الشباب العرب يدفعون إلى التغيير ولكنهم ليسوا في مقعد القيادة

إشراك الشباب في مواقع صنع القرار السياسي يقدم وجها آخر للعلاقات بين الدول والمجتمعات ويكون فاعلا في الحد من الصراعات والحروب التي يعيشها العالم.
الأحد 2018/04/29
خطوات إماراتية بارزة في تمكين الشباب

تونس – تزخر وسائل الإعلام التقليدية والرقمية اليوم بصور لنماذج مثالية وإيجابية للشباب الرائد في مختلف المجالات، مفضلة تجاهل واقع أكثر قتامة يرتبط فيه جيل الشباب بمشاكل وتحديات خطيرة أضحت سمة العصر الحالي، ابتداء من الإرهاب إلى الانتحار والهجرة غير الشرعية والعنف والجريمة والإدمان وغيرها، وفق ما تؤكد الدراسات الاجتماعية والنفسية في المجتمعات العربية التي كشفت أيضا أن العدد الأكبر من الشباب الذين يتجهون نحو الانتحار والإدمان مثلا كانوا مهمشين في أغلب الأحيان ويعانون من ظروف اقتصادية واجتماعية قاسية.

واستنتجت دراسات أن وجود الشباب على هامش الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في بلدهم يجعلهم ضحية لليأس وفريسة سهلة لمثل هذه الظواهر. الطبقة السياسية استفادت من هذه النتائج وراحت تستغل هذه الأرقام في برامجها السياسية والانتخابية رافعة شعار تمكين الشباب وتشغيلهم ودعمهم ليصلوا إلى مراكز القرار السياسي وإلى الريادة في مجال عملهم، غير أن الواقع الذي تعيشه المجتمعات العربية يكشف أن تمكين الشباب ليس إلا حبرا على ورق ونوايا ووعودا انتخابية.

بعض الدول العربية فعّلت استراتيجياتها في تمكين الشباب ومكنت عددا منهم من الوصول إلى مواقع القرار السياسي ودعمتهم في المجال الاقتصادي وريادة الأعمال مثل دولة الإمارات، لكن أغلب الحكومات العربية تتكون من كهول وأحيانا من شيوخ طاعنين في السن، فهم من يتبوأ مواقع القيادة السياسية من رؤساء ووزراء وكذلك نفس الفئة العمرية هي من تتولى ريادة الأعمال وتترأس كبريات المؤسسات الاقتصادية الحكومية والخاصة.

الثابت أن إشراك الشباب في مواقع القرار السياسي وفي قيادة الدول وقيادة مجتمعاتهم يكون له تأثيره على مجريات الشأن السياسي وعلى العلاقات الدولية ولعله يقدم وجها آخر للعلاقات بين الدول والمجتمعات ويكون فاعلا في الحد من الصراعات والحروب التي يعيشها العالم اليوم.

 

تردد غالبية الخطابات السياسية بمناسبة ودون مناسبة نوايا أصحاب القرار دعم الشباب ومساندتهم ليكون في مواقع الريادة في جميع المجالات وعلى رأسها العمل السياسي. ويعلن القائمون على الحكومات رغبتهم في تكوين قادة من الشبان من ذوي المؤهلات العالية لتحقيق التقدم لبلدانهم. لكن تظل هذه النوايا بمثابة شعارات فقدت معناها من كثرة الاجترار دون وجود أثر لها، إلا ما ندر، على أرض الواقع

وصدرت دعوات في جلسة 23 أبريل 2018 لمجلس الأمن الدولي حول الشباب والسلم والأمن، تؤكد أن عدم تشريك الشباب في المجال السياسي ليس استثناء عربيا، وتثني على أهمية الدور الذي يمكن أن يلعبه الشباب في إدارة سياسات الدول، وقد شددت مبعوثة الأمين العام للشباب جاياثما ويكراماناياكي على ضرورة دعم الشباب في مجال بناء السلام، من خلال الإقرار بالجهود التي يبذلونها على المستوى المدني وتمويلها وحمايتها، ومنح الأولوية لمشاركة الشباب في المجال السياسي، وإقامة الشراكات معهم.

معالجة الإقصاء والتهميش

كان مجلس الأمن قد عقد قبل ثلاث سنوات اجتماعا حول الشباب والسلم والأمن، برئاسة أصغر من تولى تلك المهمة، وهو ولي عهد الأردن الأمير الحسين بن عبد الله، الذي كان في الحادية والعشرين من العمر في ذلك الوقت، وأقر الاجتماع بأن الشباب يدفعون إلى التغيير، ولكنهم ليسوا في مقعد القيادة، ودعا إلى منحهم “الترخيص” بالمساعدة في توجيه العالم إلى المستقبل المشترك.

اعتمد مجلس الأمن القرار 2250 الذي يعد أملا لعدد لا يحصى من الشباب والشابات الذين يخاطرون بحياتهم لمعالجة الصراعات والتطرف العنيف، والحاجة إلى السلام.

