الشباب قوة فاعلة أم مهمّشة في العالم العربي

الملتقى العربي للإعلام الشبابي بداية واعدة في احتفالات تونس عاصمة للشباب العربي.
الأحد 2019/06/30
ابتسامة أمل تتطلع لمستقبل أفضل

لم يكن إطلاق فعاليات “تونس عاصمة للشباب العربي” مجرد احتفال بروتوكولي تقليدي خال من مبدأ إشراك الشباب في صنع القرار بعد التغييرات السياسية عام 2011. فالبلد الذي يعد فيه الشباب قوة محركة للسياسة والاقتصاد يريد وضع بصمته الخاصة عبر برامج تثقيفية وتوعوية مختلفة عن احتفالات عربية سابقة في هذا المجال.

“الشباب قوة فاعلة في بناء الوطن”، هذا الشعار الذي اتخذته تونس حين تسلّمت وزيرة شؤون الشباب والرياضة سنية بن الشيخ شارة “عاصمة الشباب العربي”، لتضع برامج وتخصّص فعاليات مختلفة سيشارك فيها أكثر من 840 شابا وشابة من البلدان العربية على مدار عام كامل.

وافتتحت تونس رسميا فعاليات عاصمة الشباب العربي في 21 يونيو الجاري بحفل رسمي حضره وزراء الشباب والرياضة العرب ودبلوماسيون وممثلون عن المنظمات الوطنية والمجتمع المدني.

وستعمل تونس ضمن فعالياتها المحلية والعربية والإقليمية التي ستحتضنها على مدار عام على ترسيخ مبدأ الشراكة مع الشباب الفاعل بهدف توعيته وتثقيفه إعلاميا واجتماعيا وسياسيا وضمان مشاركته الديمقراطية في صناعة القرار.

وستكون 24 محافظة تونسية مسرحا مهمّا لفعاليات ولقاءات محلية وعربية موسعة، إضافة إلى تنظيم منتدى الشباب العربي الأوروبي الذي يهدف، بحسب المنظمين، إلى اطّلاع الشباب العربي على مختلف التجارب وتبادل الخبرات والاستفادة المشتركة مع نظرائهم الأوروبيين في مجال السياسات الشبابية.

تبادل الخبرات

ترسيخ مبدأ الشراكة مع الشباب الفاعل
ترسيخ مبدأ الشراكة مع الشباب الفاعل

كانت مدينة الحمامات الساحلية التابعة لمحافظة نابل أولى المدن التونسية التي تحتفي بالشباب ضمن برنامج تونس عاصمة للشباب العربي، حيث احتضنت في الثامن عشر من يونيو الماضي وعلى مدار خمسة أيام فعاليات الملتقى العربي للإعلام الشبابي الذي شارك فيه نحو 120 شابا وشابة من 9 بلدان عربية.

وتنوّعت أشغال الملتقى بين التدريب والتعلم، إضافة إلى ورش عمل مختلفة حول “صحافة الموبايل” وإعلام القرب والتثبت من الأخبار الكاذبة والتربية على وسائل الإعلام والتعرف على طرق كتابة السرد القصصي التفاعلي.

أسامة عبدالله: القطيعة بين الجيل القديم والشباب جعلت الأخير لا يوصل مطالبه
أسامة عبدالله: القطيعة بين الجيل القديم والشباب جعلت الأخير لا يوصل مطالبه

وشارك شبان عرب من تونس وليبيا والمغرب وسلطنة عُمان وفلسطين والأردن ومصر واليمن والعراق في أشغال الملتقى.

ويرى المشاركون الذين التقت بهم “العرب” على هامش الملتقى أن الملتقيات الشبابية تعدّ فرصة لتبادل التجارب والخبرات بين الشباب في مجال الميديا الجديدة والمتطورة، والتي لعبت دورا أساسيا في الأحداث على الساحة العربية منذ عام 2011.

ويؤكد هؤلاء أن التوعية مطلوبة في ضوء التغييرات والتحديات التي تواجه الشباب اليوم بعد صعود تيارات متطرفة ووجود محاولات لاستغلال فئة الشباب لأدلجتها لبث الفوضى.

ويقول أسامة عبدالله، رئيس الوفد الشبابي الفلسطيني، إن “استهداف الشباب بنشاطات مهما كان شكلها وحجمها يعد مهمّا، وبغض النظر عن قيمة النتائج المتحققة”.

وتوقع عبدالله أن يكون هناك العديد من البرامج التي تهم الشباب وتعمل على صقل شخصياتهم ودمجهم في فعاليات المجتمع.

