الشباب الموهوب يبحث عن تأشيرة النجومية في برامج المسابقات الغنائية

الرغبة الجامحة في الشهرة والنجومية تطغى على ترويج الشبان الموهوبين لثقافاتهم المحلية.
الأحد 2019/12/29
متابعون شباب يساندون متسابقين شباب

ينتظر الآلاف من الشباب العربي لحظة الإعلان عن فتح باب التقديم في برامج اكتشاف المواهب الغنائية والفنية، أملا في الحصول على صك الاعتراف بالموهبة الذي يفتح أمامهم أبواب الشهرة والوصول إلى نجومية ظلوا يحلمون بها لسنوات، باعتبارها فرصة يسعون لاغتنامها أمام الملايين الذين يتابعون تلك البرامج عبر التليفزيون، والمنصات الإلكترونية التي تنتشر عليها مقاطع فيديو تروّج لهذه المواهب.

القاهرة - تغيب أحيانا الأهداف النبيلة التي من المفترض أن تحققها برامج المواهب العربية التي تمتزج فيها ثقافات مختلفة، بتنوع جنسيات الشباب المشارك فيها، وتتنوع فيها المدارس الفنية وتظهر من خلالها ألوان غنائية قد لا تكون معروفة من قبل لدى الجمهور العربي، أمام الرغبة الطاغية في البحث عن الشهرة والتعلق بخيط يضمن حضورا في المستقبل من جهة الشاب الموهوب والحاجة إلى تحقيق الأرباح من جهة القائمين على صناعة تلك البرامج.

يظل الفنان التونسي مهدي عياشي الذي فاز في الموسم الخامس لبرنامج المواهب الغنائية “ذا فويس”، استثناء بين مجموع المتسابقين الذين يبحثون عمّا يضمن نجاحهم في المسابقات، بغض النظر عن الخلفية الثقافية لما يقدمونه من أغان، فقد بدأ مهدي مشاركته في البرنامج بأغنية صوفية تونسية ثم قدّم ألوانا فنية مختلفة وقدّم أغاني من التراث التونسي ثم اختتم الحفل بأغنية تونسية أيضا تحمل عنوان “عرضوني”.

ولعل تجربة الشاب المصري هشام الكيلاني الذي شارك في المرحلة الأولى فقط من برنامج “ذا فويس” في موسمه الثاني، تعبر عن الوضع، إذ أكد أن هؤلاء الشباب يبحثون عمّا يضمن استمرار بقائهم في المسابقة، وبالتالي فإن التركيز ينصب على اختيار الأغاني التي تحمل شهرة واسعة بين الجمهور أو استخدام اللهجات التي تحظى بالقدر ذاته.

وأوضح الكيلاني في تصريحات لـ”العرب”، أن عملية اختيار الأغاني المقدمة تخضع للعديد من المعايير، منها ما يرتبط بلجان التحكيم ورغبتهم في تقديم ألوان متنوعة من الغناء، والتعرف على جودة طبقات الصوت لكل متسابق، وأخرى تتعلق بالبحث عن تقديم أغان ليست مستهلكة، وتلك الأهداف تكون فنية بحتة ومن مهمة اللجان الفنية القائمة على إدارة البرنامج لضمان تسويقه العام.

وتقدم برامج اكتشاف المواهب دعما ثقافيا للشباب الذين يؤدون أغانيهم باللهجات المحلية، لأنها تساهم في انتشارها على نطاق أوسع، ويصب ذلك في صالح ثقافات هذه البلدان.

وتعد حالة الفنان والإعلامي السعودي هشام الهويش الذي فاز بجائزة الموسم الثاني من برنامج “ستار أكاديمي” أكبر دليل على ذلك، رغم عدم استمراره في الغناء.

سهولة تنظيم برامج المواهب إلكترونيا وعدم حاجتها إلى تمويل كبير، تسمح مقارنة بالبرامج التلفزيونية، بفتح الباب أمام الشباب للتركيز على ثقافتهم ولهجاتهم المحلية

وشارك الهويش في بطولة فيلم “كيف الحال” عام 2006، وهو أول فيلم من إنتاج سعودي على مدار التاريخ، وصاحبته حملة دعائية كبيرة لهذا السبب، لكنه لم يلق نجاحا جماهيريا وقتها لغرابة الفكرة، كما أن اختلاف اللهجة أثر سلبا على انتشاره عربيا، في حين أن العمل أصبح مقدمة للمزيد من الأعمال الفنية التي أنتجتها السعودية مؤخرا.

