الشباب الإيرانيون يفضلون طعم الحياة الأميركية

الشباب ينتقدون الحكومة والنظام بصراحة بطريقة لم يكن من الممكن تخيلها قبل سنوات قليلة، ولكنهم يشعرون بأنه يتم تجاهلهم.
الأحد 2019/07/14
طريقة للتمرد على الدعاية الرسمية المناهضة لـ "الشيطان الأكبر"

تردد الحكومة الإيرانية نغمة واحدة للسيطرة على أفكار الشباب وقناعاتهم، بأن بلادهم وأمنهم مستهدفان من الأميركيين، لكن نمط الحياة الذي يعيشه الشباب يعكس رفضا تاما لجميع الأجندات السياسية الحكومية، وتبدو طموحات هؤلاء الشباب وآمالهم المستقبلية بعيدة كل البعد عن قيم الثورة الإيرانية.

طهران – في مقهى بالقرب من جامعة طهران، يشرب أحمد رضائي وصديقته سيما نجف زادة، الكوكاكولا، قائلين إنهما استمتعا بالطعم. كما يرغبان في مشاهدة المزيد من هواتف آيفون والمزيد من مطاعم ماكدونالدز وغيرها من المنتجات الأميركية. تقول نجف زاده “نحن نحب الأميركيين”، في مشهد يناقض تماما الصورة التي تحاول الحكومة تثبيتها في أذهان الإيرانيين عن “الشيطان الأكبر”.

وقال أحمد رضائي، الطالب البالغ من العمر 21 عاما في جامعة طهران، “نمط الحياة الأميركي جذاب للغاية. كوكاكولا تنقل لنا أسلوب الحياة هذا”.

فرضت العقوبات الأميركية عبئا ثقيلا على قطاعات عديدة مثل النفط والصناعات الرئيسية الأخرى في البلاد، وانعكس تأثيرها مباشرة على السكان الذي يبلغ عددهم 80 مليون نسمة، وبطبيعة الحال كانت الانعكاسات السلبية كبيرة على الشباب الذين يمثّلون النسبة الأكبر من السكان.

ورغم جهود الحكومة والدعاية المكثّفة التي أغرقت بها وسائل الإعلام والصحافة المحلية ضد الولايات المتحدة وتصويرها على أنها معادية للشعب الإيراني وتحيك مؤامرة ضده وتستهدف النسيج الاجتماعي الداخلي لإضعاف البلاد عبر العقوبات الاقتصادية، إلا أن جميع هذه الحجج والمبررات لم تجد لها طريقا إلى أذهان الشباب والجيل الجديد من الإيرانيين المولعين بالمنتجات والثقافة الأميركية.

وبعد مرور 40 عاما على الثورة الإسلامية، وعلى الرغم من اللوحات الإعلانية والتجمعات التي تنادي بـ“الموت لأميركا”، تبدو هموم وأحلام الشباب في مكان آخر. فقد ولد نحو ثلثي الإيرانيين بعد الثورة الإسلامية 1979 وتعودوا أثناء نشأتهم على الشد والجذب بين حكوماتهم وواشنطن.

ويركز هؤلاء الشباب بشكل أكبر على ما يحدث داخل بلادهم، وبالنسبة للعديدين فإن القرار في أبريل بحظر تطبيق تيليغرام الأكثر انتشارا للتواصل الاجتماعي كان ضربة قاصمة.

وقال شاب في العشرينات يعمل في مونتاج الأفلام وساهم في حملة إعادة انتخاب الرئيس حسن روحاني عندما وعد بوقف الرقابة “بقيت في غرفتي يومين لشدة الاكتئاب الذي شعرت به”.

وأضاف “لقد قطع كل هذه الوعود، لكن حدث ذلك. كنت أغضب بشدة من جميع أصدقائي الذين كانوا يغادرون البلاد، ولكن للمرة الأولى أشعر أن الوقت ربما حان لأغادرها”.

واليوم ينتقد الشباب الحكومة والنظام بصراحة بطريقة لم يمكن من الممكن تخليها قبل سنوات قليلة، ولكنهم يشعرون بأنه يتم تجاهلهم.

ويقول الطالب إحسان (24 عاما) “المسؤولون لا يستمعون للشبان، فهم يتجاهلون أمالهم ورؤيتهم للحياة والمجتمع والدين والسياسة”.

وأضاف “لقد كنت من الذين قالوا لأصدقائهم إن عليهم التصويت لأن ذلك يسمح لنا بالمطالبة بأمور… لكنني أرى الآن أنه ليس بإمكاننا أن نفعل شيئا”.

ويضطر الشباب أمام صعوبة الأوضاع الاقتصادية وانعدام الأفق في الإصلاح السياسي، إلى التأقلم مع الواقع وصناعة الفرص بأنفسهم والكفاح حتى النهاية.

ويقول أمير رضا محمدي أحد رواد الأعمال أن تأثير العقوبات لم يكن سلبيا تماما. ويوضح أنه من خلال حجب المنافسة الخارجية فإن العقوبات “خلقت وظائف للشباب الإيرانيين وأوجدت لدينا الرغبة في دفع مشاريعنا إلى الأمام”.

