الشبكات البيولوجية تفك أسرار مجد فريق برشلونة

استخدام علم الشبكات البيولوجية لدراسة الرياضة من خلال تجميع البيانات وتحليلها يعد أسلوبا حديثا.
الاثنين 2019/10/21
أسلوب حديث في دراسة الرياضة

مدريد - يثير المجد الذي حققه نادي برشلونة لكرة القدم في عهد بيب غوارديولا فضول جمهور هذه الرياضة وهو ما جعل الباحثين يطوعون التكنولوجيا لفك شيفرات تألق برشلونة وتحقيق نتائج لم يسبقه لها أي فريق آخر بالاعتماد على علم الشبكات البيولوجية الذي وظفوه لتجميع البيانات وتحليلها ومقارنتها بأداء النادي الإسباني خلال المباريات بأداء فرق كرة قدم أخرى، وفق ما ذكره موقع “تكنولوجي ريفيو” المتخصص في المواضيع التقنية.

ويعتبر موسما 2010-2009 فترة ذهبية في تاريخ نادي برشلونة، إذ اكتسب عن جدارة لقب الفريق الكروي الأفضل على مستوى العالم بعد فوزه في الموسم الأول بثلاث بطولات وهي الدوري الإسباني، وكأس ملك إسبانيا، ودوري أبطال أوروبا لتتواصل نجاحاته في الموسم التالي بفوزه بكأس السوبر الإسباني وكأس السوبر الأوروبي وكأس العالم للأندية ليصل رصيده إلى 6 ألقاب في 6 مسابقات خلال موسمين.

ولم ينجح أي فريق قبل برشلونة في جمع هذا العدد من الجوائز في مثل هذه الفترة القصيرة. وتلك الإنجازات التاريخية كانت تحت إدارة غوارديولا في أول موسم له مع النادي.

واتبع الفريق في مبارياته أسلوبا فريدا، وظهرت منافع استراتيجياته في الجوائز التي حصدها. ركّز فريق برشلونة على إبقاء الكرة في حيازته، وكانت تمريرات اللاعبين سريعة وقصيرة، ومحاصرة الخصم فور افتكاكه للكرة. وتعرف هذه الطريقة باسم “تيكي تاكا” وهو ما يعني “كرة القدم الشاملة”، وكان برشلونة من أكثر الفرق التي أبرزت فعاليتها.

وفيما يمكن وصف الاستراتيجية بعبارات عامة، يهتم المحللون في المجال الرياضي بتصويرها عبر البيانات التي يتم جمعها روتينيا.

وفقا للمقاييس التقليدية، تفوق برشلونة على منافسيه من حيث عدد الأهداف والتمريرات الناجحة والتسديدات. لكن هذه المقاييس لا تجسد أسلوب اللعب. لذلك، يحاول المحللون الرياضيون أن يجدوا طريقة لتحديد فارق اللعب الكبير بين برشلونة والفرق الأخرى.

وعمل الباحث بمختبر الشبكات البيولوجية بجامعة الملك خوان كارلوس في إسبانيا، خافيير بولدو، مع عدد من زملائه على تحليل أسلوب برشلونة.

وقال بولدو “نجمع بين مقاييس مختلفة للشبكة لاستخراج الطريقة التي اتبعها فريق برشلونة الذي دربه غوارديولا، والذي اعتبر من أفضل الفرق في تاريخ كرة القدم”.

ويعدّ استخدام علم الشبكات البيولوجية لدراسة الرياضة بهذه الطريقة أسلوبا حديثا. وتكمن الفكرة في تمثيل كل لاعب في الفريق كعقدة ووضع خط يربط بين اللاعبين كلما مرروا الكرة بينهم. وكلما زاد عدد التمريرات، أصبح الارتباط أقوى. كما تتضمن البيانات موضع كل لاعب عند تمرير الكرة منه وإليه. في نهاية اللعبة، تصبح الشبكة سجلا قويا يبرز التمريرات بين اللاعبين والطريقة التي اعتمدها الفريق في المباراة.

لكن الأمر يتجاوز مجرد وضع شبكة لفهم طرق لعب الرياضيين: لقد وظّف الباحثون في تخصصات مختلفة علم الشبكات لدراسة الإنترنت، وانتشار الأمراض، وحرائق الغابات، وحتى الحروب. ويمكن لعلماء الرياضة استخدام هذه الأدوات لتحليل شبكة الفريق وأهم العقد داخلها.

التكنولوجيا تمثل كل لاعب في الفريق كعقدة ويوضع خط يربط بين اللاعبين كلما مرروا الكرة بينهم وكلما زاد عدد التمريرات أصبح الارتباط أقوى. كما تتضمن البيانات موضع كل لاعب عند تمرير الكرة منه وإليه

عمل باحثون آخرون بالفعل على تطبيق هذا النهج لتحليل مباريات كرة القدم. ووجدوا أن الشبكات تشكل “عوالم صغيرة”. وبدا البعض من اللاعبين أكثر “مركزية” من غيرهم (بمعنى آخر، زاد احتمال تمرير الكرة منهم وإليهم). وبرزت أنماط اللعب الشائعة مثل إبقاء الكرة بين ثلاثة لاعبين يشكلون مثلثا على الشبكة.

