الشباب المصريون يمضون سنوات العمر في طابور الوظائف الحكومية

العزوف عن التوظيف في القطاع الخاص رغم نقص العمالة وزيادة معدل البطالة.
السبت 2021/09/18
شباب ينتظرون تحقيق الحلم

يحلم الشباب المصريون بوظيفة في القطاع الحكومي وينتظرون أحلامهم طويلا رغم الوظائف الشاغرة في القطاع الخاص. فالوظيفة الحكومية مريحة ودخلها مضمون وتزيد من الوجاهة الاجتماعية، وهذه معادلة معقدة تعجز الحكومة عن حلها، فالشباب يرفضون استيعاب أن الحكومة لا يمكن أن توفر لهم وظائف وأن وظائف أخرى قد تكون بعيدة عن اختصاصاتهم الجامعية لكنها توفر لقمة العيش.

القاهرة - المتابع لعلاقة الشباب بسوق العمل والوظائف التي توفرها الشركات والمؤسسات الخاصة في مصر يكتشف العلاقة العكسية بين معدلات البطالة ونسب الإقبال على التوظيف، وهي مسألة معقدة بالنسبة إلى الدوائر الرسمية التي تسعى لتوفير فرص العمل للفئات الشبابية بالتعاون مع المستثمرين في قطاعات مختلفة.

تطرح هذه الإشكالية تساؤلات عدة حول أسباب عزوف الشباب عن العمل، هل لأن الجيل الجديد كسول ومرفه ويميل إلى حياة الكسل ويفتقر للرغبة في البحث عن ذاته ولا يدرك قيمة العمل، أم أن الأسرة أخفقت في تربية أولادها على الجهد وتحمل المسؤولية، أم لانتشار الإحباط واتساع الفجوة بين التعليم واحتياجات سوق العمل؟

يكاد لا يمر أسبوع وتعلن وزارة القوى العاملة في مصر عن حاجة الكثير من الشركات والمؤسسات إلى الآلاف من الشباب للتوظيف فيها برواتب جيدة، وبعد فترة قصيرة يتحدث المسؤولون عن ندرة إقبال الخريجين على الوظائف لأسباب غير مفهومة، بينما الغالبية من الفئات الشبابية تشتكي من البطالة وغلق أبواب العمل في وجوههم.

وإذا حدثت المعجزة وقررت إحدى الجهات الحكومية فتح باب التوظيف وطلبت عددا محدودا من الخريجين للعمل في إداراتها، تصطف طوابير الشباب على أمل اللحاق بالتقديم دون النظر للراتب الذي سيحصلون عليه وعدد ساعات العمل ومدى ملاءمة الوظيفة المطروحة للتخصص التعليمي الذي جرت دراسته.

وتشير هذه المفارقة إلى أن الشباب المصريين لديهم أزمة حقيقية مع مسألة العمل بشكل عام، فهم يشتكون البطالة ويرفضون التوظيف ويفضلون أن يكونوا أحرارا دون ضغوط أو مسؤوليات يمكن أن تقع على عواتقهم جراء الالتحاق بوظائف لا تتناسب مع أحلامهم، ومازالت الأغلبية تتمسك بأن تعمل في كنف الحكومة مهما ندرت المزايا والمكتسبات.

وإذا قادتك الصدفة للقاء مجموعة من الشباب في مصر على مقهى مثلا لسؤالهم عن الأسباب التي دفعتهم لرفض القيام بجهد والبحث عن فرصة عمل، تراهم يتحدثون عن الظروف الاقتصادية والمعيشية التي تحتاج فرصة عمل قيمة، ويبررون تكاسلهم بأنهم ينتظرون الأفضل ويعيشون على مساعدات الأهل لحين وصول الوظيفة المرموقة.

