الشتات الجهادي: أين تختفي بقايا داعش متى عجز عناصره عن الفرار

لن يمثل تقدم المعارك في العراق وسوريا ضد تنظيم الدولة الإسلامية نهايته. في خضم الحرب الدائرة سيهرب بعض عناصر هذا التنظيم وسيجد بعض الأجانب من مقاتليه طريقهم إلى أوطانهم ويسافر بعضهم إلى مناطق نزاع جديدة، فيما سيتغلغل آخرون بين المدنين ليشكلوا ما يطلق عليه الخبراء مصطلح “الشتات الجهادي”. وستكون مرحلة ما بعد داعش مختلفة عمّا شهده العالم في مرحلة ما بعد القاعدة في العراق وحتى بعد انتهاء حرب أفغانستان.
الأربعاء 2017/10/04
استنفار لمواجهة قنابل داعش الموقوتة

بيروت – مع انتهاء تقدّم المعركة ضد تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا أو العراق تطرح أسئلة حول مصير المئات من المقاتلين الذين يتبخّرون من مناطق شكّلت معاقل لهم لسنوات. ويقول محللون وشهود إن أعدادا كبيرة منهم تتخفى بين المدنيين عندما لا تنجح في الفرار إلى مناطق أخرى تحت سيطرة التنظيم. ويذكّر آخرون بأن عناصر التنظيم قد يكونون بذرة تؤدي إلى ظهور تنظيم آخر، مثلما ظهر داعش من بقايا تنظيم القاعدة في العراق، فيما قد يتحول الذين ينجحون في الفرار، خصوصا من حاملي الجنسيات الأجنبية، إلى خطر مرتقب في المجتمعات الغربية.

وتورد القوات الحكومية العراقية والسورية التي تقاتل التنظيم باستمرار أخبارا عن مقتل المئات من المقاتلين أو اعتقالهم، وكذلك بالنسبة إلى قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من واشنطن، الطرف الذي شنّ العدد الأكبر من المعارك ضد الجهاديين في سوريا. كما تتحدث تقارير روسية وأميركية عن مقتلهم في الغارات الجوية.

إلا أن الناجين منهم وفي حال عجزهم عن الانتقال إلى مناطق أخرى تحت سيطرتهم يتعمدون إخفاء هوياتهم والاندماج بين المدنيين، وتحديدا في صفوف الفارين من المعارك. ويقول أيمن جواد التميمي، الباحث في منتدى الشرق الأوسط، إن العناصر الذين يفرون “قد يبقون في الخلف (…) إذا تمت محاصرتهم أو أجبروا على الخروج ويذوبون في صفوف المدنيين على نطاق واسع”، وإن كان تقدير نسبتهم بدقة أمرا “صعبا”.

وبحسب مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان رامي عبدالرحمن فإن غالبية من يتسللون بين المدنيين في سوريا هم “من المقاتلين السوريين الذين يحاولون الوصول إلى مناطق ينحدرون منها”، أو “يقصدون مخيّمات اللاجئين بعد حلق ذقونهم وتغيير لباسهم وإخفاء هوياتهم الحقيقية”.

وفي الرقة بشمال سوريا يشير مصطفى بالي، مدير المركز الإعلامي لقوات سوريا الديمقراطية، إلى أنه “غالبا ما يتم اكتشاف من يتخفى بين المدنيين ويخرج كنازح من مناطق الحرب لدى وصوله إلى المخيمات من خلال قواعد بياناتنا”. ويحدث الأمر ذاته في العراق.

وفي محاولة لكشف المتخفين بين المدنيين تعمد القوات الحكومية والكردية العراقية غالبا إلى نقل النازحين الذكور من مناطق المعارك إلى مراكز أمنية حيث يتم التدقيق في هوياتهم استنادا إلى قاعدة بيانات وبالتعاون مع مخبرين محليين. وبحسب مسؤول محلي في محافظة نينوى التي تعد الموصل كبرى مدنها “تخفّى عدد كبير من عناصر داعش بين الأهالي في إحياء الموصل، خصوصا في المدينة القديمة” حيث كانوا يقاتلون.

هزيمة داعش سيترتب عليها: الباقون في ساحة المعركة والمنتقلون للمسرح الجهادي القادم والعائدون إلى بلدانهم

خلايا نائمة

خسر تنظيم الدولة الإسلامية في يوليو مدينة الموصل ثاني مدن العراق التي أعلن منها في 2014 إقامة “الخلافة”. وجاءت هذه الخسارة لتتوّج سلسلة هزائم على الأرض تعرّض لها خلال السنة الماضية في سوريا والعراق وليبيا، حيث خسر مدينة سرت الساحلية في نهاية 2016. ويوشك التنظيم المتطرف حاليا أن يخسر مدينة الرقة أبرز معاقله في سوريا بينما يتصدى لهجومين منفصلين في دير الزور في شرق سوريا ولهجومين آخرين في الحويجة في شمال العراق والقائم في غربه.

