الشباب التونسي يخلق مفاهيمه الحياتية بعيدا عن خيبات السياسة

تتجه غالبية الشباب التونسي إلى هجرة الحياة السياسية، واستبدالها بأنماط الحياة الأخرى القائمة على الترفيه والتسلية بما يعرف بـ”فرحة الحياة”، ورغم أن الكثيرين لا يعتبرون أن هذا المفهوم يتعارض مع المشاركة السياسية، إلا أن انعدام الثقة في الأحزاب جعل هذا البديل يبدو أكثر راحة.
الأحد 2018/03/04
وجه آخر للحياة أكثر متعة من السياسة

تونس – حملت التغيرات السياسية والاجتماعية التي شهدتها تونس في السنوات الأخيرة شعورا وتفاؤلا في الأوساط كافة، بأن الشباب في طريقهم إلى انفتاح كامل على الحياة السياسية، إلا أن الواقع يخالف تماما هذا الاعتقاد، وأصبح مصطلح “فرحة الحياة” بديلا للشباب عن السياسة وهمومها.
ويعتبر الكثيرون الإقبال على مظاهر “فرحة الحياة” أمرا طبيعيا في مجتمع أنهكه إحباط سبع سنوات، وتكفي جولة في تونس العاصمة وفي مدينة سوسة والحمامات السياحيتين لملاحظة أن الشباب يقاومون في ما يشبه التحدي لأزمة البلاد السياسية.
وتوارث التونسيون مفهوم “فرحة الحياة” الذي زرعه الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة خلال الستينات والسبعينات من القرن الماضي ليتحول إلى نوع من الثقافة تتوارثها الأجيال.
ويذهب أخصائيون اجتماعيون، إلى أن الذاكرة الجماعية استنبطت فرحة الحياة لتقاوم بها أي شكل من أشكال الضغوط الاجتماعية والاقتصادية. ويقول ماهر دبيش، الأخصائي في العلوم الاجتماعية”، إن “الجيل الجديد من الشباب نهل من ثقافة حديثة ترافقت مع انفتاح المجتمع سواء من خلال الفضائيات أو من خلال الإنترنت”، ملاحظا أنه “لا يمكن مقارنة هذا الجيل مع غيره من الأجيال”.

النمط الاستهلاكي ينتشر لدى الشباب

تونس – تشير استطلاعات الرأي إلى اهتمام الشباب المتزايد في تونس بالنمط الاستهلاكي، ومن ضمنها المظاهر العامة، حيث كشف بحث حول أنماط استهلاك الشباب، وتناول الشريحة العمرية بين 18 و35 سنة، أن 84 بالمئة من الشباب يولون أهمية كبرى للمظهر الخارجي. وقال البحث الذي أعده المعهد الوطني للاستهلاك مؤخرا، وشمل عينة تتكون من 2023 من الشباب موزعين على كامل أنحاء البلاد، أن الشريحة التي تعمل تعتبر أن معدل الدخل الشهري الذي يمكنها من مجابهة المصاريف اليومية بأريحية يقدر بحوالي 1400 دينار (560 دولارا) مع معدل إنفاق سنوي على اللباس يصل إلى 838 دينارا (335 دولارا). وأفاد المدير العام للمعهد الوطني للاستهلاك طارق بن جازية، بوجود نقص ملحوظ في الدراسات والبحوث المتعلقة باستهلاك الشباب خاصة الشريحة العمرية بين 18 و35 سنة. وأشار إلى أن الدراسات المنجزة حول الشباب طالما ركزت على المسائل المتصلة بالمشاركة في الحياة السياسية والانتخابات والشأن العام أو استهلاك المخدرات والتدخين دون التطرق إلى هذه الفئة الشبابية كعنصر اقتصادي فاعل وعلاقته بالثقافة أو الرياضة والترفيه والمظهر الخارجي. واستند البحث، الذي شمل شريحة لا تزال في مرحلة الدراسة وتحتاج إلى مساعدة مالية وشريحة تعمل ولها استقلالية مالية، على جملة من المحاور تتصل بعلاقة الشباب بالتغذية ووسائل الاتصال الحديثة والثقافة والترفيه والرياضة إلى جانب علاقته بالمظهر الخارجي. وأضاف أن هذه الشريحة العمرية تعرف تغيرا كبيرا في نمط استهلاكها، معبرا عن تفاجئه من ضعف الإقبال على الأنشطة الثقافية والترفيهية مقابل الاهتمام بالمظهر الخارجي، وحتى مستويات الإنفاق كبيرة في هذا الباب سواء التجميل أو اللباس. وفي علاقة الشباب مع وسائل الاتصال الحديثة، أظهر البحث أن 69.7 بالمئة من المستجوبين يستعملون هواتف ذكية وحوالي 48 بالمئة لديهم حاسوب محمول وأن 85 بالمئة لديهم حساب على فيسبوك و14.6 بالمئة لديهم حساب على تويتر و44.6 بالمئة على إنستغرام.