حكاية واقعية

حكاية طويلة لصديقين

أحمد ومصطفى صديقان يداومان على الجلوس أطول فترة ممكنة داخل مقهى شعبي بحي المطرية في القاهرة، أحدهما تخرج قبل عامين في كلية التجارة، والآخر حصل على بكالوريوس في كلية الحاسبات والمعلومات، ورغم أن المجالين متاح فيهما التوظيف بشكل سريع في القطاع الخاص، إلا أنهما لم يتقدما لأي وظيفة يتم طرحها بشكل دوري عبر وزارة القوى العاملة.

وقال أحمد لـ”العرب” إنه عندما يقرأ عن وظيفة يجد راتبها لا يتناسب مع طموحه، فهو ينتمي لعائلة ميسورة نسبيا وتوفر له الأسرة أغلب احتياجاته الشخصية وتمنحه مصروفا شبه يومي للإنفاق على مستلزماته، وكان أعلى راتب في عروض التوظيف الدورية خمسة آلاف جنيه (321 دولارا) ويراه مبلغا هزيلا مقارنة بحجم مصروفاته.

أما مصطفى فهو يرفض أن يعمل في وظيفة مغايرة للتخصص الجامعي الذي حصل عليه، ويأبى أن يكون تحت رحمة شركة أو مؤسسة تتحكم في تحركاته ومواعيده وتُملي عليه شروطها، ومع أي تصرف تقوم بالخصم منه وتوقيع الجزاء عليه، لأن شخصيته متحررة وترفض القيود والضغوط والمسؤوليات الوظيفية، ويرى العمل في الحكومة هو الحلم الأكبر المريح له.

وتعكس حالة أحمد ومصطفى طبيعة الأزمة التي يمر بها بعض الشباب في مصر مع سوق العمل، فجزء منها يرتبط برفض الكثير من الشباب تحمل المسؤولية في ظل اعتيادهم الاعتماد على العائلة في تحمل المصروفات الشخصية، ما يدفعهم للعزوف عن الارتباط بوظيفة قد تمنع عنهم “الراتب الأسري” أو تقف عائقا أمام استمرار الرفاهية والراحة التي تعودوا عليها.

صلاح هاشم: الوظائف المتاحة لا تتناسب مع سقف طموحات الشباب
صلاح هاشم: الوظائف المتاحة لا تتناسب مع سقف طموحات الشباب

يضاف إلى ذلك أن ثقافة العمل الحكومي لدى الشريحة الأكبر من الشباب مازالت مهيمنة على الخريجين رغم تأكيد الدولة في مرات عديدة أن جهازها الإداري لم يعد يسمح بالتوظيف، وهناك بطالة مقننة داخل الكثير من الإدارات، ومع ذلك تتمسك هذه الشريحة بالأمل مهما تقدم العمر، ومع الوقت تتعرض للصدمة عندما تخسر الوظيفة الحكومية والخاصة على حد السواء لاشتراطها مراحل عمرية محددة.

وقال صلاح هاشم أستاذ التنمية والتخطيط بجامعة الفيوم، غرب القاهرة، إن المعضلة الأكبر أمام العديد من الشباب أن الوظائف المتاحة لا تتناسب مع سقف طموحاتهم الأدبية والمادية والاجتماعية، إذ يضع كل منهم نفسه في مكانة عالية يرفض التنازل عنها مهما كانت الأبواب مغلقة والفرص المتاحة قليلة، وهذه أزمة إرادة لدى الشباب.

ولفت في تصريحات لـ”العرب” إلى أن التنشئة الاجتماعية الخاطئة سهلت تمرد شريحة ليست بالقليلة من الشباب على كل وظيفة خارج الجهاز الإداري للحكومة، فهناك نظرة دونية لفرص العمل المرتبطة بالحرف اليدوية وعمليات البيع والشراء والتسويق والأعمال المكتبية والإنشائية وغيرها وحال استمرت هذه الثقافة سوف تكون تبعاتها كارثية على الكيان المجتمعي.