ويضيف “ربما اضطر في يوم ما إلى مغادرة البلاد.. ولكن هنا يمكنني أن أحدث تأثيرا وهذا ما يدفعني للبقاء”.

ويعكف عدد من رواد الأعمال على تصوير قصص نجاح وتوجيه النصائح للجيل التالي من الراغبين في أن يكونوا رواد أعمال وأصحاب شركات ناشئة.

ويعبر رضا غيابي الرئيس التنفيذي لشركة استشارات تركز على لتكنولوجيا “نحن خبراء في التأقلم مع أوقات الأزمة”، ويطلق على نفسه لقب “المتفائل المسؤول الأكيد”.

وأضاف “العديد من الإيرانيين حققوا نجاحا في الماضي في برلين ووادي السيليكون ولندن، لكن جيلنا متعب من الهجرة ومن مجرد العمل في وظيفة. والآن نحاول عمل شيء لأنفسنا”.

ويعلم الجميع أن التحديات كبيرة تتمثل في انتشار البطالة وارتفاع الأسعار وانهيار سعر العملة.

ولا تساعد عودة العقوبات الأميركية في تحسن الأوضاع عقب قرار واشنطن الانسحاب من الاتفاق النووي 2015، ولا التهديدات المتبادلة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والمسؤولين الإيرانيين في الأيام الأخيرة.

هناك بعض الأمثلة التي تبعث الأمل لدى الشبان الذين يمتلكون تعليما عاليا ومعرفة بالعالم وهو نجاح تطبيق سيارات الأجرة “سناب”، ومجموعة المقاهي والمطاعم الجديدة، ومراكز التكنولوجيا التي تقدم مختلف الخدمات من بث الموسيقى على الإنترنت إلى بوابات التعليم الإلكتروني.

التفاؤل يتضاءل

الحياة تحت ظل "الأخ الأكبر"
الحياة تحت ظل "الأخ الأكبر"

لكن هذا التفاؤل يتضاءل بين المتعلمين من الطبقة الوسطى والعليا من الشبان الإيرانيين الذين لا يرون أي احتمالات للتغير السياسي والاقتصادي.

ومن غير المرجح أن ينخرط هؤلاء في احتجاجات واسعة ضد الحكومة، فالرد القاسي الذي واجهته التظاهرات السابقة والخوف من أن تؤدي الاحتجاجات إلى حالة من الفوضى كما حدث في سوريا، أوجدت عند الشبان حالة من القبول بالواقع. وبدلا من ذلك فإنهم يرغبون في مغادرة البلاد.

وتقول باريسا طالبة الحقوق (20 عاما) “الشباب فقدوا كل أمل لهم في المستقبل”.

وأضافت “كنت أتطلع إلى العمل لثلاثة أشهر لتغطية تكاليف دراستي ومساعدة والدي. أنا طالبة حقوق ولكنني أعلم أنني عندما أنهي دراستي لن أجد عملا”.

وتابعت “هناك العديد من الراغبين في المغادرة، وهم على حق لأنه بإمكانهم إحراز التقدم خارج البلاد والحصول على راتب لائق”.

ويدفع الشباب مبالغ كبيرة لمغادرة البلاد وتعد بريطانيا الوجهة المفضلة لأغلبهم، وغلامي (31 عاما) هو واحد من المئات من الإيرانيين الذي خاطروا بحياتهم لعبور القنال الإنكليزي الذي يعد من أكثر الممرات الملاحية ازدحاما في العالم، وقد دفع 16 ألف يورو لمهربي البشر لنقله من كامياران في غرب إيران إلى بريطانيا. لكنه أدرك وهو على الشاطئ قرب كاليه أنه سيضطر هو والآخرون إلى تدبير أمورهم بأنفسهم. في القوارب المطاطية التي يستخدمها اللاجئون وهي ليست مجهزة لعبور القنال وخاصة في الطقس الشتوي الغادر.

وقد حاول أكثر من 500 مهاجر، أغلبهم إيرانيون وبعضهم من الأطفال، السفر إلى بريطانيا في قوارب مطاطية خلال 2018 وجاءت محاولات أربعة أخماسهم في الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام الماضي. وأعيد بعضهم إلى فرنسا. وقطع وزير الداخلية البريطاني ساجد جاويد إجازة عائلية لمعالجة هذه المشكلة. وضاعفت بريطانيا عدد زوارق الدورية في القنال إلى أربعة زوارق، بالإضافة إلى سفينة تابعة للبحرية.

وبعد شهر من القبض عليه قرب ميناء دوفر أصبح غلامي يعيش في نزل في ليفربول وتوفر له الحكومة وسائل الإقامة المؤقتة لحين البت في طلب اللجوء الذي تقدم به.

ووصفت وسائل الإعلام البريطانية النزوح الإيراني بأنه محاولة أخيرة للوصول إلى بريطانيا قبل أن تنفصل عن الاتحاد الأوروبي. غير أن كل طالبي اللجوء قالوا إن الانفصال عن الاتحاد الأوروبي ليس عاملا في تحركاتهم. بل إن أحدهم قال إنه لم يسمع به من قبل.

