الشتاء القارس يجمع الدمشقيين على أكداس ملابس "البالة"

الثلاثاء 2017/10/31
تخفيضات على مدى العام

دمشق - رغم التوقعات من قبل الأرصاد الجوية بأن يكون شتاء سوريا دافئا هذا العام، إلا أن السوريين يعرفون جيدا شتاءهم القارس والذي تزيد ضيق ذات اليد من شدة برودته، خاصة في ظل تواصل الأزمة الأمنية التي تعيشها البلاد منذ سنوات.

وفي دمشق ارتفعت أسعار الحطب والمواد المستخدمة في التدفئة ارتفاعا كبيرا، حيث وصل كيلو الحطب إلى أكثر من 300 ليرة سورية، تزامنا مع الارتفاع الكبير في أسعار المحروقات كالبنزين والمازوت.

هذا إلى جانب ارتفاع أسعار الملابس والأحذية ارتفاعا جنونيا، فقد وصل سعر الجاكيت إلى ما يقارب 30 ألف ليرة سورية، والكنزة إلى 12 ألف ليرة وما فوق، أما الكنزة القطنية، وبعد التنزيلات وصلت إلى 5 آلاف ليرة، وتجاوزت أسعار الأحذية سعر 35 ألف ليرة، أي ما يفوق راتب الموظف السوري.

أبوماجد، له أربعة أطفال، ولا يملك من المال ما يكفي لكساء أطفاله، لذلك اختار أن يقنع أطفاله بتوريث ملابسهم لبعضهم، فأعطى ملابس الطفل الكبير للذي أصغر منه وهكذا، الحقيقة كما يقول إن أطفاله لم يقتنعوا باختياره لكنهم يعرفون جيدا أن والدهم لا يملك ثمن الملابس حتى من البالة التي ارتفعت أسعارها هي الأخرى بفعل تزايد الطلب عليها.

أما ماجد فقد بقي دون ملابس للشتاء، لذلك يفكر والده أن يذهب إلى سوق البالة لعله يجد بعض الألبسة الشتوية المناسبة في السعر ولا تهم الجودة. ويعزو البعض من التجار ارتفاع أسعار الملابس الجديدة إلى غلاء الدولار، وغلاء اليد العاملة، وخروج مصانع الألبسة في المناطق الساخنة عن العمل، وخاصة في حلب، والتي كانت مصدرا مهماً لتغذية أسواق دمشق بالملابس، إضافةً إلى هروب العديد من أصحاب المعامل إلى الخارج بسبب الفوضى الأمنية التي تعيشها البلاد.

هذه الأسعار دفعت العائلات السورية إلى البحث عن البديل لكي يحموا أطفالهم من برد قارس وظروف أكثر قسوة، فاتجهوا إلى سوق البالة التي تنتشر في منطقة الاطفائية بدمشق ومنطقة الدويلعة وباب شرقي والقصاع ومساكن برزة وجرمانا وغيرها، وتنتشر البسطات والمحلات بشكل يومي في العاصمة نظرا إلى الإقبال الشديد عليها.

الميسورون في دمشق وخاصة من فئة الشباب يأتون إلى سوق البالة يبحثون عن ألبسة وأحذية لا تتوفر إلا في سوق البالة

تقول أم أحمد التي ذهبت إلى سوق الاطفائية المجاور لمسكنها لتشتري البعض من الملابس لطفلها ولزوجها، إنها كانت لا ترضى أن تشتري إلا الملابس الجديدة، لكن الظروف المادية صارت صعبة بعد أن أصبح زوجها عاطلا عن العمل وليس لها إلا راتبها من وظيفتها الذي لا يكفي لإطعام العائلة، لذلك لجأت إلى البالة بحثا عن البعض من الملابس لمقاومة الشتاء القادم.

الفقراء يقصدون سوق البالة منذ سنوات، ليس فقط في الشتاء، بل في كل المواسم، وحتى في المناسبات والأعياد بعد أن كبّل العوز أيديهم.

في أكداس البالة وبعد رحلة بحث شاقة يستطيعون شراء بنطلون بثلث قيمة الجديد وحذاء بنصف القيمة، وفي غالب الأحيان يصطدمون بارتفاع ثمن الملابس المستعملة في فصل الشتاء وخاصة المعاطف والأحذية.

ورغم ذلك تبقى ملابس البالة أرحم من الملابس الجديدة التي ارتفعت بنسبة 300 بالمئة، كما يقول أبورائد الذي يؤكد أنه لجأ إلى البالة منذ أن ارتفعت أسعار الملابس الجديدة ارتفاعا جنونيا، “صرت ألجأ إلى ملابس البالة وأحيانا لا أستطيع شراء الجيد منها لارتفاع أسعارها لأن البعض من ميسوري الحال يأتون بحثا عن ملابس الموضة، ويدفعون دون أن يناقشوا الأسعار، وصرنا بذلك نحن الفقراء لا نقوى إلا على شراء الملابس البالية من سوق البالة”.

الميسورون في دمشق وخاصة من فئة الشباب يأتون إلى سوق البالة يبحثون عن ألبسة وأحذية لا تتوفر إلا في سوق البالة، وهي ألبسة من صناعة أوروبية وماركات عالمية معروفة غير متوفرة في سوريا، فيختارون الأحذية الجلدية الأصلية والطبية غير المقلدة، ويشترون الحقائب الجلدية والمعاطف الصوفية ويدفعون ما يطلبه التاجر دون نقاش في السعر.

تقول الطالبة سلمى، إنها تأتي إلى سوق البالة باستمرار بحثا عن ملابس لا تتوفر في المحلات التي تبيع الألبسة الجديدة بعد أن توقّف الاستيراد منذ سنوات، في أسواق البالة تختار ما يروق لها من الملابس التي تتماشى مع الموضة، ونضطر في كثير من الأحيان أن تبحث في الأكداس بحثا عن قطعة لا يعرف التاجر قيمتها، فلم يضعها جانبا أو علقها رافعا من سعرها.

وتضيف سلمى، “أستطيع شراء ثياب وأحذية سورية الصنع رغم أسعارها المرتفعة، لكنها ليست بالجودة الجيدة مثل الملابس الأوروبية، اشتريت السنة الماضية حذاء بـ10 آلاف ليرة تمزّق بعد شرائه بشهرين، في حين أن حذاء البالة يكون ذا نوعية جيدة خاصة إذا كان مصدره أوروبا”.

وأكدت، أنها تحرص على اقتناء ما هو جيّد، كي لا تضيع نقودها بلا طائل، ويعلّق أبوسمير وهو أحد تجار البالة، أن زبائنه لا يقتصرون على الفقراء، بل هناك زبائن من مختلف المستويات الاجتماعية، والمقتدرون منهم يقبلون على البضاعة التي يكون سعرها أعلى لأنها أرقى من ماركات الملابس المحلية الصنع.

ولم تعد ملابس البالة بعيدة عن مواقع التواصل الاجتماعي، فبعث البعض مجموعات تروّج لبضاعته مع نشر صور لها وأسعار محددة، لا سيما من التجار الذين لهم معرفة بالعالم الافتراضي.

20