الشباب والربيع العربي: بدايته أمل وآخره إحباط

الأربعاء 2015/04/29
عدد التونسيين المحبطين من الربيع العربي يتزايد

القاهرة – لم تكن نتيجة استطلاع مؤسسة “أصداء بيرسون – مارستيلر” البحثية مفاجئة حين كشفت أن إيمان الشباب العربي بالديمقراطية تراجع بنسبة كبيرة عما كانت عليه في العام 2011؛ ومردّ ذلك ممارسات تيارات الإسلام السياسي وتصاعد الحروب الأهلية والاقتتال الطائفي الذي انتشر في المنطقة العربية على أكتاف أجساد الشباب الذين دفعوا حياتهم ثمنا لتحقيق آمال الملايين، لكن النتيجة كانت في انتكاسة حقيقية قاتلة للآمال.

بدأت الحركات الثورية الشبابية السلمية التي اندلعت في 2011 تشهد انحسارا، وخفوت دورها في قيادة الاحتجاجات وتحريك الشارع العربي. وتوصّل استطلاع رأي لمؤسسة “أصداء بيرسون- مارستيلر”، وقدّم المركز الإقليمي للدراسات بالقاهرة قراءة لنتائجه، إلى أن الشباب العربي أصيب بالاحباط وفقد الثقة في التغيير.

لكن، الملفت للانتباه في هذه النتائج، أن الإحباط مردّه انتشار التنظيمات الإرهابية وممارسات تيارات الإسلام السياسي التي وصلت إلى السلطة في بعض الدول العربية. وكشف استطلاع “أصداء بيرسون- مارستيلر”، السنوي السابع لرأي الشباب العربي، النقاب عن “تحرر الشباب في العالم العربي من الوهم حول فرصة التغيير الديمقراطي في المنطقة، وذلك مع تحول فرحة الثورات العربية إلى خوف من التطرف الإسلامي العنيف”.

تراجع الثقة

يكشف الاستطلاع الذي نشرت نتائجه في 21 أبريل 2015، وأجرته مؤسسة “أصداء بيرسون – مارستيلر” بهدف رصد توجهات الشباب العربي في 16 دولة في المنطقة (دول مجلس التعاون الخليجي والجزائر، ومصر، والعراق، والأردن، ولبنان، وليبيا، والمغرب، وفلسطين، وتونس، واليمن)، من خلال 3500 مقابلة شخصية، في الفترة بين 20 يناير و12 فبراير 2015، أن حالة من الشعور بالإحباط والسلبية تهيمن على توجهات الشباب العربي إزاء إمكانية تحقيق التغيير الديمقراطي الذي بحثوا عنه عند خروجهم إلى الشوارع في مطلع 2011 وتحدّيهم لرصاص البوليس والعواقب الوخيمة لخطواتهم التي زلزلت الأرض تحت أقدام أعتى الأنظمة العربية.

الشباب اللبناني شديد القلق حيال تنظيم داعش وأعرب 77 بالمئة منهم عن عدم ثقتهم في قدرة حكومتهم على مواجهته

لكن النتيجة جاءت مخيّبة للآمال، حيث تراجع تأثير هذه الثورات، لا سيما مع انتشار أفكار التطرف وظهور أنماط جديدة من الإرهاب العابر للحدود. وينقل المركز الإقليمي عن نتائج الاستطلاع أن الشباب العربي لم يعد يثق في قدرة الثورات العربية على إحداث تغيير إيجابي، حيث عبر 38 بالمئة من الشباب المستطلعة أراؤهم عن ثقتهم في إحداث تغيير إيجابي في المنطقة، مقارنة بنسبة 72 بالمئة اعتبروا أنه يمكن تحقيق تغيير إيجابي في عام 2012.

وأعرب 41 بالمئة من المستطلعة أراؤهم عن اعتقادهم بأنهم سيكونون أفضل حالا في غضون 5 سنوات بعد الثورات العربية، مقارنة بنسبة 58 بالمئة عبروا عن الرأي ذاته خلال عام 2014، و74 بالمئة خلال عام 2013، و71 بالمئة خلال عام 2012.

وأكد 92 بالمئة من الشباب العربي في 2011 أن رغبتهم الكبرى هي العيش في ديمقراطية، وانخفضت هذه النسبة في عام 2012 إلى 41 بالمئة من العينة المستطلعة آراؤها التي قالت إن العقبة الأكبر التي تواجه الشرق الأوسط هي الافتقاد إلى الديمقراطية، لكن تلك النسبة انخفضت إلى 15 بالمئة بين العينة التي استطلعت آراؤها في استطلاع هذا العام 2015 من الشباب، حيث ترى نسبة 35 بالمئة منهم أن الديمقراطية لن تنجح في المنطقة.