واعتبرت الناشطة الشبابية التونسية ملاك الهدار أن ملتقى الإعلام كان “فرصة جيدة لاكتساب مهارات جديدة وتبادل الثقافات والخبرات” بين المشاركين فيه من تسعة بلدان عربية.

ملاك الهدار: الشباب التونسي نشيط جدا وله دور فعال في المجتمع
ملاك الهدار: الشباب التونسي نشيط جدا وله دور فعال في المجتمع

وتقول ملاك في تصريح لـ”العرب” إن “الملتقى كان تجربة رائعة تعلّمت من خلاله الكثير وتعرفت على حضارات جديدة وكوّنت صداقات جديدة رائعة”، إضافة إلى تمكنها من التعلم والتدريب على تقنيات جديدة في صحافة الموبايل وكيفية صناعة الحدث.

ويعد الملتقى العربي للإعلام الشبابي بداية الانطلاقة الفعلية لاحتفاء تونس بالشباب العربي. ويتوقع تنظيم سبعة ملتقيات شبابية عربية في تونس حتى أبريل 2020 ستكون مضامينها متنوعة بين الفنون والرياضة والكشافة والسلامة على الطرقات.

ويرى الصحافي المصري إسلام العشري أن “الملتقى وأنشطته بشكل عام هو اختيار موفق وفرصة حقيقية للتكامل الفكري والثقافي والمعلوماتي” بين المشاركين، مشيرا إلى أنه تعلم الكثير من خلال الأنشطة المختلفة وأن أيام الملتقى “ستظل في أذهاننا بالخير”.

ووصفت الشابة الأردنية ريما نعيمات الملتقى العربي للإعلام الشبابي بأنه “لوحة عربية مميزة للشباب”، موضحة أن البرامج والأنشطة التي واكبت الملتقى “تلبي الطموح والأهداف من خلال تدريب الشباب على المونتاج والتصوير وكيفية التحقق من الأخبار الزائفة”.

صناعة الحدث

الملتقى العربي للإعلام يهدف إلى توعية الشباب وتدريبه وتمكينه من صناعة الحدث
الملتقى العربي للإعلام يهدف إلى توعية الشباب وتدريبه وتمكينه من صناعة الحدث

يقول كمال العربي، مدير عام الشباب في وزارة الشباب والرياضة التونسية، إن بلاده تؤمن بأن الرياضة يمكن أن تكون أداة لمواجهة بعض المظاهر خاصة مظاهر الإرهاب والتطرف. ويؤكد أن الملتقى العربي للإعلام يهدف إلى توعية الشباب وتدريبه وتمكينه من صناعة الحدث.

ولا يبدو أن الشباب العربي يثق بالمعلومات المتدفقة من الإعلام التقليدي الذي تسيطر عليه الحكومات، وذلك حسب استطلاعات حديثة للرأي. ووجدت الكثير من البلدان العربية من بينها تونس الأولوية لتوعية الشباب من مخاطر وسائل التواصل الاجتماعي.

ويقول الأكاديمي الفلسطيني أسامة عبدالله، إن القطيعة التي أحدثها الجيل الحديدي القديم بينه وبين جيل الشباب العربي جعلت الأخير يأخذ طريقا محاذيا عمّا هو مطلوب، مضيفا أن “النتيجة هي أن الشباب لا يصل ولا يوصل مطالبه للجهات الرسمية العليا”.

وأعرب عن أمنياته بأن تأخذ تونس بعين الاعتبار، خلال فعالياتها عاصمة للشباب العربي، هذا “الجيل الذي بات يشكل أكثر من ثلثي مكونات المجتمع العربي، والذي لديه الآن من الإمكانيات والقدرات الاتصالية الفعالة والمؤثرة، قبل أن يفوت الأوان والعودة إلى مربع (لو أننا فعلنا كذا لما كان هذا حالنا)”.

ريما نعيمات: الملتقى العربي للإعلام الشبابي لوحة عربية مميزة للشباب
ريما نعيمات: الملتقى العربي للإعلام الشبابي لوحة عربية مميزة للشباب

وركز الملتقى العربي للإعلام الشبابي في ندواته، التي أشرف عليها صحافيون وأكاديميون ونشطاء بالتعاون مع اتحاد إذاعات الدول العربية ومنظمات من المجتمع المدني، على ضرورة التعرّف على تقنيات التثبت من الأخبار الكاذبة والتربية على وسائل الإعلام وكيفية صناعة مادة صحافية بالهاتف المحمول.

