الشباب العربي وسلوك تدمير الذات

الأحد 2015/05/17

هل العالم العربي يعيش الآن حالة أفضل أم أسوأ من تلك التي كان عليها في الماضي؟ سؤال دائما يُطرح عند مناقشة الأحداث التي تمر بها الشعوب العربية بعد اندلاع ثورات الربيع العربي، ودائما ينتهي النقاش بإعادة طرح السؤال ذاته لأن هناك من يرى أن العالم العربي يعيش أفضل حالا بسبب الصحوة الديمقراطية التي هزت الشعوب متجاهلاً الأرواح البريئة التي راحت ضحية ممارسات الثورات ويعتبر أن ذلك جزء لا يتجزأ من الوصول للديمقراطية كما حدث أثناء الثورة الفرنسية. وهناك الذي يعتقد أننا الآن أسوأ حالاً بسبب حالة عدم الاستقرار التي لم تنته منذ سنوات إضافة إلى قتل الأرواح وأن ثمن الديمقراطية لا يجب أن يكون على حساب أرواح الأبرياء.

وهناك فئة من المثقفين والأميين يترحمون اليوم على أيام حكم الديكتاتوريين معتبرين أن الرئيس الديكتاتوري كان على الأقل يحكم دولة وشعبا أما فوضى الديمقراطية اليوم قسمت دولا وشتت شعوبا. وهناك فئات لا تعلم ما الذي يجري من حولها بل ولا يُهمها أن تعلم ولا يهمها أن تُكوّن رأياً سياسياً أو إنسانياً، هي فقط تريد أن تعيش.

في الماضي انتقل العالم العربي عبر محطات عدة ساهمت في عجلة النمو والتطور والتغيير كانت كلها تصب في السموّ إلى الأفضل أهمها الانتقال من حياة البداوة والريف إلى التحضر والمدنية بسبب النفط والثروات المعدنية، واستمرت حتى تواصلت مع العالم عن طريق مواكبة عصر التكنولوجيا، ولكنّ ذلك لم يشفع لنا ولم يمنعنا مما نمر به اليوم على الصعيد السياسي والإنساني. هل هو بسبب تبعيتنا للغرب الدائمة وعدم تفردنا؟ أم أننا العرب لا نزال نعيش عصور التخلف في إطار وهمي من التمدن والحضارة والثقافة العلمية المتقدمة؟ وإن لم نكن كذلك ماذا نسمّي الظواهر الدينية المتطرفة التي تنهج نهج العصور المتخلفة، وماذا نسمي انصياع الشباب الجاهل والمتعلم وراءها؟

العالم تغيّر والأمور تتغير أسرع ممّا كانت علية في الماضي وهذا أمر طبيعي بل وإيجابي لكن ما يحدث على أرض الواقع سلبي بامتياز، فهناك الكثير من الأحداث السياسية والاجتماعية التي تدور من حولنا لاتزال غامضة، وهناك تزايد للحركات الظلامية والتنظيمات الإرهابية التي لاتزال تعمل على غسل أدمغة الشباب الجاهل والمتعلم على السواء فلم تنفعنا التطورات التكنولوجية ووسائل التواصل الاجتماعي بل ساهمت في سرقة عقول الشباب وتمردهم على أوطانهم وعلى أنفسهم باسم الدين.

الأمور في العالم العربي قد تزداد سوءا بسبب تطرف الإسلاميين وجرأة الإرهابيين في التواجد مع العامة من الناس بعدما كانوا يختبئون في جحورهم في الماضي. يجب التعامل بالعقل والحكمة مع المدمرين لذواتهم والذين يسعون لتدمير الآخر حتى ننتهي بمستقبل مستقر. ولا أقصد هنا بالتدمير المكاني من تفجيرات وذخائر أو قتل الآخر، بل هو تدمير أخطر بكثير من غيره، هو سلوك تدمير الذات الذي يبدأ لأسباب نفسية وينتهي لأسباب غير منطقية.

سلوك تدمير الذات يرتبط بالفشل وعقاب الذات والهروب من مواجهة المشكلة والتكيف معها. يلجأ البعض إلى سلوك تدمير الذات عند الشعور بالقلق لدرجة التركيز على مصدر القلق ونسيان كل ما حوله. وهو يُعتبر نوعاً من أنواع العقاب والإساءة إلى الذات، ومع مرور الزمن يتحول هذا السلوك إلى عادة وإدمان خصوصاً عندما يمر الشخص بظروف مشابهة بالموقف الذي سبب ذلك السلوك أول مرة. وهناك أنواع كثيرة لسلوك تدمير الذات مثل إيذاء الذات المباشر والإدمان على المخدرات واضطراب الأكل والانتحار، وفي معظم الحالات هو نوع من أنواع التكيف مع الحالة بدلاً من مواجهتها. الشخص هنا يتخلى عن نفسه عن طريق إيذائها بدلاً من مواجهة الموقف المؤلم والتكيف معه. وبالاستمرار في سلوك تدمير الذات يكون هناك دافع لا شعوري وراءه وهو إبعاد الناس قدر المستطاع، تماماً كما يحدث مع الشباب الذي ينظم للجماعات الإرهابية من إخوان أو داعش أو أي جماعات جهادية، فبسبب غسل الأدمغة التي تعرضوا لها هم لا يرون أيّ سُلطة صالحة وحكيمة غير سُلطة جماعاتهم ولا أيّ جماعة تعرف الله إلا جماعاتهم فيلجؤون إلى تكفير الآخر وبهذا هم يقنعون أنفسهم أن لا حياة لهم غير هذه التي ستُدخلهم الجنة يستمتعون فيها بالحور العين وأن مفاتيح الجنة هي في تدمير الآخر وما يُسمونه الاستشهاد هو تدمير مباشر للذات لأنه انتحار وليس استشهادا، لكن حالة الرفض العقلي والنفسي التي يعيشونها تجعلهم لا يستمعون ولا يُنصتون إلا إلى أصوات الشياطين منهم.

هناك الكثير من الناجحين يضعون حياتهم ونجاحاتهم على المحكّ بسبب شعورهم بالفشل وشعورهم بأنّ لا قيمة لهم. الكثير من الشباب المسلم العربي وغير العربي شعر بأن لا قيمة له في مجتمعات تطورت سياسياً وتكنولوجياً لكنها تأخرت ثقافياً وإنسانياً خاصة على نطاق الأسرة ليكون من الطبيعي لدى هذه الفئة من الشباب الانضمام إلى جهات تُشعرهم بأهميتهم حتى وإن كانت تستغلهم بعد أن تخلّت عنهم أسرهم وحكوماتهم.

استشارية نفسية وكاتبة من الإمارات

6