ويعزى تراجع الثقة في الديمقراطية بهذه الوتيرة من قبل الشباب العربي، إلى عدد من الأسباب السياسية والاقتصادية، ففي الوقت الذي سادت فيه النظرة الإيجابية حول المستقبل بعد الثورات، جاءت السياقات والمآلات السياسية غير معبرة عن طموح الكثير من الشباب بعد الصعود المفاجئ لتيارات الإسلام السياسي في دول الثورات العربية والدول المجاورة، وانتهاجها الممارسات الدكتاتورية ذاتها، خاصة في ما يتعلق بمحاولاتها الانفراد بالسلطة.

ماذا يريد الشباب العربي
ما هي هواجس الشباب العربي؟

جاءت المخاوف من تهديدات تنظيم داعش في صدارة الهواجس لدى الشباب العربي، يليها القلق من البطالة والأزمات الاقتصادية التي تمنع تحقيق أحلام الكثيرين وتعيق تقدّمهم في حياتهم.

كيف يتم التعامل مع مسألة البطالة؟

عندما طلب من المشاركين التعليق على مدى قلقهم حيال مسألة البطالة، أجاب 81 بالمئة من الشباب بكلمة “قلق”، فيما أعرب 39 بالمئة عن التطلع إلى إطلاق مشاريعهم الخاصة، وسجّلت أعلى نسبة من الشباب الذين يفكرون في إطلاق عمل تجاري خاص بهم في المغرب بـ 62 بالمئة.

هل يمكن أن تتحقق الديمقراطية يوما؟

39 في المئة من المستطلعين قالوا إن الديمقراطية لن تنجح أبدا في المنطقة، و36 بالمئة قالوا إنها قد تلقى نجاحا، فيما اختار 25 بالمئة مربع الحيرة وقالوا إنهم غير متأكدين من رأيهم.

أين يفضل الشباب العرب العيش؟

الإجابة الأولى كانت دولة الإمارت العربية المتحدة، حيث اختارها 22 بالمئة من الشباب المستطلعة أراؤهم ويرغبون في أن تحذو بلادهم حذوها كنموذج للنمو والتطور، فيما فضّل 15 بالمئة منهم الولايات المتحدة و11 بالمئة ألمانيا و10 بالمئة كندا.

كيف ينظر الشباب العربي إلى المستقبل؟

أبدى الشباب العربي المشارك في الاستطلاع تفاؤلا حذرا بالمستقبل بالرغم من التحديات التي تواجهها المنطقة، ويرى 57 بالمئة منهم أن بلادهم “تسير في الاتجاه الصحيح”.

وأدى هذا الأمر إلى تحول هذه الثورات الشعبية إلى انتفاضات وموجات أخرى من الثورات ضد الأحزاب الإسلامية التي تزامن مع صعودها ظهور الجماعات المتطرفة من جديد، في دول مثل مصر والعراق وسوريا وليبيا وتونس، فضلا عن تزايد وتيرة الصراعات الطائفية في عدد من الدول، إلى جانب تردي أوضاع اقتصاديات المنطقة نظرا إلى غياب الأمن وهروب رؤوس الأموال، وضعف الاستثمارات الخارجية، وارتفاع مستويات التضخم والبطالة.

داعش أكبر تهديدات المنطقة

يأتي ظهور تنظيم داعش وتزايد نفوذه في سوريا والعراق وامتداده إلى ليبيا وظهور جماعات موالية له في بعض الدول الأخرى في صدارة التحديات الكبرى التي تواجهها المنطقة، وفق الكثير من المستطلعة آراؤهم، حيث عبر 73 بالمئة من المشاركين عن تخوفهم من تمدد داعش، فيما اعتبره 37 بالمئة من المستطلعة أراؤهم، العقبة الكبرى التي تواجه أمن المنطقة واستقرارها. وقال 32 بالمئة إن التهديد الرئيسي للمنطقة هو الإرهاب عموما، أما تهديد إيران النووي فقد جاءت نسبته 8 بالمئة.

ويرصد تقرير المعهد الإقليمي للدراسات تباينا أظهره الاستطلاع، الذي شمل شبانا وشابات عربا ينتمون إلى الفئة العمرية بين 18 و24 عاما، في توجهات المشاركين إزاء قدرة بلدانهم على مواجهة تنظيم داعش، فعلى سبيل المثال، أبدى 53 بالمئة من المشاركين في دول شمال أفريقيا ثقتهم في قدرة حكوماتهم على مواجهة هذا التنظيم المتشدّد، في مقابل 25 بالمئة في دول الشرق الأوسط.