وأكد المطرب المصري إيساف، لـ”العرب”، أن الغناء أسهل وسيلة للتقارب بين الثقافات المختلفة، وقد نجح حضور الجوانب الفنية في البرامج التي ظهرت مطلع الألفية الجديدة إلى جانب الأهداف التجارية في تقديم الغناء الخليجي والمغربي إلى الجمهور العربي عموما، لكن تحول البرامج إلى أحد عوامل الترفيه والتسلية باعتبارها تحمل أهدافا إعلامية بالأساس أضرّ بالمتسابقين الشبان والشابات إذ لم يحقق الكثير منهم الشهرة المنشودة ولم يستطيعوا الانفتاح على الثقافات المختلفة.

وأشار الفنان الذي فاز بجائزة برنامج المسابقات المصري “ستار ميكر” عام 2004، إلى أن الشباب المتقدمين لتلك المسابقات بحاجة للتوجيه بما يغير أفكارهم التي تنصبّ على الانتشار والنجومية فحسب، خاصة في البرامج التي يختلطون فيها لفترات طويلة، والمسألة بحاجة إلى جهود رسمية تدعم هذا الأمر الذي يعود بالإيجاب على الفن والشباب بصفة عامة.

قد يكون تكريم وزير الشؤون الثقافية في تونس، محمد زين العابدين، للفنان مهدي عياشي وإهداؤه الدرع الوطني للثقافة من بين عوامل هذا الدعم لتشجيعه على الاستمرار بهذا النهج، وأن يكون قدوة لغيره من الشباب التونسي والعربي أيضا الذي يرغب في المشاركة في مسابقات برامج المواهب القادمة.

وأوضح إيساف، لـ”العرب”، أن الانتشار الذي تحققه برامج المواهب الشابة يفرض التدقيق في اختيار العناصر المشاركة بها، بحيث لا يتوقف الأمر عند حدود الصوت فحسب، بل يجب أن يكون هناك إدراك لأهمية التبادل المعرفي بين المشاركين، وذلك ينتقل بالطبع إلى الجمهور ويأخذ في التعود على اللهجات والثقافات المتباينة. كما أن اختيار المحكمين من مناطق جغرافية متعددة يدعم هذا الموضوع، شريطة التخلي عن التعصب الوطني الذي يظهر في البرامج لأهداف تسويقية وتجارية.

عياشي متمسك بالطابع التونسي وفخور به
عياشي متمسك بالطابع التونسي وفخور به

ويظهر تعبير الشباب عن ثقافاتهم بشكل أكبر في برامج المواهب التي انتشرت إلكترونيا مؤخرا، ويعد أبرزها ذي تالنت “the talent”، الذي يضم قاعدة أكبر من المتسابقين من دول عربية مختلفة، ويكون التركيز منصبا على المواطنين المحليين الذين يتفاعلون بكثافة مع فيديوهات تحظى بملايين المشاهدات على مواقع التواصل الاجتماعي.

واستطاع الشاب السعودي يزيد القرني، الحصول على جائزة الموسم الأول من البرنامج، خلال شهر نوفمبر الماضي، بعد أن ركز على تقديم الأغاني الخليجية، التي طغت على اختياراته، مقارنة بالأغاني المصرية مثلا.

وتسمح سهولة تنظيم برامج المواهب إلكترونيا وعدم حاجتها إلى تمويل كبير، بالقياس مع البرامج التلفزيونية، بفتح الباب أمام الشباب للتركيز على لهجاتهم المحلية، وقد يجعل دخول الحكومات على خط إنتاج تلك البرامج الجمهور أمام نوع جديد من هذه البرامج التي ترتكن إلى المحلية.

وتشكل هذه البرامج فرصة للشباب الراغبين منهم في الترويج لثقافات مجتمعاتهم المحلية، وتفتح لهم الباب أمام الشهرة وحب الجمهور المحلي ومن ثم كسب إعجاب الجماهير العربية. وتلبي هذه النوعية من البرامج رغبة الشاب أو الفتاة الموهوبين في أن يكونا سفيرين وممثلين لثقافة بلديهما ولهويتيهما الفنية خاصة إذا سعى كلاهما إلى أداء الأغاني المحلية والتراثية.