وفي مؤشر على هروب مقاتليه خارج مناطق سيطرته يلاحظ تشارلي وينتر، الباحث في المركز الدولي لدراسة التطرف والعنف السياسي، تغييرا في أدبيات التنظيم في إصداراته الإعلامية الأخيرة لناحية تساهله مع “الذين يتخذون ملجأ لهم خارج أرض الخلافة”. ويقول “المثير للاهتمام في دعاية التنظيم أنه بدأ القول بشكل غير مباشر إن الهرب من أراضي التنظيم لم يعد ممنوعا”.

وتعد نسبة المتسللين بين المدنيين “كبيرة” وفق ما يوضح هشام الهاشمي، الباحث العراقي في شؤون التنظيمات الجهادية، ما يفسر برأيه “عمليات الاغتيال وزرع العبوات التي تحصل يوميا” في مناطق أخلاها الجهاديون. ويخشى التميمي أن “يتحول هؤلاء للعمل كخلايا نائمة أو على تجنيد أشخاص آخرين” لحسابهم.

وإذا كان من السهل على المقاتلين المحليين التخفي بين المدنيين فالأمر لا ينطبق على المقاتلين الأجانب الذين قد “يقاتلون أعداءهم حتى الموت عوضا عن الاستسلام”.

ويؤكد قيادي في التحالف الدولي ضد الجهاديين بقيادة أميركية موجود في شمال سوريا أن في الرقة “هناك الكثير من المقاتلين الأجانب الذين لا يريدون الاستسلام ويعتزمون القتال بشدة”.

أما عن العراق فيقول الهاشمي إن التنظيم استخدم معظم المقاتلين الأجانب في “عمليات انغماسية وانتحارية”، لافتا إلى أن “عدد من بقي منهم (حيا) قليل جدا”. أما في ليبيا، فيقول محللون ليبيون إن الأجانب، سواء كانوا أفارقة أم عربا، يتخذون وضع العمالة الأجنبية بسهولة. ويقدم “بعض المهاجرين المحبطين” وفق التميمي “على الاستسلام على أمل عودتهم إلى بلدانهم الأصلية”. وتؤكد تقارير عدة تمكن مقاتلين أجانب من العودة إلى بلدانهم من دون توفر أيّ إحصاءات، محذرة من اعتداءات قد يقومون بها في دول غربية.

ومنذ أن بدأ في خسارة أراضيه ومصادر تمويله في معاقله الرئيسية غير تنظيم الدولة الإسلامية من استراتيجيته وعدّل رسالته التي دائما ما يوجهها إلى الجهاديين من “انضموا إلى دولة الخلافة” إلى “ابقوا في أوطانكم وقوموا بالهجمات من هناك”.

ويقول خبراء في مركز ستراتفور الأميركي للدراسات الأمنية والاستراتيجية إنه مع تصاعد الدعوات لشن المزيد من الهجمات المحلية من المتوقع أن تشهد هذه الظاهرة استمرارا بل وتوسعا وانتشارا في المستقبل.

لا تتوافر معلومات كثيرة عن معتقلي تنظيم الدولة الإسلامية في ظل رفض الأطراف التي تقاتلهم تحديد عددهم أو أماكن اعتقالهم. وقالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن “القوات العسكرية العراقية تنصّب نفسها مكان السلطات القانونية؛ فهي تلعب دور المحقق والقاضي والجلاد مع المشتبه بأنهم عناصر داعش”.

وأقر زعيم تنظيم الدولة الإسلامية أبوبكر البغدادي في تسجيل صوتي نسب إليه ونشر الخميس باعتقال العديد من مقاتليه، ووجّه لهم في ختام كلمته الطويلة “تحية”، طالبا منهم “الصبر”، وقائلا “لن تثنينا كثرة القتل والأسر وألم الجراح”.

في هذا الوقت، يتحصّن من تبقّى من الجهاديين الذين خسروا الجزء الأكبر من المناطق التي سيطروا عليها في 2014 في المناطق الحيوية المتبقية. ويتخّذ مقاتلو التنظيم حاليا من جبال حمرين الواقعة بين محافظات ديالى وكركوك وصلاح الدين، مقرا لهم، وتتطلب مطاردتهم في هذه المنطقة ذات التضاريس الصعبة جهودا وإمكانات جبارة.

ويقول وينتر إن “مركز ثقل التنظيم انتقل ومنذ وقت طويل من أماكن كالموصل وتلعفر والرقة إلى مناطق كالميادين والبوكمال” في محافظة دير الزور الحدودية مع العراق. ومن هنا، يتوقع وينتر أن يكون القتال في تلك المناطق “مفاجئا بشراسته”.

ويتخوف الهاشمي من انتقالهم في الفترة المقبلة إلى “قتال الأيام الزرقاوية (نسبة لأبي مصعب الزرقاوي، زعيم تنظيم القاعدة في العراق الذي عرف بتبنيه المتكرر لتفجيرات انتحارية عديدة وعمليات إعدام رهائن)، بمعنى أنهم سيفتحون النار على من كل ليس معهم، بين المنازل، في المطاعم والأماكن العامة”.