وأوضح هاشم أن الشباب المصريين يعانون من أزمة كسل وتواكل، والتقاليد الأسرية شجعت على ذلك، فلا تتم تربية المراهقين والصبية على تحمل المسؤوليات والتدريب على العمل منذ الصغر لزرع ثقافة الكسب والاجتهاد والمثابرة وتحدي الصعاب، وترتب على ذلك فقدان الكثير من الأجيال المعاصرة لقيمة العمل والوقت وتراهم متراصين في المقاهي أغلب الوقت.

الصدمة والتخصص

أزمة تخصص

إذا كانت هذه الدوافع تبدو مقنعة نسبيا فأزمة الكثير من الشباب في كونهم يفشلون في تجاوز صدمة عدم مواءمة التخصص التعليمي مع احتياجات سوق العمل، ولأن هناك حالة من الاستسلام للأمر الواقع تحت وطأة الإحباط الذي يشعر به الناس جراء الضغوط وغلاء المعيشة ويتسلل الشعور نفسه لشريحة من الشباب بلا عزيمة قوية.

ولدى هذه الفئة قناعة شخصية بأنه مهما كانت الوظيفة المتاحة في القطاع الخاص ملائمة نسبيا على الصعيد المادي لن تصل بظروفهم إلى المكانة الأفضل التي تحقق لهم الرضا المعيشي والاقتصادي، ويقتنع هؤلاء بأن وجودها مثل عدمه، وبالتالي لا داعي لإرهاق الذات نفسيا وذهنيا، في حين أن الظروف السيئة لن تتبدل بفرصة عمل.

ويصعب فصل خيبة الأمل التي يعاني منها الشباب المصريون عن الأجواء العامة اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا، فهناك أزمات خانقة وشعور متصاعد بأن الوظائف التي توفرها الحكومة للخريجين للعمل في القطاع الخاص ما هي إلا مسكنات ومحاولة للترضية والإيحاء بأن الفئات الشبابية هي من ترفض العمل، بينما ما يُطرح لا يوفر الحد الأدنى من الرضا والقبول.

ويعتقد الشاب محمد حسين الذي تخرج في كلية السياحة منذ ثلاثة أعوام، ومازال يعاني البطالة، أن فرص العمل المتاحة في شركات السياحة الخاصة من جانب الحكومة تمثل بالنسبة إليه إهانة إذا قبل بها، فهي وإن لم تكن عبارة عن وظيفة أمنية كفرد حراسة، تضعه بوظيفة مندوب المبيعات أو التسويق، وهذه الوظائف ديكور للشركة.

وأكد الشاب لـ”العرب” أن لجوء الشباب لتفضيل البطالة عن الانضمام لوظيفة تخالف أحلامهم صار ظاهرة عامة لأسباب ترتبط باليأس من تغيير حياتهم للأفضل وعدم الشعور بالأمن الوظيفي في القطاع الخاص وإخفاق الحكومة في إلزام رجال الأعمال بحماية حقوق الموظفين والمساواة بين مزايا الوظيفة الحكومية والخاصة.

هناك نظرة دونية لفرص العمل المرتبطة بالحرف اليدوية وعمليات البيع والشراء والتسويق تهدد الكيان المجتمعي

ولا ينكر الشاب أن المجتمع نفسه كرّس ثقافة تمرد الشباب على الكثير من الوظائف المتاحة، إذ ينظر لها بدونية مهما كان عائدها المادي، وعندما يتقدم بعض العاملين في وظيفة غير ملائمة لتخصصه التعليمي لفتاة للزواج منها قد يُتهم بأنه فاشل دراسيا أو ظروفه المادية صعبة باعتباره قبل “أي وظيفة” من أجل المال، ويصبح الشباب ضحية لعنصرية مجتمعية.