وأطلقت وزارة الشباب والرياضة المصرية، منتصف ديسمبر الجاري، مسابقة “إيجي تالنت” (egy talents)، وهي أول مسابقة محلية على مواقع التواصل الاجتماعي لاكتشاف المواهب في مجالات مثل: الرسم والغناء والتمثيل وفن الطبخ والمهارات الفردية بالكرة.

وأكد مصطفى جاد، عميد المعهد العالي للفنون الشعبية بالقاهرة، أن برامج المواهب شاهدة على الثراء الفني بالمنطقة العربية في مجالات متعددة، بل إن هناك اتجاهات فنية محفورة بأسماء الفنانين العرب، غير أن هذا الثراء لا يجري استغلاله بالقدر الأمثل لغياب الوعي لدى الشباب وعدم اهتمام القائمين على البرامج برعاية الموهوبين بالصورة السليمة ما يجعل غالبية الفائزين في تلك المسابقات يغيبون بعيدا عن الأنظار بعد أيام قليلة من انتهاء البرنامج.

وأضاف في تصريح لـ”العرب”، أن انتشار مسابقات الغناء بشكل واسع خلال السنوات العشر الأخيرة كان من المفترض أن يؤدي إلى انتعاشة فنية عربية يقودها الشباب، غير أن ذلك لم يحدث، وظلت خارطة الساحة الغنائية دون تغيير بارز، جراء التركيز على العوائد المالية من جانب الفضائيات والشركات المنتجة، وعدم قدرة الشباب على إثبات وجودهم وموهبتهم في مجتمعاتهم.

انتشار مسابقات الغناء بشكل واسع خلال السنوات العشر الأخيرة كان من المفترض أن يؤدي إلى انتعاشة فنية عربية يقودها الشباب غير أن ذلك لم يحدث، لعدم قدرة الشباب على إثبات وجودهم وموهبتهم في مجتمعاتهم

وفي تونس، اعتبر البعض أن نجاح عياشي راجع لظهوره الأول في البرنامج بأغنية تونسية من التراث وهو ينقر آلة البندير، وأن تمسكه بالطابع التونسي في أغنية البداية وكذلك في حلقة التتويج هو سر نجاحه، ولأنه تميز في اللون التونسي وروج من خلاله للغناء التونسي الأصيل لاقى الكثير من الدعم من التونسيين.

وصرح عياشي أنه متمسك بالطابع التونسي وفخور به وأنه أراد من خلال مشاركته في البرنامج إلى جانب الفوز والشهرة على المستوى العربي الترويج للأغنية التونسية. لكن الكثير من رواد مواقع التواصل الاجتماعي ومن متابعي البرنامج الشبان اعتبروا أن عياشي مثل غيره من الشباب العربي الموهوب يسعى أولا وأخيرا للنجومية والشهرة وللتعريف بنفسه وبموهبته قبل الترويج لمغنى وثقافة بلاده.

وتقول الصحافية التونسية ريم المرزوقي لـ”العرب” “أصبحت الشهرة اليوم من أبرز طموحات الشاب التونسي وذلك لمقاومة الوضع المتردّي داخل البلاد، حيث حاول البعض استغلال مواهبه الفنّية للبروز على المستوى العربي، ويبدو أن كلّ من دخل عالم المسابقات في برامج المواهب العربية استوعب أنه من المهمّ جدّا التعريف بالثقافة المحلية لتعزيز حضوره، ولعلّ أبرز مثال على ذلك الفنان مهدي عياشي الذي حاول من الوهلة الأولى الترويج للأغنية التونسية ربّما لكسر الروتين الذي طرأ على مسابقات المواهب التي انحسرت في الفن الشرقي”.

وأردفت المرزوقي “رغم ذلك فإن اعتقادي، راسخ بأن الشاب التونسي لا يبحث عن الترويج لثقافة بلاده، بقدر ما يبحث عن الشهرة التي تفتح أمامه أبواب النجاح والثروة”.

في المقابل اعتبر حسن السوداني المهتم بالشأن الفني أن الشباب الموهوب الذي يشارك في المسابقات العربية يطلبون الشهرة ولا علاقة لهم بالمسألة الثقافية المحلية البتة، وأوضح لـ”العرب” أن “مهدي عياشي أراد التفرد والنجاح الشخصي ونجح في ذلك عند إدراكه أن المخزون الغنائي الشرقي بات مكررا ومثل الطابع الغنائي التونسي الحل أمامه لإيجاد منفذ للوصول إلى الجماهير عبر طابع مختلف تميز به في تجاربه الغنائية بتونس”.

19