 ويضيف دبيش “أنجزت دراسة عن هذا الجيل واكتشفت أن الإقبال على الحياة يتصدر اهتمام الشبان والفتيات”. وشملت دراسة دبيش 2700 عيّنة موزعين على مختلف أنحاء البلاد وينحدرون من فئات اجتماعية مختلفة، ووجد أن مسألة الاستمتاع بالحياة الخاصة تتصدر قائمة الاهتمامات بنسبة 75 بالمئة.

انفتاح المجتمع يعزز الاستمتاع

وتأخذ مسألة الاستمتاع بالحياة عدة مظاهر منها الأناقة والسياحة والتنزه وارتياد المقاهي والفنادق والمطاعم الفاخرة والملاهي الليلية. وفي مجتمع منفتح بغالبيته، يحظى الشباب التونسي بحرية تكاد تكون مطلقة من قبل الأولياء، حيث قال 67 بالمئة إنهم لا يواجهون أي صعوبة من قبل أوليائهم وإنهم على علم مسبق كلما قرروا قضاء السهرة في ملهى ليلي.
وتأخذ الإنترنت مساحة واسعة من اهتمام الشباب ووقتهم، حيث قال 63 بالمئة إن استخدام الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي يتجاوز 5 ساعات يوميا. وتقول رانيا سويح، وهي طالبة بكلية الطب، “إن الحياة لا معنى لها إذا لم نستمتع بها، فتونس تختلف عن المجتمعات العربية الأخرى. نحن قريبون ثقافيا من أوروبا حيث تعتبر فرحة الحياة أمرا مقدسا”. وتضيف الطالبة ذات العشرين عاما “حالما أنهي عملي أتوجه مع الأصدقاء إلى أحد الأماكن المعروفة للسهر، في العاصمة أو المناطق السياحية القريبة مثل الحمامات”. ويرى دبيش أن “ظاهرة إقبال الشباب على الحياة في تونس تتغذى من انفتاح المجتمع وهي تستبطن نوعا من تحدي منظومة الثقافة الاجتماعية التقليدية التي لا ترى في الحياة سوى جسرا إلى حياة أخرى بالمعنى الديني”.
وقاد الإقبال على الحياة إلى تأخر سن الزواج، إذ يؤكد الخبراء أن معدل سن الزاج بالنسبة إلى الشبان هو في حدود 35 سنة أما بالنسبة للفتيات فهو في حدود 27 سنة. ويشدد دبيش على أن “مفهوم فرحة الحياة أصبحت بالنسبة إلى الشباب نقيض ثقافة صناعة الموت” التي يتبناها الجهاديون. 
ويضيف أن نتائج الدراسة التي أعدها توصلت إلى أن 77 بالمئة من الجيل الجديد لا يرى في السياسة سوى وقت ضائع، غير أن عدم الاهتمام بالشأن العام وبالنشاط السياسي لا ينفي الحس الوطني ولا القومي لدى هذا الجيل، إذ يؤكد أن 56 بالمئة يعتبرون أنفسهم وطنيين ومتألمون لأوضاع بلادهم وأوضاع المنطقة العربية عموما.

