الشباب العرب يواكبون آخر تقليعات الموضة رغم الانتقادات الحادة

الاثنين 2017/08/14
مواكبة الشباب العربي للموضة بين القبول والاستهجان

لم تعد مواكبة الموضة والولع بها وكذلك الاهتمام بالتجميل حكرا على النساء والفتيات. اليوم أصبح المراهقون والشباب في أغلب المجتمعات العربية يهتمون بتقليعات الموضة وآخر صيحات التجميل، الأمر الذي يحمل دلالات على الكثير من التحولات الاجتماعية والثقافية التي تتصل بطرق التفكير والنظر إلى الأشياء، وهو ما يجعل جيل الكبار وخاصة المحافظين منهم يوجهون العديد من الانتقادات لشباب ومراهقي اليوم.

نرى اليوم في الفضاءات العامة وفي شوارع المدن العربية شبابا يرتدون ملابس بألوان زاهية ومن بينها الألوان التي يقال إنها مرتبطة بالأنوثة مثل الوردي والأحمر والبرتقالي وغيرها، كما يرتدي الأولاد اليوم السراويل الضيقة والأقمصة الملونة والمزينة بالورود والنقوش، ويقتنون الأكسسوارات سواء القلائد أو الخواتم وغيرها، ويقبل عدد هام منهم على قاعات التجميل ويصففون شعورهم أو يصبغونها وكذلك يستعملون مستحضرات تجميلية للعناية بالبشرة.

مظهر الشباب المولعين بالموضة بات لافتا للانتباه في المجتمعات العربية ومثيرا للجدل إذ تختلف الآراء حوله، فنجد من يرى أنه من الطبيعي أن يتبع كل جيل موضة عصره وأن يكون له طابعه الخاص الذي يميزه عن الأجيال التي سبقته. وهؤلاء يعتقدون أن موضة الشباب اليوم تنم عن انفتاحهم على عالم الموضة من جهة وعلى الغرب وباقي المجتمعات من جهة ثانية. ويرجع الفضل في ذلك إلى وسائل وتقنيات التواصل الحديثة وأبرزها الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي.

تؤمن الفئة المؤيدة لاتباع الشباب لآخر صيحات الموضة بأن الاهتمام بالمظهر الخارجي ومراعاة الجمالية والظهور في صورة جميلة من أفضل الأشياء التي يمكن أن يقوم بها الشباب، وقد لا يتعمق غالبية أفراد هذه الفئة في الخلفيات ولا يبحثون في دوافع الانتقاد أو وجوه الشبه بين هؤلاء الشباب والفتيات أو الغرب.

أما الفئة الثانية وهي الرافضة أو المنتقدة لمواكبة الشباب والمراهقين لآخر صيحات الموضة والتجميل فهي تنظر إليهم بازدراء وتنتقد خياراتهم خاصة للألبسة التي تشبه، في نظرهم، ملابس الفتيات سواء في الألوان الزاهية أو الخاصة بالنسبة إليهم بالفتيات أو السراويل الضيقة مثل تلك التي ترتديها البنات وغيرها من الإكسسوارات، وحدث ولا حرج عن كوي الشعر أو صبغه أو استخدام كريمات ومستحضرات التجميل وحتى تلك التي تستعمل للوقاية من الشمس.

الصغار ينظرون إلى الكبار على أنهم أبناء ثقافة غابرة قامت على الانسياق والطاعة وهو ما لا يرضونه لأنفسهم

وبجانب اتهام الشباب بالتشبه بالنساء وتوجيه نظرات الاستياء وأحيانا الاشمئزاز إليهم يذهب المحافظون وكبار السن رجالا ونساء في المجتمع التونسي مثلا إلى إصدار أحكام أخلاقية على هؤلاء الشباب فيتهمونهم بقلة الرجولة (بالمعنى الذكوري) ويرونهم شبابا تافها ولا مباليا وهم في نظر منتقديهم غير واعين ولا يهتمون بقضايا أوطانهم وعصرهم.

ويذهب جانب من الرافضين لمظهر الشباب هذا إلى اتهامهم بالتقليد الأعمى للموضة المتأتية من الغرب وبالانسلاخ عن هويتهم العربية وثقافتهم الإسلامية. هم يرون أن هؤلاء الشباب مهووسون بالموضة وأنهم ضحاياها من فرط الفراغ الفكري الذي يعيشونه. ويعتبرون أن تأثرهم بالغرب جعلهم يقلدونه بطريقة عمياء في المظهر دون الأخذ بعين الاعتبار ما يتلاءم مع ثقافتهم وهويتهم، وكثيرا ما نستمع في شوارعنا العربية إلى العديد من العبارات والكلمات التي توجه إلى الشباب محملة بهذه الآراء والانتقادات وبحجم هائل من الأحكام على الأخلاق انطلاقا من مظهرهم لا غير.

