الشباب المصري.. حياة بلا إنترنت تشبه الجحيم

تأثير الإنترنت في حياة الشباب يتزايد مع تغيّرات حادة في شبكة العلاقات الإنسانية وبعض مواقع الإنترنت تعزز الحالة الانعزالية.
الأحد 2019/09/15
للترفيه والعمل أيضا

القاهرة – يضع الشباب المصري حاليّا الإنترنت في قائمة الاحتياجات الأساسية، وربما في مرتبة تلي الحاجة إلى الماء والغذاء تمامًا، حتى أن بعضهم لديه الاستعداد الكامل لتغيير أماكن إقامتهم في حال انقطاع الخدمة، رافعين شعار “الحياة دون إنترنت تعادل الجحيم”.

وأصبح توافر الإنترنت من العناصر الأساسية التي لا يتخلى عنها الشاب. وقال أيمن محمود، (30 عاما) إنه يقضي قرابة 14 ساعة يوميا على مواقع الإنترنت، موزعة بين 8 في التسويق الإلكتروني لمنتجات شركته، والباقي للتجول في مواقع التواصل الاجتماعي، ويصبح انقطاع الخدمة تبديدا لمصدر رزقه وضياع متعته الخاصة.

ويدخل أيمن في مشادات مع زوجته بسبب التصاق أنامله المستمر بلوحة الهاتف المحمول، توفر الإنترنت له فرصة للاستمتاع بالوقت والتخلص من ضغوط احتياجات المنزل والطلبات التي لا تنتهي.

ويوضح أيمن لـ”العرب”، أن الأسبوع الأول من زواجه كان الفترة الوحيدة التي تخلى فيها عن هاتفه، شعر خلالها بافتقاره للحرية، لعدم قدرته على التواصل مع أصدقائه الافتراضيين وتغيير حالته المزاجية كالمعتاد عبر متابعة الصفحات المسلية التي اعتاد تصفحها.

ويبتعد الشباب عن شبكة الصداقات التي أسسوها على مدار حياتهم في حال وصولهم إلى مشارف “إدمان الإنترنت”، مثل إسلام علي (35 عاما) والذي لم يقابل أقرانه في مرحلة الجامعة منذ سنوات رغم وجودهم في مدينة واحدة، فالتواصل بينهم يقتصر على مواقع التواصل.

وأشار إسلام لـ”العرب”، إلى أن فترة انقطاع الإنترنت عن مصر إبان ثورة يناير 2011 كانت شبيهة بالجحيم، فلم يعتد على الجلوس في المنزل وجها لوجه مع أفراد عائلته، وشعر بالغربة لعجزه عن الدخول في أحاديث معهم.

ولفت خبراء في علم الاجتماع إلى أن الشبكة العنكبوتية تعيد برمجة العلاقات والعواطف وحتى أنماط الغذاء، فتجعل وتيرة الحياة سريعة والحوار في العالم الحقيقي مقتضبا وقصيرا، وحال انقطاعها يصاب الشخص بهزة نفسية وعجز عن خوض حديث مباشر مع أفراد الأسرة أو الأصدقاء.

وتعتبر سامية خضر، أستاذة علم الاجتماع، أن تأثير الإنترنت في حياة الشباب تزايد مع تغيّرات حادة في شبكة العلاقات الإنسانية، فقديما كانت العائلة حتى بعد زواج الأبناء تقطن في شارع واحد لتسهيل الزيارات العائلية، أما حاليا فمن الوارد أن يتوزع الأبناء ولا يتواصلون إلا عبر الوسائط الافتراضية.

وتعزز بعض مواقع الإنترنت تلك الحالة الانعزالية عبر مسميات “الحياة الأخرى” أو “الحياة السرية” وفيها يختار الذكر أو الأنثى شكلا جديدا له، ويبني مع الطرف الآخر  النموذج الكامل لحياة أسرية افتراضية.

انقطاع خدمة الإنترنت عند البعض يشبه في أعراضه التوقف عن تناول المواد المخدرة مما يتسبب في حالة هستيرية وعدم اتزان وعصبية مفرطة

وأضافت لـ”العرب”، أن انغماس الشاب في العالم الافتراضي يحوّله على المدى البعيد إلى ما يشبه الآلة، وقد يرفض التواصل مع الزوجة أو الأبناء ليبني عالمه الخاص الذي يهرب إليه من صعوبة الواقع وضغوطه، ويصبح أكثر عصبية وحدّة في التعامل مع من يطالبه بالتوقف عن استخدام الإنترنت أو حال انقطاع الخدمة أو بطئها.

وحذر خبراء في علم النفس من وصول فئات كبيرة من الشباب إلى حافة الإدمان التكنولوجي، فانقطاع الخدمة عند البعض يشبه في أعراضه التوقف عن تناول المواد المخدرة مما يتسبب في حالة هستيرية وعدم اتزان وعصبية مفرطة.

وكشفت دراسة أميركية حديثة أن 6 بالمئة من مستخدمي الإنترنت عالميا في عداد المدمنين، ويتزايد الأمر خطورة بإظهار بعض الشباب والأطفال استعدادهم لإيذاء النفس أو الانتحار.

وقبل شهرين، أقامت الفتاة “نجلاء.م” دعوى خلع ضد زوجها أمام محكمة الأسرة في القاهرة عقب 6 أعوام من زواج عن حب، بسبب قطعه خدمة الإنترنت عنها لإجبارها على عدم متابعة مواقع التواصل الاجتماعي، مضحية بطفليها.

ووفقا لمكاتب تسويات المنازعات الزوجية في مصر، فإن أغلب الخلافات بين الشباب حديثي الزواج سببها التعلق بتطبيقات التواصل الاجتماعي في أيام الإجازات، وعدم التفاعل مع الأسرة بصورة حقيقية.

وأطلق الاستشاري النفسي إبراهيم مجدي أخيرا، أول عيادة متخصصة في علاج إدمان الإنترنت والألعاب الإلكترونية بالقاهرة، تحمل رؤية جديدة للحد من مرض نفسي مستجد يعاني منه الشباب في المقام الأول، معتبرا أن نحو 3 ملايين يعانون من أعراضه بمصر، ولا يلقى العلاج منهم سوى عدد قليل.

وأكد جمال فرويز، أستاذ الطب النفسي بجامعة القاهرة، أن توقف خدمة الإنترنت يظهر أعراض الإدمان لدى الشباب، ومنها العصبية الشديدة  وإهمال النوم، والتخلي أحيانا عن الطعام، والدخول في حالة اكتئاب وعزلة، والتوقف عن ممارسة الحياة الطبيعية.

ويمثل طابع التجديد المستمر الذي تقدمه الإنترنت عنصرا مغريا للشباب الطامحين نحو الجديد، لكن الإفراط يؤثر على أعصابهم ويزيد من توترهم على المدى البعيد، ويصيب صغار السن بنوع من الكهرباء الزائدة في المخ ويضر أيضا بقدراتهم المعرفية.

وأشار فرويز لـ”العرب”، إلى أن من أعراض إدمان الإنترنت تسخير الشباب لجزء كبير من وقتهم للتفاعل مع صفحات مواقع التواصل، والهرولة إليها بمجرد ورود إشعارات صوتية تحاشيا لفقدانهم المنشورات الجديدة.

وتؤهل قوة تأثير شبكة الإنترنت في الشباب لاحتلالها مكانه في هرم “ماسلو” للاحتياجات الأساسية.

19