انعدام الأمل بالتغيير

وهذا التوجه نحو مفهوم “فرحة الحياة” يخفي إحباطا من الواقع السياسي في البلاد، الذي وصل إلى حالة اليأس وانعدام الأمل في التغيير، في وقت يشكو فيه السياسيون من عزوف الشباب عن الانتخابات التي باتت على الأبواب، فيقول المصور الفوتوغرافي خليل الشيخاوي، “لا أعلق آمالا على الانتخابات في البلاد ولا أسعى بأي شكل من الأشكال إلى المشاركة يوما في الحياة السياسية”.
 ويضيف “منذ الثورة وإلى اليوم لا أرى أي وعود أطلقها السياسيون على اختلاف توجهاتهم قد طبقت، لذلك استبعد الانتماء إلى أي حزب من قريب أو بعيد، لأن السياسيين قبل الانتخاب يعملون جاهدين على كسب أصواتنا وبعد الحصول عليها يتنكرون لنا ولا يلتفتون إلينا”.
ويتابع “الآمال تكاد تكون منعدمة ولا أجد ما هو مشجع، وأجد ضالتي في المواقع الاجتماعية التي تلهيني عن المشاغل السياسية”. وتعتبر فئة الشباب بين 18 و40 سنة الأبرز بنسبة 60 بالمئة من كتلة الناخبين التونسيين.
وأوضح استطلاع للرأي أجرته منظمة “أنا يقظ” العام الماضي، أن 69 بالمئة من الشباب أعربوا عن عدم ثقتهم في الأحزاب السياسية، وعن عدم نيتهم المشاركة في الانتخابات البلدية المقبلة. وتعتبر مسألة عزوف الشباب عن الحياة السياسيّة، وطنيّة مصيريّة، بحسب ما يقول المختصون السياسيون والاجتماعيون، لأن الحياة السياسية من دون شباب، هي عبارة عن حلقة مفرغة يتصارع فيها أصحاب القوّة والسلطة والمال. 
وأدى اتّساع الهوة بين خطاب السّياسيّين وممارساتهم إلى خيبة أمل قاسية للشباب التونسي، فانسحبوا من الحياة السياسية وهو ما ترجمته الانتخابات الرئاسيّة لعام 2014، ودخلوا في حالة قطيعة مع الشأن العام والاهتمام بمستقبل تونس، ويتكرر هذا الآن عشية الانتخابات البلدية المقررة في شهر مايو القادم. وتقول مريم بالحاج عيسى، موظفة في مركز ثقافي، لا أعلق آمالا على المسار السياسي ولا أنوي المشاركة في الانتخابات القادمة، لأنني أصبت بالإحباط من السياسيين ولم أعد أرغب في المشاركة في الحياة السياسية، لطالما وعدونا بالتغيير ولم نر شيئا من وعودهم”.
ولا ترى الموظفة العشرينية أن ممارسة السياسة تتعارض مع الاستمتاع بالحياة، إذ أن مشكلة الشباب عموما هي عدم الثقة في السياسيين، وانعدام الأمل بالتغيير، فأصبحوا يتوجهون إلى مواقع التواصل الاجتماعي باعتبارها مساحة حرة للتعبير على الرأي. وتضيف أن “الانسحاب من الحياة السياسية يعتبر استسلاما للواقع. لندع الحياة تستمر كيفما شاء لنا القدر”. 
وتكشف الانتخابات البلدية المقبلة حجم الأحزاب والقوى والشخصيات السياسية التونسية وتأثيرها، وحضور أحزاب المعارضة في مجلس النواب وفي الإعلام ومدى تطابق تأثيرها الإعلامي مع حضورها الشعبي، لذلك تحمل مشاركة الشباب في هذه الانتخابات أهمية كبيرة بالنسبة إليها وقد يؤدي عزوف الشباب عن المشاركة فيها إلى توجيه ضربة قاصمة للحياة السياسية، وهو الأمر المرجح وفق استطلاعات الرأي والتقارير العديدة التي يتم تداولها في كافة وسائل الإعلام المحلية والدولية.

انسحاب من السياسة

وتقول أمل جدعاوي مدرسة لغة إنكليزية، “كنت أحد أعضاء حزب سياسي معروف، لكنني الآن انسحبت منه لأن ثقتي في الأحزاب السياسية تراجعت بشكل كبير، نظرا لعدم التزامها بوعودها للشباب”.

شباب يجد متنفسه الحقيقي في مواقع التواصل الاجتماعي
شباب يجد متنفسه الحقيقي في مواقع التواصل الاجتماعي

وتضيف “على المدى القصير، أستبعد أن تساهم الانتخابات في تغيير وتحسين المسار السّياسي، حيث أنّ أغلب النّاخبين لا ينتخبون اعتمادا على فرز عقلاني وواع بالبرامج التي ستقدم لهم وإنما تحكمهم العواطف وأواصر القربى والانتماء المناطقي، كما أنّ أغلب الأحزاب ليست لها الإمكانيات المادية والبشرية لتغيير الواقع السياسي”. وتابعت، “وجدت متنفسي الحقيقي في مواقع التواصل الاجتماعي، هروبا من واقع الأحزاب السياسية الكاذبة، فهي وسيلة تعبير يعتمدها الأفراد والمنظمات السّياسية والاجتماعية ويمكن أن تساهم في تكوين رأي عام حول قضايا معيّنة”.
 وتنوه، “رغم أن هذه المنابر لا يمكن أن تعوّض الأحزاب السياسية التي هي تنظيمات لها قوانين أساسية ونظم داخلية وبرامج محدّدة تجمع حولها الأعضاء ويسعون إلى التّعريف بها للوصول إلى السلطة، إلا أن الأغلبية تفضل مواقع التّواصل الاجتماعي بسبب عدم الاعتياد على الانتماء إلى الأحزاب السياسية إضافة إلى مساحة الحرية والقدرة على إخفاء الهويّة في المواقع الافتراضية”.
ولدى جدعاوي وجهة نظر أخرى حول نقاط التقاطع بين الاستمتاع بالحياة والحياة السياسية، وترى أن السياسة تؤثر سلبا على قدرة الفرد على الاستمتاع بالحياة سواء بالنسبة للسياسي الذي يعيش تحت ضغط كبير من تطلعات المواطنين، إضافة إلى الخوف من التهديدات، أو بالنسبة إلى المواطن الذي تنتابه حالة من الإحباط عند متابعة الشأن العام مما يجعل الاستمتاع بالحياة أمرا صعب المنال”.
ونوهت إلى أن “الشباب يعزفون عن السياسة بسبب تكريس سياسة الحزب الواحد على مدى سنوات إضافة إلى فقدان الثقة في الأحزاب السياسية. فيلتجأ الكثيرون إلى المجتمع المدني”.

شارك في إعداد التقرير: منور مليتي

19