الشباب العربي: الاستقرار هو السبيل للحياة لا الديمقراطية الحالمة

لم يكن مفاجئا ما خرجت به نتيجة استطلاع مؤسسة “أصداء بورصون مارستيلر” البحثية، حين كشفت أن إيمان الشباب العربي بالديمقراطية تراجع بنسبة كبيرة عما كان عليه في السنوات الأولى للربيع العربي؛ ومردّ ذلك ممارسات تيارات الإسلام السياسي وتصاعد الحروب الأهلية والاقتتال الطائفي الذي انتشر في المنطقة العربية على أكتاف الشباب الذين دفعوا حياتهم ثمنا لتحقيق آمال الملايين، لكن كانت النتيجة قاتلة لآمالهم، وانتهت بهم إلى الاقتناع بأن الاستقرار هو السبيل للحياة والعمل لا الديمقراطية الحالمة التي ينشدونها.
الخميس 2016/12/01
إدارة الظهر للأحلام غير الواقعية

دبي - “ثمة 200 مليون شاب في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ممن يتحلون بالحماس الدائم وغالبا ما يصابون بالإحباط. ويمكن لمن شاء أن يعتبرهم إما أهم كنوز المنطقة وإما أبرز تهديداتها… (إنهم) الرقم الصعب إذ لا يمكن للحكومات العربية أن تتجاهلهم أو تخيب آمالهم”، بهذه الكلمات قدّم سونيل جون، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة أصداء بيرسون مارستيلر، للتقرير السنوي الثامن الذي ترصد من خلاله المؤسسة آراء الشباب العربي وتطلعاته في العديد من الملفات.

يأتي الاستطلاع، الذي نشرت نتائجه في 29 نوفمبر 2016، بهدف رصد توجهات الشباب العربي في 16 دولة في المنطقة (دول مجلس التعاون الخليجي والجزائر ومصر والعراق والأردن ولبنان وليبيا والمغرب وفلسطين وتونس واليمن)، من خلال 3500 مقابلة شخصية، مع شباب ينتمون للفئة العمرية بين 18 و24 عاما.

لم تختلف نتائج هذه السنة كثيرا عن نتائج تقرير السنة الماضية، حيث سيطر القلق من تنيظم الدولة الإسلامية على أغلبية الشباب المستطلعة آراؤهم مع تواصل تراجع مواقفهم بخصوص الديمقراطية المنشودة. وقد جاء القلق من تنظيم داعش في صدارة نتائج الاستطلاع.

للعام الثاني على التوالي يرى الشباب العربي أن تنظيم الدولة الإسلامية والجماعات الحاملة للأفكار المتشددة يشكلان العقبة الكبرى التي تواجه منطقة الشرق الأوسط، حيث أكّد 50 بالمئة من الشباب في البلدان الـ 16 التي شملها الاستطلاع خلال العام 2016 أن مواجهة هذا التنظيم تمثل قضية محورية في المنطقة، وذلك مقارنة مع 37 بالمئة في العام الماضي.

وبالرغم من تزايد القلق حيال داعش، تشير المعطيات إلى انحسار الدعم الضمني الذي يحظى به، حيث أعرب حوالي 4 من بين كل خمسة مشاركين (78 بالمئة) عن نبذهم للتنظيم حتى لو قام بتغيير إستراتيجيته، في حين أشار 13 بالمئة فقـط من الشباب العربي إلى أنهم قــد يدعمون التنظيم لو لم يستخدم العنف المفرط مقارنة مع 19 بالمئة في العام الماضي.

سونيل جون: الشباب العربي هو منبع القدرات الكامنة والطاقات غير المستغلة

ويعقب القلق من تنظيم داعش مباشرة القلق من البطالة والحاجة الملحة لإيجاد مواطن شغل. وقد خلصت النتيجة الثانية من النتائج العشر التي توصل إليها الاستطلاع إلى أن الافتقار إلى الوظائف يشكل العامل الأبرز في التشجيع على الانضمام إلى صفوف تنظيم الدولة الإسلامية.

البطالة طريق للتشدد

يعتقد ربع الشـباب العربي المشـاركين في الاستطلاع (24 بالمئة) بأن الافتقار إلى الوظائف والفرص يعد أحد الأسباب الرئيسـية التي تدفع الشـباب للانضمام إلى صفوف داعش. ومن اللافت أن واحدا من بين كل أربعة أشـخاص لا يسـتوعبون سـبب انضمام أي شخص إلى هذا التنظيم المتطرف.

أشار الاستطلاع إلى أسباب أخرى تشجع على الانضمام إلى داعش بما فيها الاعتقاد بأن تفسيرهم للإسلام هو الأصح (18 بالمئة) والتوترات الدينية بين السنة والشيعة (17 بالمئة) وبزوغ القيم العلمانية الغربية في المنطقة (15 بالمئة).

وفي حين لا يزال الافتقار إلى الوظائف يشكل قضية أساسية في البلدان الـ16 التي شملها الاستطلاع، أكد أقل من نصف الشباب العربي (44 بالمئة) على وجود فرص عمل جيدة في بلدانهم. ولا شك بأن القلق تجاه توفر فرص العمل كان عاليا في البلدان التي لجأ إليها داعش لتجنيد الشباب منها.

وقد أشار 2 بالمئة فقط من الشباب اليمني، و7 بالمئة من الشباب الليبي، و20 بالمئة من الشباب الفلسطيني، و21 بالمئة من الشباب اللبناني، و28 بالمئة من الشباب التونسي، و39 بالمئة من الشباب العراقي، المستطلعة آراؤهم، إلى أن لديهم فرص عمل جيدة في بلدانهم.