وتم تحقيق الكثير من التقدم منذ اعتماد القرار قبل نحو عامين. وبتكليف من الأمين العام للأمم المتحدة أجريت دراسة مستقلة حول المساهمات الإيجابية للشباب في بناء السلام واستدامته وحل الصراعات ومنع العنف.

وقال غرام سيمسون، الذي قاد جهود إجراء الدراسة، إن جوهرها يتمثل في ضرورة معالجة الإقصاء والتهميش لمليار وثمانمئة مليون شاب في العالم.

وأشار إلى أن نحو ربع العدد الإجمالي للشباب أي 408 ملايين شاب، يعيشون في بيئات يتعرضون فيها للعنف.

وتنقل الدراسة أصوات أكثر من 4 آلاف شاب من كل مناطق العالم، وتلقي الضوء على رؤى الشباب وتجاربهم ومطالبهم الموجهة لحكوماتهم والمنظومة متعددة الأطراف.

وأوضح سيمسون لمجلس الأمن الدولي أن شمول الشباب بشكل ذي مغزى، يتطلب عددا من الأمور، من بينها:

أولا: وضع سياسات جامعة بشكل حقيقي للشباب والشابات في المنتديات السياسية التمثيلية، التي تشكل حياتهم وتحدد تفاعلهم مع الدولة. وإشراك الشباب في مفاوضات السلام أو المصالحة والتخطيط لإعادة الإعمار.

ثانيا: الشمول الاقتصادي الكامل للشباب بشكل يتعدى الوظائف، ليتضمن تنمية مجتمعاتهم عبر أجندة التنمية المستدامة.

ثالثا: حماية الشباب من العنف المباشر وآثاره، وحماية حقوق الإنسان والبيئات الضرورية لعملهم في مجال السلام، بما في ذلك المعارضة والمظاهرات.

رابعا: الإقرار الكامل بالتجارب والمساهمات الفريدة للشابات، وأهمية تطوير صيغ إيجابية لهوية ذكورية لا تعتمد على السيطرة أو ممارسة القوة تجاه النساء.

خامسا: تعزيز قيادة الشباب وجهودهم في إعادة إدماج من انجذبوا في السابق إلى العنف.

وتقدم الدراسة عددا من التوصيات في مجالات، منها الاستثمار في بناء القدرات وقيادة الشباب، وتوسيع نطاق الشمول في القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وبناء الشراكات المحلية والإقليمية والدولية والتعاون من خلال تحالفات الشباب والسلم والأمن.

مستقبل دمرته الحروب
مستقبل دمرته الحروب

و“في المنطقة العربية التي تشهد الصراعات الأكثر حدة، يواجه عدد كبير من الشباب تحديات تشكل عقبة أمامهم لتحقيق طموحاتهم، فالنزاعات حطمت أمنياتهم ومستقبلهم والبطالة زادت من يأسهم وفقدانهم للأمان”.

كانت هذه كلمة السفير منصور العتيبي المندوب الدائم للكويت في جلسة مجلس الأمن حول “الشباب والسلم والأمن”.

وأضاف العتيبي أن “التحديات تتمثل أيضا في الفقر الذي سلب حق الشباب المشروع في العيش الكريم، فيما خطف الإرهاب والتطرف براءتهم، حيث تشكل هذه التحديات تهديدا خطيرا لمستقبل البلدان”.

ويكافح عدد كبير من الشباب حول العالم لا سيما أولئك الذين يعيشون في البلدان النامية أو البلدان المتضررة من الصراع، للحصول على أبسط الاحتياجات الأساسية بما في ذلك التعليم والتوظيف وخدمات الرعاية الصحية، فضلا عن ممارسة الحريات المدنية والمشاركة السياسية.

ومن دون هذه الاحتياجات الأساسية لا يملك الشباب أي وسيلة للازدهار والنمو والمساهمة الكاملة في المجتمع، حيث تعد تلك الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية عوامل أساسية لتحسين حياتهم والقضاء على الفقر وتعزيز الرفاه في المجتمعات السلمية.

وأوضح العتيبي “في منطقتنا العربية بلغ معدل البطالة لدى شريحة الشباب 30 في المئة والذي يعد الأعلى في العالم نتيجة الفشل في تحويل المكاسب التعليمية إلى وظائف لائقة للشباب، إلى جانب النمو السكاني السريع الذي لا يحد فقط من فوائد العائد الديمغرافي بل قد يؤجج المزيد من التوترات الاجتماعية والاقتصادية في المنطقة”.

وتعد الصور النمطية السلبية للشباب أحد العوامل الرئيسية التي تعرقل إشراكهم ومساهمتهم في الأمن وبناء السلام لا سيما تلك التي تربطهم بمظاهر العنف.

تغيير النظرة السلبية للشباب

هناك اعتراف دولي بالحاجة الماسة إلى انخراط الشباب ذكورا وإناثا كشركاء فاعلين في الجهود العالمية لتعزيز السلام الدائم، بحسب ما أكدت سيما بحوث، المندوبة الدائم لدى الأمم المتحدة عن الأردن، الأمر الذي سيتوجب أن تكون للشباب مشاركة أكبر في عمليات صنع القرار على كافة المستويات.

