الشباب التونسي يخوض غمار الانتخابات من بوابة الاستقلالية عن الأحزاب

الاثنين 2014/10/20
ضعف الإقبال الشبابي على التسجيل في قوائم الناخبين يمكن أن يحد أيضا من حظوظ الشباب المترشحين

تونس - أسبوع من الزمن يفصل تونس عن انتخاباتها التشريعية، وعلى خلاف ما كان عليه الوضع زمن حكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، تأتي هذه المرة في جو تعدّدي تنوعت فيه القوائم الانتخابية لتشكل طيفا من الألوان.

أشد ما يلفت الانتباه في هذا المشهد هو غياب للفئات الشبابية التي قادت الانتفاضة على النظام السابق عن القوائم الحزبية، مقابل تعويلها على قوائم مستقلة لطرح أفكارها والتعبير عن مطامحها السياسية.

لم يكن للشاب التونسي مكان أو موقع يذكر مع من كانوا يمسكون بمقاليد السياسة في البلاد، خلال سنوات حكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، بل كانت هذه الفئة تُعامل على أساس أنها “زخم تعبوي”، يحركه هؤلاء لملء اجتماعاتهم الشعبية أو لتوظيفه خدمة للحملات الانتخابية التي لا يتعدى دور الشباب فيها سقف رفع الشعارات الحزبية والتغني بها لا أكثر.

لكن هذه الوضعية بدأت في التغير، مع اندلاع شرارة الأحداث التي شهدتها تونس سنة 2011، حيث عمدت فئات واسعة من الشباب إلى مواجهة النظام في الشوارع سيرا على خطى شاب مثلهم عاطل عن العمل يدعى محمد البوعزيزي، كان قد أحرق نفسه احتجاجا على البطالة والتهميش الاجتــماعي.

ولم تتوقف “انتفاضة الشباب” تلك، إلا بعد الإطاحة بنظام بن علــي وسقــوط حكــمه بــعد هــروبه إلـــى خارج الأراضي التونسيــة في 14 يناير سنة 2011.

“الانتفاضة” التونسية وما حققته على الأرض من مكاسب، حملت معها آمالا كبيرة لهذه الفئة التي عانت كثيرا من التهميش. فئة شبابية ظنّت أنّها ستتصدّر المشهد وستكون حظوظها أوفر في الحياة السياسية. غير أن الأمور سارت على عكس هذا الأمل، ليجد الشباب أنفسهم في أعقاب هذا المشهد، رابضين في مربّعهم الأول، تاركين تسيير أمور البلاد وشؤونها لـ”شيوخ” السياسة.

سقوط نظام بن علي حمل معه آمالا كبيرة لفئة الشباب التي عانت كثيرا من التهميش، غير أن الوضع الذي كانت عليه لم يتغير


هل تغيرت نظرة السياسيين للشباب؟


مع اقتراب الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها في الـ 26 من أكتوبر الجاري، والانتخابات الرئاسية التي ستجرى جولتها الأولى يوم الـ23 من نوفمبر المقبل، عادت قضية الشباب للظهور على سطح الأحداث من جديد، فمع تحديد القوائم الانتخابية النهائية وبدء الحملة الانتخابية، لوحظ أنّ عدد الشباب الذين ترأسوا القوائم الانتخابية للأحزاب يكاد يكون ضئيلا أو منعدما، ولكن في المقابل برز عدد هام من القوائم المستقلة المشاركة في هذه الانتخابات، والتي اختارت في مجملها شبابا في صدارة ترتيب قوائمها.

ورغم أنّ الدستور التونسي الجديد يشجع على مشاركة الشباب في الحياة السياسية من خلال فصله الـ 53، الذي ينص على أنه “يعد ناخبا كل مواطن تونسي الجنسية يبلغ من العمر 18 سنة كاملة وفق الشروط التي يحددها القانون الانتخابي”، إلاّ أنّ الباحث التونسي في مجال علم الاجتماع ماهر تريمش، قال إنّه "لو لم تفرض الهيئة الانتخابية وجود مرشحين من فئة الشباب في كل قائمة انتخابية، لما كانت هذه الفئة ممثلة من الأساس".


أي تموقع لهم في العملية السياسية؟


في ما يتعلق بتموقع الفئة الشبابية في العملية السياسية الجديدة، قال الباحث في علم الاجتماع ماهر تريمش: “إنّ عزوف الفئات العمرية الشابة عن العمل السياسي المؤسساتي يرجع إلى أن الثقافة السياسية السائدة لدى الشباب تختلف عن ثقافة الأحزاب، التي تقوم على الانضباط والالتزام والحضور المادي والجسدي، واستثمار كل الوقت والجهد في العمل الحزبي والصعود إلى مواقع متقدمة داخـــل الترتيب الــحزبي”.