وطور بولدو وزملاؤه هذا النهج. وبدلا من النظر إلى الشبكات منعزلة، عملوا على تحليل الطريقة التي تتغير بها مع كل مباراة. وحققوا هدفهم عن طريق إنشاء الشبكة التي تظهر التمريرات الخمسين الأولى ثم مقارنتها مع شبكات مماثلة لإبراز نقاط الاختلاف التي تظهر مع كل لعبة. وسجّلت التغييرات مع تقدم المباراة لتشمل بيانات التمريرات الأخرى. ويعطي هذا نظرة تبرز تغير طريقة اللعب على طول المباراة.

وبدأ الباحثون في إنشاء شبكات تظهر تحركات الفريقين في كل مباراة من موسم 2010-2009 خلال الدوري الإسباني لكرة القدم. ووصل عدد المباريات المدروسة إلى 380 بين 20 فريقا في الدرجة الأولى من الدوري الأسباني. وعملوا على تحليل عدد من الشبكات الموضوعة لكل فريق. وتضمنت هذه الطرق “معامل التجميع”، التي أبرزت مدى انتقال الكرة بين ثلاثة لاعبين. وكانت النسبة أعلى في برشلونة مقارنة بالفرق الأخرى. كما سجل هذا الفريق أقصر مسافة تمر بها الكرة بين أفراد الفريق.

وينظر بولدو وزملاؤه إلى كيفية تطور الشبكة مع مرور الوقت باستخدام البيانات التي تظهر كل 50 تمريرة في المباراة.

وقال الباحث “تمكنا من تحديد المعايير التي تعزز من احتمال تسجيل هدف. وتدل بياناتنا على اختلاف الاستراتيجيات بين الفرق. وأبرزنا نقاط اختلاف برشلونة عن الباقين”. كما يكشف هذا البحث عن كيفية تغير النقطة المركزية للفريق مع تقدم المباراة. وفقا لهذا المقياس، بدت برشلونة أكثر استقرارا من الفرق الأخرى.

وتقيس نسبة التقدّم مدى احتمال انتقال الفريق إلى الأمام أو الخلف أو أفقيا عبر الملعب. ومرة أخرى، برز اختلاف برشلونة، حيث كانت تمريراته الأفقية أكثر من أي فريق آخر. ويعكس هذا استراتيجية الفريق الإسباني المتمثلة في تمرير الكرة عبر الملعب بحثا عن فرصة للهجوم. وسجّل تشافي هيرنانديز أعلى مركزية في المباريات. ويعرف بأنه من أحد أفضل لاعبي خط الوسط في تاريخ كرة القدم.

لكن التحليل كشف عن بعض نقاط الضعف أيضا. ويزداد احتمال أن يتنازل برشلونة عن هدف عندما يزداد تشتت اللاعبين عن نقطة الفريق المركزية، أي عندما ينتشر اللاعبون. ويشير هذا إلى نقطة ضعف يمكن أن تحاول الفرق الأخرى استغلالها. فمن جهة أخرى، لا تلعب الفرق الأخرى بنفس الطريقة. على سبيل المثال، من المرجح أن يسجل نادي فالنسيا هدفا عندما يزداد تشتت لاعبيه.

ويبقى البحث طريقة رائعة كشفت عن العديد من الاستراتيجيات التي حققت مجدا لبرشلونة.

بالطبع، لا يعدّ هذا التحليل عصا سحرية يمكن أن تستخدمها الفرق الأخرى لنسخ نجاح برشلونة، إذ يختلف تحديد أنماط اللعب وفهمها عن نسخها على أرض الملعب.

ويبقى أسلوب لعب برشلونة نتيجة لبرنامج تدريبي امتد عبر جميع لاعبي النادي. وتصل هذه الاستراتيجيات إلى لا ماسيا، وهي أكاديمية تشرف على تدريب لاعبي نادي برشلونة الشباب. في الواقع، جاء سبعة من اللاعبين العشرة الذين لعبوا أكثر من ألف دقيقة خلال الموسم الذي ركزت عليه الدراسة من أكاديمية الشباب.

سيستغرق تكرار هذا النهج في أي مكان آخر وقتا طويلا واستثمارا هائلا. لكن، يبدو غوارديولا مصمما على ذلك في ناديه الحالي، مانشستر سيتي، الذي برز في الدوري الإنكليزي الممتاز لعدة مواسم. وسيمثل تحديد هؤلاء الباحثين لهذا النمط في مانشستر سيتي أمرا مثيرا للاهتمام.

وتوجد الكثير من الطرق التي قد تساعد على تطوير دراسة المباريات. إذ يمكن النظر إلى كيفية تأثير اللاعبين الفرديين على الألعاب، وفي كيفية تأثير تغير موقعهم على أدائهم، وما إلى ذلك.

ولا تعدّ كرة القدم المجال الوحيد الذي يمكن أن يستفيد من تطوير هذا النهج، إذ يمكن تطبيقه على أي رياضة جماعية. وتؤكّد هذه الميزة المستقبل المشرق الذي ينتظر علم الشبكات في التحليل الرياضي.

12