الشباب والثورة المؤجلة في تونس

ومثلما أن الرئيس سعيد يريد طمأنة الداخل والخارج بشأن شرعية تأويله للفصل 80 وتبديد فكرة الانقلاب، فإن من أوكد واجباته أن يرسل إشارات طمأنة للشباب ليس بالتصريحات، ولكن ضمن خارطة الطريق التي ينوي تقديمها.
الأحد 2021/08/01
ولى زمن الوعود

بقطع النظر عن التوصيف القانوني والسياسي، فإن الإجراءات التي اتخذها الرئيس قيس سعيد بشأن تجميد البرلمان ورفع الحصانة عن النواب، وما قابلها من احتفاء كبير في الشارع، تظهر أن هناك خللا جوهريا حال في السنوات العشر الماضية من ثورة 2011 دون استقرار الأوضاع، وهو عنصر الشباب.

لم تكن ثورة 2011 ثورة سياسية ولا أيديولوجية، كانت ثورة شبابية بعمق اجتماعي بالدرجة الأولى. شباب المناطق الداخلية الذين تضرروا من خيارات اقتصادية محدودة هم من تظاهروا واعتصموا ليتطور الأمر لاحقا إلى سقوط نظام زين العابدين بن علي.

كان الشعار المركزي للتحرك الشعبي “الشغل استحقاق يا عصابة السرّاق”، والهدف هو الضغط من أجل أن تتولى الدولة توفير مواطن العمل. الأمر نفسه استمر بعد 2011 وتردد الشعار مع كل احتجاجات إلى حدود الخامس والعشرين من يوليو الأخير.

لم ينظر السياسيون، الذين ركبوا الاحتجاجات واستثمروها في الإمساك بالحكم، إلى الثورة في عمقها كثورة شبابية مطالبها تتمركز حول توفير مواطن العمل وتحسين شروط الحياة في المناطق الداخلية. لم يلتفتوا إلى الشباب سوى في محاولة استقطابهم ليكونوا واجهة لشعبية أحزابهم واستثمروا حيويتهم في الحملات الانتخابية.

وانفض الشباب عن الأحزاب منذ السنوات الأولى للثورة، وشهدت أحزاب مثل حركة النهضة انشقاقات في هياكلها الشبابية واستقالة عناصر فعالة بعضهم أبناء لقياديين بارزين مثل ابن علي العريض.

ويعود السبب الرئيسي في استقالة الشباب واتخاذهم موقفا عدائيا من الثورة التي تم اختطافها إلى أن الطبقة السياسية يمينها ويسارها سعت من خلال الحكم لتثبيت القيم السياسية التي سبق أن دافعت عنها خلال عقود، مثل القطيعة مع المنظومة القديمة عبر مجلس تأسيسي وحصر اهتمام البلاد في الانتخابات والانتقال من مرحلة انتقالية أولى وثانية إلى مرحلة عادية.

لم تكن هذه القيم تعني للشباب شيئا يذكر، فما يبحثون عنه من ديمقراطية وحرية للتعبير عن أنفسهم وفرتها وسائل التواصل الحديثة، ولا يحتاجون إلى هياكل ومنظمات وصراعات وضرب تحت الحزام من أجلها مثل ما تفعل الطبقة القديمة التي تواجه عصرا تكنولوجيا متطورا بآليات كلاسيكية صيغ أغلبها في زمن الحرب الباردة.

الشباب ينظرون إلى مصالحهم المباشرة، وراهنوا على أن الثورة ستكون في خدمتهم طالما أنهم هم من قادوها إلى حدود اللحظات الأخيرة قبل اختطافها. ودفعت صدمتهم في الثورة وفشل الأحزاب الحاكمة إلى ردات فعل مختلفة، فبعض الشباب استقطبته مجموعات إرهابية ناشطة في الجبال، والآخر التحق بمجموعات متشددة في ليبيا وسوريا، ومجموعات أخرى اختارت المغامرة بالهجرة السرية.

ومن بقي من الشباب ظل يتحين الفرص للانقلاب على منظومة سياسية فاشلة وفاسدة وعاجزة عن قيادة البلاد. وفي أول بارقة أمل مع ترشيح قيس سعيد للانتخابات الرئاسية ساهم هؤلاء الشباب في الحملة الانتخابية بقوة وحتى بعد فوز هذا المرشح بالرئاسة ظلوا يسندونه ويدعمونه من أجل الحصول على صلاحيات تخول تطبيق أفكاره التي كانت تدور حول خدمة الشباب.