تداعيات حكم "الترويكا" أفرزت مخاوف بشأن عزوف التونسيين عن الاقتراع
تونس - قبل أقل من أسبوع من يوم الاقتراع، ورغم الارتفاع النسبي لنسق الحملة الانتخابية، فإن المخاوف والتوجس من أن يكون الإقبال على صناديق الاقتراع ضعيفا مازالت تثير قلق المراقبين والأحزاب السياسية والمجتمع المدني.

أسباب ودوافع المخاوف المتعلقة بعزوف التونسيين عن المشاركة في الانتخابات متعددة، بعضها مستمد من المؤشرات الميدانية لمراحل الإعداد للعملية الانتخابية ولسير الحملة الانتخابية والبعض الآخر مرتبط بالمناخ العام في البلاد وتداعيات ثلاث سنوات من حكم “الترويكا “، بقيادة حركة النهضة الإسلامية التي جاءت بها انتخابات 23 أكتوبر2011.

يذكر أنّه من المقرر إجراء الانتخابات التشريعية التونسية يوم 26 أكتوبر الجاري، لانتخاب برلمان جديد يتألف من 217 نائبا لولاية تمتد خمس سنوات، تليها انتخابات رئاسية ستُنظم دورتها الأولى يوم 26 نوفمبر القادم.

مسؤولية هيئة الانتخابات

بعض منظمات المجتمع المدني حملت المسؤولية للهيئة العليا المستقلة للانتخابات لأنها لم تقم بدورها، فيما اعتبر عديد المراقبين أن عزوف التونسي وخاصة الشباب عن السياسة والشأن العام هو السبب الرئيس، وذلك استنادا إلى نتائج دراسة صادرة عن المرصد الوطني للشباب، جاء فيها أن قرابة 17 بالمئة من الشباب التونسي يهتمون بالسياسة، وأنّ 27 بالمئة منهم يشاركون في المواعيد الانتخابية، و64 بالمئة منهم لا تعنيهم انتخابات الجمعيات والمنظمات الوطنية”.

مسؤولية التأسيسي و"الترويكا

"

في هذا السياق، قالت الناشطة في المجتمع المدني سعدية بن سالم في تصريح لـ”العرب”: “في ظلّ الإشارات القادمة من الشارع والذي يبدو أنّ طيفا كبيرا منه غير معنيّ بهذا الحدث الفارق في تاريخ تونس وفي أمن المنطقة، الناخب الذي يخطب ودّه الجميع يبدو عازفا عن الانتخابات وهو الذي تطحنه دورة الحياة اليومية وارتفاع الأسعار وتنامي المشاكل الحياتية، فتبدو الانتخابات نوعا من الترف لا يعنيه مباشرة”.

يبدو عزوف الشباب التونسي عن العملية الانتخابية وعن الشأن السياسي عموما مفارقة في بلد كان الشباب فيه هو الحلقة الرئيسة في انتفاضة 14 يناير 2011، والحلقة الرئيسية في اعتصامي القصبة1 و2 اللذين أفرزا الدعوة لانتخابات المجلس الوطني التأسيسي.

مفارقة يفسرها المحلل السياسي عادل الحاج سالم في تصريح لـ”العرب” بالقول: إنّ “الشاب أو المواطن البسيط صار لا يفرق بين السياسي النزيه والسياسي غير النزيه، ولا بين الحزب الثوري والحزب المرسكل ، فالخطاب متشابه والممارسات متشابهة والوجوه متشابهة والبدلات متماثلة.

مشكلتنا أننا وفي تواطؤ عجيب بين الجميع عمّقنا الهوّة مع المواطن التونسي (مع التنسيب طبعا) وجعلناه يحس أنه مجرد صوت لا غير، وأنه يمكن لنا بطلاقة اللسان أن نجرّده من هذا الصوت أيضا ونعطيه مكانه وعودا سيذكرها ربما يوم التصويت وقد يتذكرها في الانتخابات القادمة”.

هذا ويُعتبر أداء حكومتي الترويكا والمجلس الوطني التأسيسي من ناحيته، من الأسباب المباشرة في تفسير حالة القلق والتوجس من عدم الإقبال على صناديق الاقتراع، حيث كانت آمال التونسيين معلقة على هذه الحكومات وعلى هذا المجلس للمرور بتونس إلى مرحلة جديدة قوامها تحقيق أهداف الثورة في التشغيل والتنمية والأمن والاستقرار، ولو في حدها الأدنى، خاصة أن سقف وعود أحزاب “الترويكا” كان عاليا.

ومضى موضحا أنّ “فئة الشباب تنزع دائما نحو المرونة والحرية والاستقلالية، فالممارسة السياسية بالنسبة إليها ليست أيديولوجية بقدر ما هي تجربة شخصية، فمعظم الشباب لا يريدون الانتماء إلى جماعة تحوي أشخاصا يفوقونهم سنّا، بل هم يريدون بناء تجربة خاصة بهم”.