الحل لمشكلة تنظيم داعش لا يجب أن يقتصر على الاستجابة العسكرية والأمنية فقط، بل يؤكد حسن حسن -هو زميل مقيم في معهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط في واشنطن- في تعليقه على هذه النتائج، أن هذا التنظيم ينتعش ويزدهر في ظل الإخفاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية.

وإذا بقيت هذه الإخفاقات، فيمكن لداعش أن يضعف ويختفي، على وقع الضربات العسكرية، لكن المرض الكامن سيبقى وستنشأ العديد من الجماعات المماثلة لهذا التنظيم إذا لم تتم معالجة هذا المرض.

ويضيف حسن أن نتائج هذا الاستطلاع يجب أن تكون بمثابة تذكير للجميع بأن تنظيم داعش لم يأت من العدم.

لم تبتعد النتيجة الثالثة التي توصل إليها الاستطلاع عن مجال التطرف والأزمات الدينية والطائفية في المنطقة، حيث يعتقد الكثير من الشباب العربي أن الدين يلعب دورا أكبر مما ينبغي له في منطقة الشرق الأوسط.

ولدى سؤال الشباب العربي عن العلاقات بين السنة والشيعة، أكد حوالي نصف المشاركين (47 بالمئة) أن العلاقات بين الطائفتين قد تدهورت خلال السنوات الخمس الماضية، فيما أشار 18 بالمئة فقط من المشاركين إلى أنها في تحسن. وبقي الاعتقاد قويا حول تزايد الانقسام الديني. ويعتقد نحو ثلاثة من كل أربعة مشاركين في الاستطلاع (72 بالمئة) أن الانقسام السني الشيعي يعتبـر عاملا رئيسيا في تأجيج الاضطرابات في المنطقة، حيث اعتبر 20 بالمئة من الشباب ذلك سببا رئيسيا وراء تلك الاضطرابات، فيما أعرب 52 بالمئة من الشباب عن اعتقادهم بأن الانقسام الديني يعتبر واحداً من الأسباب الرئيسية وراء الاضطرابات المستمرة في المنطقة.

وتترسخ في العالم العربي فكرة أن الدين يلعب دورا أكبر مما ينبغي له في منطقة الشرق الأوسط، حيث وافق على ذلك 61 بالمئة من الشباب الخليجي، و44 بالمئة من الشباب في دول شرق المتوسط واليمن، و47 بالمئة في شمال أفريقيا.

الاستقرار أولا

بعد خمس سنوات من النضال لنيل الحرية السياسية خلال فترة الربيع العربي، يولي معظم الشباب العربي اليوم أهمية أكبر للاستقرار على حساب تحقيق الديمقراطية. وأظهرت النتائج أن التفاؤل بتحسن واقع المنطقة في أعقاب الربيع العربي -الذي أطاح بأربعة قادة وأفضى إلى صراعات دامية في سوريا وليبيا- قد تراجع بشكل مطرد خلال السنوات الخمس الأخيرة.

وفي عام 2016، يشعر 36 بالمئة فقط من الشباب العربي أن العالم العربي بات أفضل حالا عقب أحداث الربيع العربي، وهذا ما يعتبر تراجعا بالمقارنة مع نسبة 72 بالمئة التي تم تسجيلها في ذروة الاضطرابات عام 2012.

ويتفاوت إرث الربيع العربي بشكل ملحوظ بين البلدان الأربعة التي استطلعت فيها الآراء والتي شهدت تحولات جذرية نتيجة أحداث الربيع العربي. وتعتبر مصر البلد العربي الوحيد الذي شملته هذه الأحداث ويؤمن غالبية شبابه (1 بالمئة) بأنه تغير نحو الأفضل. وبالمقابل لا تراود هذه الفكرة سوى 6 بالمئة فقط من الشباب اليمني، و14 بالمئة من الشباب الليبي، وربع الشباب التونسي (24 بالمئة).

وفي ظل الاضطرابات السياسية التي تشهدها المنطقة حاليا، لا عجب في أن توافق غالبية الشباب العربي (53 بالمئة) على تشجيع الاستقرار في المنطقة على حساب الديمقراطية (28 بالمئة). وهذا ما يلاحظ على نحو خاص في دول مجلس التعاون الخليجي حيث 62 بالمئة يشجعون الاستقرار مقابل 23 بالمئة يشجعون الديمقراطية، وبلدان شمال أفريقيا حيث 58 بالمئة يشجعون الاستقرار مقابل 18 بالمئة يشجعون الديمقراطية. وبالمقابل، تشهد دول شرق المتوسط واليمن انقساما في الرأي حول هذه القضية، حيث يولي 36 بالمئة من سكانهما أهمية أكبر للاستقرار على حساب الديمقراطية مقابل 43 بالمئة ممن يعارضون الفكرة.

ولا يستغرب فيصل اليافعي، الكاتب في جريدة “ذا ناشيونال”، من هذه النتائج، مشيرا في قراءته لهذه النتائج إلى أن الاستقرار هو الشرط السياسي الأساسي الذي تقوم عليه سائر الجوانب الأخرى لأنه يرسي دعائم المجتمع الناجح.

ويقول اليافعي “عندما تشير نتائج استطلاع الشباب العربي إلى أن معظم الشباب يعتقدون أن تجربة الديمقراطية لن تنجح وأنه على الجمهوريات العربية منح الأولوية للاستقرار، فإني لا أفهم من ذلك أن الشباب العربي قد أدار ظهره لتجربة الديمقراطية أو حتى إمكانية إحداث التغيير. لكنني ألمس تخفيضا لسقف التطلعات، أو قناعة بأن أفضل طريق للحصول على الاستقلالية الشخصية والازدهار الاقتصادي يمر أولا وحتما من خلال بناء نظام سياسي منظم ومستقر أمنيا”.

7