ويوم الخامس والعشرين من يوليو الماضي خرج الشباب بمختلف مستوياتهم إلى الشارع رغم أن الدعوة إلى التظاهر شابها التردد والغموض، لكن الآلاف تظاهروا ورفعوا شعارات قوية تطالب بحل البرلمان وإسقاط المنظومة السابقة التي سرقت الثورة وحولتها إلى لعبة لمراكمة مكاسبها.

وسيكون التحدي الأول أمام قيس سعيد الذي استجمع كل الصلاحيات والسلطة تحت قبضته هو إعادة هذه الثورة إلى صانعيها، أي الشباب. وبالتأكيد، فإن هؤلاء الشباب لن يصبروا عشر سنوات أخرى من أجل الحصول على مكاسبهم.

لأجل هذا يحذر المراقبون من توسع مدة المرحلة الانتقالية، وخاصة من سيطرة البعد السياسي وتعقيداته على خطط الرئيس. ومثلما أن الرئيس سعيد يريد طمأنة الداخل والخارج بشأن شرعية تأويله للفصل 80 وتبديد فكرة الانقلاب، فإن من أوكد واجباته أن يرسل إشارات طمأنة للشباب ليس بالتصريحات، ولكن ضمن خارطة الطريق التي ينوي تقديمها.

ومثلما ستضم هذه الخطة عناصر واضحة بشأن إنهاء الحالة الاستثنائية سياسيا، فمن المؤمل أن تضع أفكارا واضحة بشأن التشغيل والانتدابات، والمشاريع المؤملة في المناطق المهمشة، وألا يكتفي الرئيس سعيد بإطلاق الوعود.

ومن المهم ألا يكرر الرئيس سعيد والعناصر التي ينوي الاعتماد عليها في المرحلة القادمة أخطاء الطبقة السياسية التي لا تنظر إلى التشغيل سوى بمنظار التوظيف في القطاع العام، وهو مسار فاشل لأنه يضاعف التكاليف على الدولة ولا يحقق أي استقرار اقتصادي.

القطاع العام لا يمكن أن يتحمل لوحده عبء أزمة التشغيل، ورأينا كيف أن انتداب مئات الآلاف من العاطلين في القطاع وكذلك الزيادات الكبيرة في الرواتب والعلاوات لم تحقق شيئا بل بالعكس ساهمت في ارتفاع كبير للأسعار، وظل الموظف في نفس الظروف المعيشية فيما تضاعفت الأعباء على الفئات المهمشة والفقيرة.

ويأتي تطويق أزمة البطالة من بوابة الاستثمارات في القطاعين العام والخاص. وبدلا من أن تأخذ الحكومات المتعاقبة قروض الصناديق المانحة لضخها في الميزانية وتوفير الرواتب المنتفخة وشراء السلم الاجتماعي، يفترض أن تعيد الحكومة الجديدة بكسر هذا النمط من البذخ والبحث عن دعم المشاريع في القطاعين العام والخاص التي تنشط اقتصاد البلاد وتعيد ثقة المستثمرين المحليين والأجانب فيه، وهو المناخ الذي سيقود إلى توفير مواطن العمل.

ولا شك أن رجال الأعمال التونسيين الذين عانوا خلال السنوات الماضية من غياب الاستقرار ومحدودية الأفكار الحكومية ومن الابتزاز الذي تضمنته مشاريع غامضة للمصالحة يمكن أن يلعبوا دورا رئيسيا في هذه المرحلة، وأن يساعدوا الدولة في إنقاذ الاقتصاد المتهاوي إذا وجدوا لديها رغبة قوية ورؤية واضحة لتنفيذ الإصلاحات.

لم تعد المرحلة في حاجة إلى أي تردد، فهناك ضغوط الشباب الباحثين عن مواطن العمل، وهناك ضوابط واضحة يضعها صندوق النقد الدولي لأجل تقديم الدعم المالي، وهناك مصالح رجال الأعمال ومخاوفهم وحساباتهم، والأمر لم يعد يحتمل أي تأخير.

5