وفي سياق متصل، قال الباحث في مجال علم الاجتماع: “هناك عوامل أخرى مؤثرة، أهمها أنّ التنظيمات الحزبية لا تعطي الفرص والحظوظ الكاملة للأجيال الشابة، لأن منطق الأحزاب يقوم على رأس المال النضالي، وهو ما يستوجب وقتا وأقدمية في الممارسة السياسية، فضلا عــن أنّ برامــجها لا تمــثل الفــئات الشــابة ولا تحاكي واقــعها”.

وأوضح تريمش أنه “في عهد بن علي، زمن الحزب الواحد، غُيِّب الشباب عن الممارسة السياسية، وحتى بعد أحداث 2011 ظلّ الوضع على ما هو عليه، فالشباب اليوم، شأن الأمس، غير مرحب به في الأحزاب، وبالتالي أصبح يجد ضالته في القوائم المستقلة التي تعبر إلى حد كبير عن ميولاته السياسية والثقافية”.

من جهة أخرى، شدد على أنّ “هناك أزمة ثقة بين الأجيال تنعكس على المجال السياسي، وتكمن أساسا في صعوبة التواصل ثقافيا وحتى على مستوى المرجعيات والقيم، وهو ما يخلق نوعا من التوجس بين جيلي الكهول والشباب، وبالتالي يفضي إلى إبعاد الشباب بما أنهم الطرف الأضعف عن المسؤولية، لذلك تجد اليوم قوائم انتخابية شبابية تحمل مسميات تعكس واقع هذه الفئة على غرار “الفلاقة والبؤساء والمهمشين”.

وفي ما يتعلق بملامح المشهد السياسي المقبل، قال تريمش: “إنّ هناك مؤشرات بدأت تبرز من خلال تشكيلات المرشحين الحزبيين، تفضي إلى أنه ستتم إعادة إنتاج الوضع القائم، من حيث إبعاد فئة الشباب عن مراكز القرار. حيث أننا لم نشهد تغيّيرا يذكر للوعي السياسي فيما يتعلق بقضية الشباب، بل رأينا في المقابل إعادة اجترار للخطاب السياسي القديم”.


أين تكمن الاختلافات؟


لا يرى رئيس قائمة البناء الوطني (وسط) بدائرة "تونس 2" مصعب بن عمار (33 سنة مهندس اتصالات) حظوظا كبيرة للشباب في ظلّ التوازنات السياسية الحالية التي فُرضت على هذه الفئة الهشّة، حيث قال إنّه “في البداية كان الشاب التونسي يظن أن منظومة الفساد كانت حكرا على ممثلي الحكم السابق وأتباعه، ولكن اتضح أنّ الأحزاب التي كانت تعارض بن علي، لها رؤية قاصرة جدا في ما يتعلق بموضوع الشباب”.

وأضاف إن “المعركة السياسية اليوم هي معركة حضور ووجود شبابي وليست حربا مع كبار السن ممن يقودون الأحزاب السياسية”، موضحا أنّ المشكلة تكمن في اختلاف الرؤى.

وفي ذات السياق، قال بن عمار “إنّ الشباب على اختلاف مشاربهم السياسية، أيديولوجياتهم مختلفة تماما عن تلك التي تتميز بها الطبقة السياسية المترهلة، فهذه الأخيرة دورها انتهى تقريبا، وكل ما تقدر عليه اليوم هو تحقيق استقرار كاذب على نمط بن علي”.


ما الذي تطمح له الفئة الشبابية؟


من جانبه، قال مقداد الباهي (23 سنة) رئيس قائمة “السيادة”، وهو أصغر رئيس قائمة انتخابية مستقلة في هذه الدورة الانتخابية المرتقبة: “إنّ الثقة منعدمة في الوجوه السياسية القديمة التي لم تقدم برنامجا واضحا يأخذ بعين الاعتبار طموحات الشباب التونسي ومطالبه، بل قدّمت مجرد وعود زائفة”.

وأضاف أن “شيوخ السياسة وكبارها يتعاملون بنرجسية وعلوية مع ملفات الشباب، ويعتبرون أنّ المسؤولية حكر عليهم. وهذا يعود إلى وجود صراع بين الأجيال مترسخ صلب المجتمع التونسي، فالشيوخ لا يقبلون بوجود الشباب، في حين أن الشاب يريد سياسيين من فئته وعمره من شأنهم أن يكونوا محيطين بطموحاته ومشاكله التي يشاركونه فيها”.

كما اعتبر الباهي، بنبرة فيها الكثير من التفاؤل، أنّ “حظوظ الشباب اليوم وافرة لأنّ المواطن يرفض رفضا قاطعا الأحزاب التي لم تحقق وعودها السابقة، وفي المقابل سيمنح ثقته للشباب نظرا لأفكاره المتجددة التي يطرحها”.

تجدر الإشارة إلى أنه وحسب تقرير البنك الدولي الذي نشر بداية الشهر الجاري، فإن الفئة العمرية ما بين 15 و29 سنة تمثل 29 بالمئة من سكان تونس.

في الوقت الذي يبلغ فيه إجمالي عدد الناخبين التونسيين، بحسب إحصائيات الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، 5 ملايين و236 ألف ناخب.

6