكنها منتشرة بصفة أكبر في صفوف الشباب بعد أن انتشر الوباء بشكل مجتمعي”. ولفت إلى أن “الوباء استهدف مؤخرا الفئات العمرية التي تتراوح بين 14 وأربعين عاما”. وتابع “نسب العدوى لدى الشباب من أعلى النسب مقارنة بالأعمار الأخرى”.

وسبق أن كشفت المديرة العامة للمرصد الوطني للأمراض الجديدة والمستجدّة والناطقة الرسمية باسم وزارة الصحة نصاف بن عليّة في تصريحات صحافية سابقة، عن معطيات تتعلّق بالشريحة العمرية للمصابين بكورونا والوفيات في بلدها.

وقالت إنّ معدل أعمار المصابين يتراوح بين 41 و43 عاما، وأوضحت أن أكثر الإصابات تم تسجيلها بالفئة العمرية التي تتراوح بين 15 عاما و44 عاما بشكل عامّ، مشيرة إلى أنّ أصغر المصابين بفايروس كورونا في تونس (رضيع يبلغ من العمر شهرا)، وأكبرهم يبلغ 93 سنة.

وفيما يستقبل جل من أعلن ثبوت إصابته بكورونا بشجاعة كبيرة، إلا أنه في المقابل لم يستطع الكثير من الشباب إخفاء وقع الصدمة والمفاجأة لديهم أو حجم ارتباكهم مما سيلاحقهم من وصم اجتماعي بسبب إصابة بمرض معد وقاتل، حيث تلاحقهم تهم نقل العدوى للآخرين وتعريض حياتهم للخطر.

وشاركت فاتن خليفة وهي صحافية شابة تونسية في حديثها مع “العرب” تجربتها مع الوباء، “فهي تقاوم بثقة كبيرة في الانتصار عليه كما تخطت مرحلة تقبل المرض، وتتعايش مع الإصابة بالفايروس كواقع”.

وتقول “التفكير باحتمال الإصابة بفايروس كورونا يبدو أمرا مرعبا رغم انتشار الوباء”، وتتابع “لأن فكرة أن تبقى في مواجهة مجهول مستعجل كالموت لا يطلب الإذن.. فيما تنتهي حلول الطب ويبقى الأمر متروكا للمناعة في مصارعة غير حرة مع هذا الفايروس… في الحقيقة هو أمر مرعب”.

وحتى مع بداية ظهور الأعراض من صداع وأوجاع وارتفاع درجات الحرارة، لم تتوقع فاتن أن تكون من ضمن المصابين بكورونا، لكن حين تأكدت من الإصابة أقرت أنه انتابتها الصدمة والذهول، وما جعلها تشعر بالصدمة في الوهلة الأولى أنها أصبحت، حسب تعبيرها، من أولئك الذين تحصي وزارة الصحة أعدادهم يوميا.

وتابعت مستدركة “لكنني استوعبت الأمر بعد ذلك خلال العزل وتغيرت أولوياتي، وما يهمني هو أن يكون من يرافقني بخير ولم يتعرض للعدوى”. وتخلص بالقول “مازلت أعاني من الأعراض فقط لا أكثر ولا أقل. وأنا على أمل الشفاء واستعادة حياتي الطبيعية رغم أن الحياة بعد كورونا لن تكون نفسها قبله”.

ويجبر كورونا الشاب أو الشابة المصابة على تغيير الروتين اليومي المعتاد ويفرض عليه الالتزام بالحجر الصحي والتباعد الاجتماعي وطقوسا من العزلة المؤقتة توقيا من المرض ولحماية أرواح المحيطين به.

فاتن خليفة: التفكير باحتمال الإصابة بفايروس كورونا يبدو أمرا مرعبا
فاتن خليفة: التفكير باحتمال الإصابة بفايروس كورونا يبدو أمرا مرعبا

ويقر خبراء بالآثار الوخيمة لكورونا على صحة الشباب النفسية، حيث تتطلب مرحلة مع بعد الوباء إحاطة كبيرة.

وتشرح هاجر نيال المختصة في علم النفس في حديثها لـ”العرب” تداعيات الإصابة بالوباء لدى الشباب.

وتقول نيال “كورونا حد من حرية الشباب، حيث وجد الشباب المقبلون على الحياة أنفسهم مضطرين لمواجهة فايروس مقابل التنازل عن أنشطتهم وحياتهم الاجتماعية المعتادة”. وتلفت إلى أن “الحياة الاجتماعية لها دور في دمج الشباب في المجتمع وصقل شخصيتهم وتقوية التقدير الذاتي لديهم”.

وتؤكد أن الاندماج في المجتمع يقوي شخصية الشاب مع الاحتكاك بالآخر، لكن إجراءات الوقاية والتباعد حرمته من الاختلاط وبالتالي غيّر الوباء من أسلوب حياته، حتى حياته المدرسية والجامعية لم تعد كالسابق.

وأوضحت أن الصعوبة في التواصل الاجتماعي لم تعد أمرا اختياريا بل إجباريا، وهو ما كان له وقع سيء على نفسية الشباب ضحايا الوباء، المعرضين بصفة أكثر للعزلة والقلق بسبب الظروف الصحية الاستثنائية التي يمرون بها.

وتستنتج نيال أن الحل في تجاوز الآثار النفسية لوباء كورونا بالنسبة للشباب يتمثل أساسا في الإصغاء إليهم عن طريق تنظيم الحوار مع المختصين والمؤسسات التي تعنى بالشباب مثل دور الشباب والثقافة.

وتكشف المؤشرات عن وضع مقلق لتفشي الوباء في تونس مع بلوغ مستوى 342.1 إصابة لكل 100 ألف ساكن.

وبحسب ما أفادت به وزارة الصحة التونسية مؤخرا، يرقد حاليا في المستشفيات أكثر من 900 مصاب بالفايروس مقابل 158 مصابا في غرف الإنعاش و77 مريضا يخضعون لأجهزة التنفس الاصطناعي، والتي أشارت إلى أن طاقة امتلاء أقسام العناية المركزة بالمستشفيات العامة وصلت إلى 80 في المئة.

ويقر الهاشمي الوزير مدير معهد باستور بالقول إن “الإشكال الكبير يبقى في طاقة استيعاب المستشفيات الحكومية وعدد أسرّة الإنعاش المحدودة”.

17