وغادر غلامي الذي يعمل مدرسا إيران بعد القبض على أصدقاء له من نشطاء البيئة وانتابه الخوف من القبض عليه أيضا. أما بختياري، الذي كان يعمل مدير مشروع كهربائي، فقد أمضى عامين في السجن بتهمة نشر معلومات عن حقوق العمال في المصانع. وفر من إيران أثناء الإفراج عنه لفترة مؤقتة.

ورحل حاج بور، الذي يعمل سباكا وكهربائيا، بعد أن تعرض للضرب على أيدي رجال الشرطة في الشارع لارتدائه سروالا قصيرا. وقال “أعتقد أن العقوبات والوضع الاقتصادي في إيران وخلط الدين بالسياسة هي الأسباب الرئيسية التي تدفع الشباب للرحيل عن البلد”.

وقال إيرانيون آخرون من طالبي اللجوء في أوروبا وتركيا إنهم قرروا الرحيل عن إيران بعد أن يئسوا بسبب الصعوبات الاقتصادية والسياسية المتزايدة.

وتبين أرقام الأمم المتحدة أن أكثر من 21 ألف إيراني غادروا بلادهم في 2018 لطلب اللجوء في أوروبا وتركيا والولايات المتحدة وكندا وأستراليا.

مغالطات حكومية

أحلام الجيل الجديد لا مكان لتحقيقها في إيران الخميني
أحلام الجيل الجديد لا مكان لتحقيقها في إيران الخميني

ويبدي السياسيون والمسؤولون الإيرانيون مبررات أخرى ترقى إلى مستوى المغالطات والتضليل بشأن أسباب هجرة الشباب، ويستخدمون مبررات تخدم الأجندة السياسية الإيرانية، حيث يقول الميجر جنرال محمد باقري رئيس هيئة أركان القوات المسلحة الإيرانية “الأعداء الخارجيون يشجعون الشباب على مغادرة إيران وإدارة ظهورهم لقيم الثورة الإسلامية بإقناع الناس أن مقاومة القوى العظمى ستؤدي إلى الحرب”.

وفي الربع الثالث من العام 2018 زاد عدد طالبي اللجوء الإيرانيين في بريطانيا بأكثر من 30 في المئة عن العام السابق.

وقالت وزارة الداخلية إن معظم طالبي اللجوء في العام الماضي كانوا من إيران. وأفاد غلامي “هنا، وربما في دول أخرى أيضا، يوجد لاجئون إيرانيون أكثر من السوريين”.

وأضاف “الوضع في إيران أسوأ منه في بلد في حالة حرب. خاصة في الفترة الأخيرة وبسبب الطموحات النووية في البلد تدهور الوضع الاقتصادي، وأعتقد أنه ستحدث موجة جديدة من اللاجئين الإيرانيين لأسباب اقتصادية”.

وقال شاب إيراني عمره 37 عاما طلب عدم نشر اسمه لأنه يخشى على سلامة أسرته في إيران إنه باع بيته للسفر إلى بريطانيا.

وتابع “لم أحلم قط بالقدوم إلى أوروبا. كنت أحيا حياة كريمة في إيران وعندي سيارة ومصنع صغير وعمال”.

وأضاف أنه شعر بالمهانة لاضطراره للوقوف في طوابير من أجل الحصول على الطعام في ليفربول حيث يتسلم 35 جنيها أسبوعيا من الحكومة البريطانية. غير أن ركوب الحافلة يكلفه 2.5 جنيه كما أنه مضطر لدفع أكثر من 30 جنيها من أجل الاشتراك في خدمة الإنترنت على هاتفه لمكالمة عائلته في إيران.

وربما كانت المصاعب الاقتصادية هي التي أدت إلى النزوح من إيران غير أن رويا كاشفي من رابطة الباحثين الإيرانيين تعتقد أنه يجب اعتبار اللاجئين الإيرانيين لاجئين سياسيين لا اقتصاديين.

وقالت كاشفي التي تعمل في وزارة الداخلية وتختص بأمور طالبي اللجوء الإيرانيين إنهم “في الغالب من الطبقة المتوسطة والمتعلمين. وبعضهم موسر بما يكفي لدفع 16 ألف دولار لمهربي البشر”.

وفي كاليه تعتقد مايو كونفورتي أمينة رابطة للمهاجرين أن طالبي اللجوء الإيرانيين يلجؤون لتدابير فيها مغالاة مثل خياطة الشفتين أو الإضراب عن الطعام أو عبور القنال الإنكليزي في قوارب صغيرة بسبب انتمائهم إلى الطبقة المتوسطة.

وتابعت “كانوا يعيشون حياة كريمة من وجهة النظر المالية في إيران في حين أن الأوضاع المعيشية في كاليه رهيبة.  ولذلك لا يتحملون الوضع”.

وأضافت “يقولون لنا إن البقاء في كاليه مثل الموت… وهم على استعداد لتجريب أي شيء. فيقولون موافقون للقوارب. لا نكترث. سنغامر وربما نموت لكننا سنموت موتا سريعا على الأقل”.

19