قيادي في التحالف الدولي ضد الجهاديين في شمال سوريا يؤكد أن في الرقة هناك الكثير من المقاتلين الأجانب الذين لا يريدون الاستسلام ويعتزمون القتال بشدة

حالة مستمرة

يقول ماثيو ليفيت، وهو زميل أقدم ومدير برنامج ستاين لمكافحة الإرهاب والاستخبارات في معهد واشنطن، إنه “مع خسارة كل معركة يتحول تنظيم داعش من جماعة مسلحة تحكم مناطق إلى جماعة إرهابية ومتمردة تعمل من دون السيطرة على أرض محددة”.

ومع هذه التداعيات تتزايد خطورة التهديد الإرهابي الذي يمثله التنظيم إقليميا ودوليا. وفي حين يشكل التطرف المحلي العنيف أحد عناصر هذا التهديد، يتوجب على الدول التنبه كذلك لعودة المقاتلين الإرهابيين الأجانب الذين صقلتهم المعارك والذين يؤسسون لظاهرة الشتات الجهادي.

وستحاول بقايا تنظيم الدولة الإسلامية أن تملأ أيّ مكان تتوفر فيه حالة من الفوضى أو التوحش، كما هو الحال في آسيا الوسطى وأفريقيا، أما في الأماكن التي لا تضمّ القدر الكافي من الفوضى، كما في أوروبا، فإنها تسعى لخلق الفوضى عبر الهجمات المنفردة.

ولم تنجح الحرب على الإرهاب منذ أن تحول المجاهدون في أفغانستان من محاربة السوفييت إلى محاربة الأميركيين، ثم مع ظهور تنظيم القاعدة وتطوره إلى تنظيم جهادي عالمي، إلى إعلان الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الحرب على الإرهاب، لم يتم القضاء على أيّ تنظيم أو جماعة تظهر.

بل بالعكس انشطر تنظيم القاعدة وظهرت أفرع عديدة منتشرة في مختلف أنحاء العالم. ثم تطورت الحالة الجهادية بظهور تنظيمات أخرى موازية للقاعدة بعضها أعلن مبايعته للتنظيم الأم والبعض الآخر أعلن استقلاله الذاتي وهو حال تنظيم الدولة الإسلامية.

وبغض النظر عن القراءات السياسية والتحليلات التي تربط بين نشأة مثل هذه التنظيمات ومخططات القوى الكبرى، القوة الأميركية أساسا، فإن الأكيد وفق الخبراء، ومن بينهم الخبير في شؤون الإرهاب سكوت أتران، أن الظاهرة الجهادية تحوّلت من تبادل “عداء” بين الجهاديين و”الكفاّر” إلى حالة ثورية تستقطب الفاشلين في الحياة ومجموعة من المهمّشين اجتماعيا والجاهلين بالدين والسياسة والمشحونين بالمظلومية التاريخية، مع التأكيد على أنه ليس كل الانتحاريين إسلاميين أو أشخاصا يحركهم الدافع الديني.

هنا، يصبح الحديث عن بقايا داعش ومحاربتهم ضربا من الأحاديث “اللاعقلانية” على حد تعبير أتران، والذي يرى أن الحالة الجهادية الراهنة وما يصاحبها من ردة فعل ومواجهة عكسية هي وصفة لحرب جديدة على شاكلة حرب المئة عام؛ فمنذ صعود التطرف الجهادي قبل 4 عقود تبيّن أن من سماته الأكثر قدرته على استغلال الوقت الضائع لإعادة تأسيس وإحياء الحركات التي بدا أنها قد هزمت.

والأخطر في حالة داعش أن التنظيم نجح إلى حد ما في خلق “شعب”، من خلال ظاهرة جهاد النكاح وزواج المقاتلين والمقاتلات وتأسيسهم لعائلات في المناطق التي سيطر عليها التنظيم قبل أن يفقدها؛ وهناك عدد كبير من الأطفال الذين ولدوا في هذا الإطار، وليس هناك ما يضمن، وفق الخبراء، ألاّ يحمل هؤلاء البذرة الداعشية، خصوصا وأنه سيتم التعامل معهم من منطلق أصلهم، حتى في أكثر المجتمعات احتراما لحقوق الإنسان.

ويقول روبن سيمكوكس، وهو باحث في مؤسسة هريتاج فوندايشن، إنه على المدى القصير، هناك ما بين 5 و6 آلاف أوروبي قاتلوا مع داعش، بينهم ألف مقاتل عادوا إلى المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا. وأكد الباحث على خطورة هذا التوجه بالإشارة إلى هجمات باريس وبروكسل. أما على المدى المتوسط فإنه حتى لو لم يتم شن هذه الهجمات فإنه من المرجح أن يتصل الجهاديون العائدون بالشبكات الإرهابية في هذه البلاد. وعلى المدى الطويل أشار الباحث إلى انتقال عوائل بأكملها للعيش مع تنظيم داعش مما أدى إلى ولادة 500 طفل فرنسي و80 طفلا هولنديا و50 طفلا بريطانيا في الأراضي التي كان يحكمها. وعليه فإن الخطر ليس فقط من العائدين وإنما أيضا من الأطفال.

6