الشبحية.. حالة انفصال إلكترونية لإنهاء العلاقة مع الشريك

انسحاب الشريك بصورة مفاجئة يجعله شخصا غير موثوق، وأصحاب الشخصية النرجسية يميلون إلى استخدام أسلوب التخفي.
الأربعاء 2018/03/14
تحول شريك العلاقة إلى مجرد طيف

في السنوات الأخيرة، حاول علماء الاجتماع والنفس استخدام اصطلاح يقدم وصفا دقيقا لحالة الانفصال الإلكترونية عن طريق تجاهل رسائل الهاتف ومكالماته إضافة إلى رسائل الاتصال في مواقع التواصل الاجتماعي، واختفاء الشريك العاطفي عن شريكته، والعكس صحيح، بصورة مفاجئة خلف أسلاك شبكة الاتصالات الرقمية هذه، فلم يجدوا أنسب من عبارة “الشبحية”؛ حيث يتحول شريك العلاقة إلى مجرد طيف، ظل أو شبح يتوارى بعيدا عن الآخر وكأنه لم يكن.

ولكن، ما مدى شيوع هذه الظاهرة وكيف يشعر الناس حيال ذلك وما هو صاحب الشخصية الأكثر ميلا لتبني هذا الخيار؟

يستكشف بحث جديد، نشر في مجلة “العلاقات الاجتماعية والشخصية” الأميركية، هذه التساؤلات، حيث اشتق النتائج من مضمون دراستين استقصائيتين أجريتا على الإنترنت وعلى نطاق واسع، من خلال عينة لبالغين أميركيين من الجنسين، وقد شارك في الدراسة الأولى 554 شخصا وفي الثانية 747 مشاركا، وأشار 25 بالمئة من المشاركين في كلتا الدراستين إلى أنهم تعرضوا لموقف مشابه من قبل شريك سابق، في حين أشار 20 بالمئة من أفراد العينة إلى أنهم لعبوا دور الشبح في علاقة سابقة أي أنهم تواروا عن شريك في علاقة رومانسية سابقة باستخدام طريقة الطيف أو الظل أو الشبح.

كما أشارت نتائج إحدى الدراستين إلى أن طريقة الشبحية تم استخدامها أيضا في علاقات الصداقة العادية حتى ضمن الصداقات بين أفراد الجنس الواحد، وكان 32 بالمئة من أفراد العينة قد خدعوا صديقا أو أكثر بطريقة الاختفاء هذه، في الوقت الذي تعرض البعض الآخر إلى الخديعة من قبل أصدقائهم وكانت نسبتهم 38 بالمئة من مجموع المشاركين في الدراسة.

 

ببساطة، يمكن لأي من طرفي العلاقة العاطفية وإثر أقل خلاف، قطع جميع خطوط العودة وختم أبواب التصالح والتسامح بالشمع الأحمر، وكل ما يتعين على أحدهما فعله هو الاستعانة بقنوات التقنية المتشعبة وتفرعاتها العنكبوتية لاستخدامها في إبلاغ الطرف الثاني في العلاقة بأن الأمر انتهى؛ فلا مزيد من الرسائل النصية على الهاتف، ولا مزيد من التواصل على أي من مواقع التواصل الاجتماعي، ولا مزيد من تبادل الحوارات اليومية السخيفة عن طريق تطبيقات الهاتف النقّال. أصبح مجرّد قطع الاتصال مع الشريك بواسطة هذه التقنيات الشبكية، إشارة كافية لنهاية العلاقة، حتى إذا كانت من طرف واحد، وهي في الغالب هكذا.

وتعقيبا على نتائج الدراسة، ترى الدكتورة غويندولاين سيدمان؛ أستاذة علم النفس الاجتماعي في جامعة نيويورك الأميركية، أن طريقة الشبحية ليست هي الطريقة المناسبة لإنهاء العلاقة، ومع ذلك فهي تعتمد على طبيعة العلاقة؛ فقد وجد 19 بالمئة من أفراد العينة بأن هذه الطريقة تبدو مناسبة لإنهاء أي علاقة رومانسية إذا كانت في بدايتها، في الوقت الذي أكد فيه 4 بالمئة فقط منهم أن طريقة التخفي هي أسلوب لا بأس به لإنهاء علاقة حتى وإن كانت طويلة الأمد.

ومع ذلك، فإن أغلب المشاركين، حوالي 70 بالمئة، أكدوا على أن معرفة شخص سبق له وأن تعامل بهذه الطريقة مع شريك رومانسي، يجعلهم ينظرون إليه باعتباره شخصا غير موثوق، وفي العموم، فإن قطع الاتصال كوسيلة لإنهاء علاقة مع الآخر ما هو إلا أحد الطرق غير المحبذة حتى إذا كانت مجرّد علاقة صداقة.