ورأى حسن الببلاوي أستاذ علم الاجتماع بجامعة الزقازيق شمال القاهرة أن تعامل المجتمع مع الوظيفة بمنطق الوجاهة كرس تمرد الشباب على فرص العمل المتاحة حتى لو كانت عوائدها المادية معقولة، وجعلهم أكثر كسلا، والكثير من الأسر لم تعلم أولادها كيفية التخطيط للمستقبل وتحفيزهم على الاعتماد على أنفسهم وزراعة الأمل.

وأشار الببلاوي في تصريح لـ”العرب” إلى غياب القدوة الحسنة أمام الشباب الذين بدأوا من الصفر في القطاع الخاص حتى تحقيق أحلام الشهرة والمال، جعلت الكثير منهم يشعرون بعدم قيمة العمل الذي يحتاج إلى جهد وعزيمة ومهارات، وباتوا محبطين وينتابهم إحساس دائم بتوقع الفشل مبكرا، وهذا يحتاج إلى حملة توعية ضخمة لتغيير هذه القناعات.

ويؤكد متخصصون في التنمية البشرية أن ميل الأجيال الجديدة للكسل واشتراط العمل في مهن مريحة لا تتطلب جهدا يؤثر سلبا على مقومات وقدرات الدولة والمجتمع مستقبلا، ويضرب كل مساعي التنمية وتحسين المستويات والظروف الاجتماعية ما يمثل ضغطا مضاعفا على دوائر صناعة القرار في احتواء هذا اللغم قبل انفجاره.

وتفرض هذه المخاوف على الحكومة أن تقترب من الطموحات الشبابية وتقرأ ما يدور في خيالهم وتحاول البحث عن حلول وبدائل واقعية، أولها مواءمة التخصصات التعليمية لفرص العمل وإلغاء ما لم يعد مناسبا منها لمتطلبات العصر، لأن استمرارها ليس في صالح المجتمع ولا الشباب، فالحكومة وحدها ستدفع فاتورة زيادة البطالة.

بيئة العمل وتحقيق الذات

تحقيق الذات يتطلب شهادات معترف بها

أوضح هاشم أستاذ التنمية والتخطيط أن عدم التعامل مع الشباب باعتبارهم مصدر الطاقة الاجتماعية مؤشر خطير، لأنهم وحدهم القادرون على تغيير الواقع بكل تفاصيله، ومن المهم معالجة التشاؤم الذي يراود مستقبلهم الوظيفي كمدخل للقضاء على حالة الإحباط التي تسللت إلى بعضهم بحيث لا يكون هناك شعور بالغربة بين بيئة العمل وتحقيق الذات.

ويعتقد متابعون لظاهرة العزوف الشبابي عن التوظيف، أن الحكومة المصرية تتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية، لأنها تتحرك دون خطط واقعية على مستوى التنمية وتحسين مستوى المعيشة، فهي تؤسس العشرات من المجتمعات السكنية وأغلبها يكون بعيدا عن التجمعات الصناعية التي تنشئها الدولة ويحتاج كل شاب لراتب خاص للمواصلات بين السكن ومقر العمل.

كما أن الحكومة لم تفرض بشكل حازم على الكيانات الاقتصادية الخاصة أن تمنح موظفيها نفس المزايا التي يحصل عليها الموظف العمومي، كنوع من المساواة بين الطرفين، بشكل يشجع الشباب على العمل بوظيفة آمنة خالية من التعسف وإجراءات الفصل وقطع مصدر الرزق في أي وقت، ما شجع الكثير من الشباب على العزوف عن التوظيف لغياب الأمان الوظيفي.

ويمكن البناء على ذلك أنه لو كانت هناك فئة شبابية متمردة على الوظيفة بشكل عام، فهناك شريحة أخرى لديها طموحات شخصية لا تتناسب مع الممارسات الخاطئة التي تقوم بها العديد من المؤسسات الخاصة وسط غياب للرقابة الحكومية لتوفير ضمانات قانونية تحفظ الحقوق الأدبية والمادية والصحية لهم، وصاروا بين خيارين، إما تفضيل البطالة أو العمل الحر.

17