وقالت بحوث إنه بات من الضروري تغيير النظرة السلبية السائدة إلى الشباب بأنهم المشكلة وأنهم مرتكبو العنف أو ضحاياه، إلى نظرة إيجابية بأنهم شركاء في مجابهة التطرف العنيف والإرهاب وفي إحلال ثقافة السلام.

أكثر من نصف سكان العالم تحت سن الـ30 عاما، و70 في المئة منهم يقيمون في منطقتين تتسمان بالنزاعات المسلحة وهما الشرق الأوسط وأفريقيا. كما أن التطورات العالمية خاصة في منطقة الشرق الأوسط، ولدت واقعا غير مستقر وأثرت بشكل خاص على الأطفال والشباب الذين فقد الكثير منهم فرصهم في التعليم الجيد والخدمات اللازمة.

الاستثمار في الشباب وتعزيز دورهم يتمان من خلال وضع منظومة تعليمية عصرية تواكب التطورات وتحاكي سوق العمل وتساهم في الحد من البطالة

لأجل ذلك فإن الاستثمار في الشباب وتعزيز دورهم يتمان من خلال وضع منظومة تعليمية عصرية تواكب التطورات وتحاكي سوق العمل وتساهم في الحد من الفقر والبطالة، وتعزيز الثقافة السياسية وثقافة السلام لديهم وزيادة معرفتهم ومشاركتهم بآليات اتخاذ القرارات السياسية والقوانين، والعمل على زيادة ثقافة التطوع لديهم عن طريق إيجاد محفزات معنوية ومالية لهم.

وقام الأردن بوضع استراتيجية وطنية للشباب للأعوام 2017 – 2025 لتحديد أولويات العمل الشبابي لتشمل برامج تدريبية لهم تهدف إلى توعيتهم بالحقوق المدنية والمواطنة ومساعدتهم على المشاركة في صنع القرار على المستوى المحلي، وأطلق عددا من المبادرات التي تهدف إلى تمكين الشباب وتعزز مفهوم المشاركة الشبابية ومنها ما يقوم على تكريم الشباب الرياديين من خلال تقديم الدعم المالي اللازم لتطوير مشاريعهم ومساعدتهم على تقديم حلول مبتكرة للتحديات التي تواجه مجتمعاتهم المحلية.

قوة دافعة وشريك أساسي

وشددت الإمارات على أهمية التعامل مع الشباب كشركاء أساسيين وقوة دافعة لتحقيق السلام والأمن الدوليين.

جاء ذلك في البيان الذي أدلى به نائب المندوبة الدائمة للدولة لدى الأمم المتحدة سعود حمد غانم الشامسي الذي قال في ما يخص سياسات الإمارات في دعم دور الشباب “نولي أهمية كبيرة للمفهوم الشامل للسلام، الذي يركز على منع التطرف والعنف ومعالجة أسبابه الجذرية في نفس الوقت”.

وأكد أيضا أهمية العمل الذي تقوم به الفتيات، ولا سيما في ظل التداخل المفيد بين جدول أعمال “الشباب والسلام والأمن” وجدول أعمال “المرأة والسلام والأمن”، مشددا على أن الدولة تنظر إلى الشباب الإماراتي وإلى شباب المنطقة باعتبارهم القوة الدافعة لتحقيق السلام.

وأشار إلى اتخاذ خطوات ملموسة لإدراج الشباب بشكل ملموس في عمليات صنع القرار، إذ تم تعيين وزيرة شابة في عام 2016 لتولّي شؤون الشباب، وإطلاق عدد من الآليات والمبادرات بما في ذلك إنشاء مجالس للشباب على جميع مستويات العمل الحكومي، واعتماد استراتيجية وطنية للشباب، وبمشاركة الشباب، وذلك في خطوة تدعم سياسة المشاركة المنفتحة باعتبارها حجر الزاوية في بناء مجتمع يسوده السلام والازدهار.

ولا يبدو أن أمام المجتمعات العربية حلولا أخرى لتحقيق السلام والأمن اللذين بدورهما لا يتحققان من دون نهضة اقتصادية وتنمية شاملة غير تفعيل دور الشباب في جل المجالات الاقتصادية والسياسية وفسح المجال أمامهم للوصول إلى مواقع القرار والقيادة ومنحهم الفرصة والمؤهلات اللازمة التي تمكنهم من أن يكونوا فعليا قوة دافعة لمجتمعاتهم نحو الأفضل ونحو النماء والأمن.

ولا يكفي رسم وتدوين الاستراتيجيات الخاصة بتفعيل دور الشباب في الشأن العام ولا الإعلان عنها ضمن التوجهات المستقبلية من قبل الحكومات والقائمين على السياسات العامة في الدولة، بل يجب الانطلاق في تكوينهم وتحفيزهم وتشريكهم فعليا في اتخاذ القرارات وتسيير الشأن العام.

19