أما في ما يتعلق بالأشخاص الأكثر ميلا لاستخدام هذا الأسلوب، فهم من المرجح ممن يعتقدون بتأثير القدر وما هو مهيّأ مسبقا لحياة الناس وأقدارهم؛ القدر الذي يرسم النهايات بصرف النظر عن أدوارنا في صنعها، بمعنى أن العلاقات أيا كانت طبيعتها يحكمها قرار مسبّق ومقدّر ولا يد لنا في تغييره، فإذا كان مقدرا لنا أن نستمر كان قبولنا بها، وإذا لم يكن فليس في وسعنا منع ما لا بدّ من وقوعه. لهذا، فإن هؤلاء هم من يفضلون في الغالب استخدام أسلوب قطع العلاقة بطريقة الشبحية؛ حيث يفرّون من الشريك عند أول عقبة تعترض علاقتهم، إيمانا منهم بأن المحاولة الثانية هي تضييع للوقت لا أكثر في علاقة محكوم عليها بالفشل المسبق.

في حين يرجح بعض الناس أن العلاقة بين اثنين هي علاقة تفاعلية وقابلة للنمو؛ بمعنى أنها تحتاج إلى وقت وعمل مشترك وصادق بين الجانبين لإنجاحها، مع مراعاة الظروف المحيطة والعوامل المثبطة فهي من وجهة نظرهم مجرد عوائق طبيعية، لا يمكنها أن تؤثر في العلاقة سلبا إلا في وقت ومسار محددين يمكن بعد ذلك أن يتم استئناف السير الطبيعي للأمور، وهذا النوع هم من الأشخاص الذين لا يحبذون بالطبع استخدام الطريقة الشبحية الصادمة في إنهاء علاقاتهم مع الناس، حيث ينظرون للأمور بحكمة وترو أكثر. ومع ذلك، لا يستطيع هذا البحث أن يحدد مدى شيوع الظاهرة أو طبيعة تمثيل عينة البحث لأفراد المجتمع عموما، ومن المحتمل أن المشاركين في الدراسة لم يذكروا بدقة ما حدث معهم في الماضي، وما هي دوافعهم لاتخاذ هذا الإجراء مع شركائهم.

قطع الاتصال كوسيلة لإنهاء العلاقة  مع الآخر ما هو أحد الطرق غير المحبذة حتى إذا كانت مجرد علاقة صداقة

إضافة إلى أن النتائج لم توضح ما إذا كانت ظاهرة شيوع الشبحية كانت بسبب تداول وسائل التواصل الاجتماعي وتأثيرها المتعاظم في حياة الناس الشخصية، أم أنها مجرد وسيلة سهلة وسريعة للتعبير عن طبيعة الشرخ الاجتماعي في ما يتعلق بالعلاقات والتي تسببت فيها التقنية الحديثة بشكل أو بآخر؛ إذ أن عددا كبيرا من العلاقات صار يقوم عن طريق وسيلة تعارف أو أكثر عبر الإنترنت وما قد يصاحب هذا من عدم جدية واستسهال، الأمر الذي يوفر مساحة كبيرة للغش وبناء علاقات هشة غير متكاملة وتفتقد لعنصر الثقة بين الطرفين، فيكون إنهاؤها بالطريقة ذاتها التي بدأت بها.

من جانبها، ترى تارا جي. كولينز؛ أستاذ مساعد في علم النفس من جامعة وينثروب في ولاية ساوث كارولينا الأميركية، أن الأبحاث السابقة أثبتت أن أولئك الذين يشعرون بعدم الأمان في علاقاتهم العاطفية، أكثر ميلا للشعور بمشاعر سلبية أقوى أثناء النزاع مع شركائهم ويواجهون توترا نفسيا أكبر من غيرهم أثناء هذا النزاع، لهذا، من المحتمل أن يكون هؤلاء أكثر ميلا لتبني خيار الشبحية لإنهاء علاقاتهم مع الشريك كطريقة تبدو أكثر سهولة وأمان لتجنب المواجهة والصراع وتبعاته النفسية.

ويبدو هذا السلوك وصفا مناسبا لأصحاب الشخصية النرجسية الذين يميلون إلى عدم التعاطف مع شركائهم، في سبيل ضمان سلامهم الداخلي، حتى إذا كان هذا يحدث على حساب الآخرين.

21