وتقول ملاك الهدار إن الملتقى فتح المجال أمامها أكثر “لحب الإعلام والصحافة والتصوير والاتصال” بعد التعرف على تقنيات جديدة في الميديا التي تعد من المكتسبات في الحياة الإعلامية.

وملاك ناشطة شبابية من محافظة صفاقس التونسية وتنشط في مركز للشباب وتشارك في برامج إذاعية عبر إذاعة الإنترنت التي أطلقتها وزارة شؤون الشباب والرياضة التونسية بهدف “الاستثمار في التربية على وسائل الإعلام وتمكين الشباب من وسائل التعبير عن مشاغله والمساهمة في تغيير واقعه والمشاركة في التنمية”.

وتقول الوزارة التونسية إن مشروع تأسيس 100 إذاعة ويب في نهاية العام الجاري من البرامج المميزة التي تسعى من خلالها إلى تطوير مهارات الشباب الاتصالية ونشر ثقافة الإعلام المحلي.

ووضعت تونس خطة تنموية بدأت تنفيذها عام 2016 وتستمر إلى نهاية 2020، وتستهدف دعم حق الشباب في المشاركة بالحياة السياسية والشأن العام، وحماية الشباب من السلوكيات الخطيرة وإدماجه في الحياة المهنية والاجتماعية وتنمية قيم الاستقلالية وروح المؤسسة، إضافة إلى تطوير القدرات الإبداعية لدى الشباب.

وتستهدف الخطة المحلية التونسية إعداد إطار ملائم لتنشئة شباب منتج ومبدع يشارك بفاعلية في الحياة العامة ومسار التنمية، حيث تعتمد هذه الخطة بالأساس على مراكز شبابية منتشرة في مدن ومحافظات البلاد لتكون فضاءات داعمة للتمكين والابتكار.

لا تخفي تونس إصرارها على أن تكون سنة تسلمها شارة عاصمة الشباب العربي مختلفة كليّا عن فعاليات سابقة احتضنتها عواصم عربية أخرى. وتسعى جاهدة لأن تكون هذه السنة مميزة عبر التركيز على قضايا وفعاليات تهم الشباب العربي مباشرة آخذة بعين الاعتبار التغييرات الحاصلة في العالم العربي.

رؤية للمستقبل

إسلام العشري: الملتقيات مهمة لخلق لغة حوار جديدة بين الشباب وفرصة للتكامل الفكري والثقافي والمعلوماتي
إسلام العشري: الملتقيات مهمة لخلق لغة حوار جديدة بين الشباب وفرصة للتكامل الفكري والثقافي والمعلوماتي

يقول المسؤولون إن فعاليات تونس عاصمة للشباب العربي لا تقتصر فقط على العالم العربي بل ستكون مخصصة لكل محافظة تونسية بالتساوي من أجل خلق جيل شاب قادر على الإبداع والمشاركة في القرار.

ويؤكد إسلام العشري، الذي حصل في بلده على جوائز شبابية عدة في مجال الصحافة والإعلام، أن الشباب العربي يحتاج إلى التطوير وخلق مساحة من الحوار أمامه لتنمية فكره وإظهار أفضل ما لديه.

ويضيف أن “الملتقيات والندوات الشبابية مهمة لخلق لغة حوار جديدة بين الشباب، وذلك خلافا لما كان سائدا قديما من الاستسلام للبعد الثقافي أو الجغرافي الذي خلق الضغينة وعدم فهم الآخر”.

واعتبرت ريما نعيمات أن البرامج العربية التي تهتم بالشباب “تحقق المطلوب لأنها تطرح قضايا على مستوى عربي ومحلي تخص كل شاب عربي”.

ومن جهتها ترى ملاك الهدار أن ملتقى أو تظاهرة واحدة لا يمكن أن تحقق كل طموحات الشباب، مبدية تفاؤلها بأن نيل بلادها شرف عاصمة للشباب العربي “سيحفز الشباب على العطاء أكثر والالتحاق بالنوادي وممارسة الأنشطة المفيدة”.

وقالت إن “الشباب التونسي نشيط جدا وله دور فعال في المجتمع وهذا ما نستنتجه من الأرقام الهائلة التي تعكس اشتراك الشباب التونسي في نوادي الشباب والفضاءات الشبابية والرياضية”.

ويمثل الشباب الذي يتراوح سنه بين 15 و29 سنة، نسبة 24.5 بالمئة من العدد الإجمالي للسكان في تونس والأقل من 35 سنة نسبة 57 بالمئة ونسبة 38 بالمئة من عدد السكان في سن العمل، بحسب إحصائيات تونسية رسمية.

Thumbnail
19