ويمكن تفسير هذا التباين بوضعه في سياق التطورات التي طرأت على الساحة الإقليمية، حيث انتشر التنظيم في دول عديدة بالمنطقة، خاصة في ليبيا، التي نفذ فيها بعض عمليات القتل التي استهدفت مصريين ومواطني دول عربية أخرى وإثيوبيين، كما قام بتنفيذ عملية إرهابية في متحف باردوا في تونس في 18 مارس 2015، وهو ما أسفر عن مقتل أكثر من 21 سائحا، بالتزامن مع تمدده في كل من العراق وسوريا.

ويعتبر الشباب اللبناني الأكثر قلقا بين أقرانهم؛ حيث قال 77 بالمئة منهم إنهم “لا يثقون في قدرة حكومتهم على مواجهة ازدياد نفوذ تنظيم داعش، وتلاهم في ذلك الشباب الليبي بنسبة 63 بالمئة ومن ثم الشباب العراقي بنسبة 56 بالمئة. وبالمقابل يبدو أن معظم الشباب الخليجي لديه ثقة أكبر في حكوماتهم في تعاملها مع التنظيم.

ويعزى هذا القلق إلى الانتشار السريع الذي حققه تنظيم داعش وتأثيره الواضح في أنحاء العالم من خلال استخدامه وسائل التواصل الاجتماعي، والضرب في قلب العالم العربي، والاستحواذ على مناطق نفوذ واسعة في سوريا والعراق.

أولوية اقتصادية

لم يكن من المفاجئ أن تحتلّ الأوضاع الاقتصادية والبطالة، بالتحديد، صدارة اهتمامات الشباب في المنطقة، فقد كانت من أهم الأسباب التي دفعتهم إلى الخروج إلى الشوارع ضدّ أنظمة بلادهم.

وقد أشارت منظمة العمل العربية إلى أن الأحداث المتسارعة التي شهدتها الدول العربية خلال عام 2014 انعكست على مستويات البطالة والتشغيل بشكل سلبي، حيث سجل معدل البطالة ارتفاعا بلغ أكثر من 16 بالمئة، واقترب عدد العاطلين عن العمل من 20 مليون عاطل، وهو ما انعكس في نتائج الاستطلاع التي كشفت أن 81 بالمئة من الشباب العربي قلق بشأن معدلات البطالة المرتفعة.

ويكشف الاستطلاع أن الثلث فقط من خارج منطقة الخليج العربي يعتقدون أن حكوماتهم ستكون قادرة على التعامل مع البطالة، في حين أن ثلثي المستطلعين من دول الخليج لديهم الثقة في قدرة زعمائهم في توفير فرص العمل. وتتوافق نتائج الاستطلاع في هذا القسم الخاص بالبطالة بين صفوف الشباب العربي، مع نتائج التقرير الاقتصادي العربي الموحد السنوي الصادر عن صندوق النقد العربي في عدده الرابع والثلاثين لعام 2014.

ويكشف هذا التقرير أن معدلات نمو اقتصادات الدول العربية تعاني تراجعا بالمقارنة مع معدلات نمو مجموعة الدول النامية والأسواق الناشئة، حيث سجل الناتج المحلي الإجمالي في الدول العربية بالأسعار الثابتة نسبة نمو وصلت إلى 4.2 بالمئة خلال عام 2013 الذي شمله التقرير، وهو معدل أقل من النمو المسجل على مستوى الدول النامية والأسواق الناشئة والذي بلغ 4.7 بالمئة خلال العام نفسه. وهي مؤشرات مرشحة للاستمرار في ظل تصاعد حدة الصراعات الداخلية وتزايد نشاط التنظيمات الإرهابية.

ويتطلّع اثنان من كل خمسة شباب عرب لبدء مشاريعهم الخاصة على مدى السنوات الخمس المقبلة، وسجّلت أعلى نسبة من الشباب الذين يفكرون في إطلاق عمل تجاري خاص بهم في المغرب بـ 62 بالمئة، بينما بلغت النسبة أدناها في العراق بنحو 13 بالمئة فقط. لكن على المدى الطويل، لايزال 2 من كل 3 مشاركين في الاستطلاع (67 بالمئة) يؤمنون بأن أفضل أيامهم تنتظرهم في المستقبل، بينما يعتقد 26 بالمئة فقط بأن أفضل أيامهم أصبحت من الماضي.

7