وتلقى الموضة اليوم والتجميل بصفة عامة اهتماما واسعا من الشباب ذكورا وإناثا ومن النساء وهي تملأ مساحة كبيرة من مشاغل الشباب العربي، ولكن في ما عدا الهوس فإن ذلك لا يمكن أن يوضع في خانة العيب على وجه الإطلاق. كما لا يمكن أن يكون سببا ومبررا لإصدار حكم مطلق بالتفاهة أو بالانسلاخ عن الهوية على جيل كامل. فالموضة مجال صناعي ضخم اليوم تديره كبريات الشركات في تصنيع الملابس والأقمشة حول العالم وتديره مؤسسات مرموقة تعمل في مجال التصميم.

وتشتغل العديد من المؤسسات ذات الصلة بالموضة والتجميل بالتركيز على التسويق من خلال المواد الإشهارية والإعلانية التي تركز أساسا على جذب الشباب من الذكور والإناث، وتستعمل للوصول إلى المتقبل جل وسائل التواصل والإعلام في جميع أنحاء العالم عبر خطط مدروسة ومراحل مضبوطة لتكون ذات فاعلية وجدوى تسويقية.

وأينما يولي الشباب بصره يجد اللافتات الإعلانية أمامه وتأتيه إعلانات التسويق لآخر صيحات الموضة إلى بيته والكمبيوتر الخاص به أو جواله الخاص وحسابه الشخصي على مواقع التواصل الاجتماعي. ولم تعد تقنيات التسويق حكرا على شركات الموضة الغربية بل إنها تكتسح الأسواق وعالم التصنيع والنسيج في الدول العربية أيضا.

جانب من الرافضين لمظهر الشباب يتهمونهم بتقليد الموضة المتأتية من الغرب وبالانسلاخ عن هويتهم العربية الإسلامية

ولعل استراتيجيات التسويق التي تلقى نجاحا أكبر لدى الشباب وخاصة الذكور هي تلك المتأتية من الشركات الغربية لأنها تضع خططا لمخاطبتهم وجذب اهتمامهم، ولأجل ذلك يقبل الشباب العرب على الموضة المتأتية من الدول الغربية وليس في ذلك انسلاخ عن الهوية طالما أن المسوقين والمصممين وشركات التصنيع للملابس في الدول العربية مازالت تركز أولا وأساسا على مخاطبة واستقطاب المرأة.

ولا يرى الشباب المولعون بالموضة وبالتجميل اليوم أن في ذلك عيبا وعند التحاور مع الكثيرين منهم والاحتكاك بهم، يقول معظمهم إن اهتمامهم بمجاراة الموضة أمر طبيعي وأنه حقهم، فمثلما اتبع آباؤهم موضة عصرهم يواكبون هم موضة اليوم. ويقول أغلبهم إن انفتاح الأولاد عن الألوان التي يروج إلى أنها حكر على النساء ليس إلا مواكبة لتقليعات الموضة الجديدة ولا يرون أن في ذلك تشبها بالنساء، بل يعتبرون أنه من الطبيعي أن تتغير موضة الألوان كما موضة التصاميم.

أما عن التجميل وقصات الشعر وصبغه واستخدام ماسكات وكريمات التجميل فإن ذلك ليس فيه أي مساس بالرجولة ولا بالهوية والثقافة العربيتين الإسلاميتين لأن الجميع يحب الجمال وليس من العيب في شيء أن يسعى الشاب ليكون وسيما وجذابا وأن يلقى مظهره استحسان وإعجاب المحيطين به على ألا يكون غير مناسب له أو غريبا. فالتجميل والجمال ليسا حكرا على النساء ومن حق الشاب أن يرى نفسه في أبهى الصور وأن يحافظ على صحة ونضارة بشرته.

ورغم إدراك الشباب في مختلف المجتمعات العربية وخاصة في البيئات المحافظة لما يقال عنه وما يوجه إليه من اتهامات وأحكام من قبل الأجيال الأكبر إلا أن لا تأثير لذلك على سلوكاتهم تجاه الموضة. ويؤكد المختصون في علم الاجتماع والمربون أن أغلب شباب اليوم يتمتعون بالثقة في النفس وليس جميعهم تافهين كما يقال عنهم وبلا أهداف وليس كلهم ضائعين بين ثقافتهم وجذورهم وهوية مجتمعاتهم وبين إعجابهم وسعيهم للتشبه بالغرب، بل إن التواصل مع بعضهم والتمعن في مسيرة نجاح بعضهم في الدراسة والعمل يؤكد أنهم شباب براغماتيون لا يعيرون للتنظير والشعارات الكثير من الاهتمام، ولذلك فإن الحكم على مظهرهم يظل سطحيا ويحتمل الخطأ.

12