الشتات في المتخيل السردي العربي من الأسلاف إلى الأحفاد

الناقد رامي أبوشهاب يتساءل في كتابه عن كيفية حضور فلسطين في رواية الشتات وما مدى مطابقة صورتها المتخيلة مع الواقع.
الثلاثاء 2018/09/04
أكثر الهجرات ألما

يتساءل الناقد الفلسطيني رامي أبوشهاب في مقدمة كتابه “في الممر الأخير: سردية الشتات الفلسطيني” “هل ثمة أمل في أن ينتهي الشعب الفلسطيني إلى وطن؟ أم سوف يبقى تائها في ‘غرف’ جبرا إبراهيم جبرا الأخرى، أم سوف يتحول إلى ‘متشائل’ إيميل حبيبي، أم في يوم ما سوف يدق جدران الخزان؟ وفي التساؤل الأخير إشارة إلى الفلسطينيين الثلاثة في رواية غسان كنفاني ‘رجال في الشمس’، الذين يختنقون من شدة الحر داخل خزان ضخم فارغ لسيارة نقل مياه قديمة (صهريج)، أثناء توقفها في نقطة الحدود الكويتية العراقية، وكانوا يأملون أن يوصلهم المهرّب إلى الكويت ليحصلوا على عمل”.

سرديات الأسلاف

يسعى أبوشهاب في الكتاب، الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت، إلى اختبار سردية الشتات الفلسطيني عبر نظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي، المعنية تحديدا بنماذج من الارتحالات الثقافية، وارتباطها بالقيم الاستعمارية، ومنها الأشد شراسة النموذج الاستيطاني الكولونيالي الصهيوني. ويوظف المؤلف نماذج الشتات ومفاهيمه، كما أنساقه السردية، وتمثيلاته من أجل الإجابة عن فرضيات بحثية، تتحدد بمدى تحقق خطاب خاص بالشتات الفلسطيني وتوفره على مستوى المتخيّل السردي، مع الدعوة إلى تفعيل التوجهات الخطابية حيث تتولد جملة من الإشكاليات التي تتعلق بمدى تحقق سردية خاصة بالشتات، فضلا عن مدى تعالُق هذه السردية بالماضي والارتهان له؛ متسائلا عما إذا كانت توجد رؤية تتجه إلى المستقبل أم لا أفق للخلاص من هذا الشتات نظرا إلى غياب مشروع وطني للتحرر؟

يتكون الكتاب من مقدمة ومدخل وأربعة فصول، ويتساءل المؤلف في المقدمة، أيضا، عن كيفية حضور فلسطين في رواية الشتات؟ وما مدى مطابقة فلسطين المتخيلة مع الواقع؟ وكيف تعبّر الرواية الفلسطينية عن إشكاليات الشتات؟ وكيف تصوغ الرواية منظور الأجيال من أجل بناء نموذج وعي متسلسل أو عمودي لتوريث منظومة الشتات من قبل الأسلاف إلى الأحفاد؟ وما منظور كل منهما لهذا المعطى؟ وأخيرا، ما أثر الشتات على البنية الشعورية للفلسطيني من حيث الاستجابة لأثر الصدمة التي شاعت في دراسات الخطاب الكولونيالي، فضلا عن تحولات الشتات، وضغطه على بنية الشخصية الفلسطينية؟

الناقد يسعى إلى اختبار سردية الشتات الفلسطيني عبر الخطاب ما بعد الكولونيالي، المعني بنماذج من الارتحالات الثقافية
 

ولا ينفي أبوشهاب أن ثمة عوامل شخصية تتصل بإشكالية أن تكون فلسطينيا من حيث الكمون في عوالم الشتات التي لا تقدم سوى الهامش، ما يجعل الفلسطيني مضطرا إلى بذل أقصى طاقاته لينال الاعتراف بحضوره إنسانيا وثقافيا، فما وجود أي فلسطيني في أوطان الشتات إلا نموذج للطارئ، ولهذا ينبغي أن يتقبل أن يكون متواريا في الظل كي لا يزعج الآخرين بحضوره، فالفلسطيني لا حق له في وطنه الأم كونه ينتمي إلى الشتات، ولا حق له في أوطان الشتات، كونه ينتمي إلى فلسطين.

ينطلق الفصل الأول من محاولة اكتناه مفهومي المنفى والشتات، والاشتراطات والحدود المفاهيمية، لا سيما أن معظم الدراسات تتمحور حول مفهوم المنفى بمعزل عن الوعي العميق للشتات بوصف الأخير حالة جمعية معقدة تتعالى على التوصيف الفردي المقتصر على النخب.

ويتتبع الفصل الثاني مفهوم الشتات الفلسطيني، والمواصفات الاشتراطية، ويشمل الأنساق والتمظهرات النصية التي ينطوي عليها الشتات خطابيا من حيث الوعي، وأثر الصدمة، والهجنة، والهوية، والتشتيت، والإزاحة، والذاكرة، واللغة؛ باحثا في بعض ملامح تشكل خطاب حول الشتات الفلسطيني بشكل عام. أما الفصل الثالث فقد آثر المؤلف تخصيصه لتكوين التمثيلات النصية الكامنة في الأدب الفلسطيني عبر نماذج محددة، كما بحث في محور آخر سردية الشتات الفلسطيني من خلال رواية الأسلاف، ويعني بهم إميل حبيبي، وغسان كنفاني، وجبرا إبراهيم جبرا بهدف رصد الوعي بالشتات، وقياس تحولاته في الرواية الفلسطينية للوقوف على بعض الفروقات في المنظور بين كتابة الأسلاف والأحفاد.

ما بعد الكولونيالي

اختبار سردية الشّتات الفلسطيني عبر الاتكاء على نظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي
اختبار سردية الشّتات الفلسطيني عبر الاتكاء على نظرية الخطاب ما بعد الكولونيالي

سعى أبوشهاب، في الفصل الرابع، الذي يُعدّ مركز الكتاب ومتنه، إلى اكتناه الشتات الفلسطيني عبر المنظور ما بعد الكولونيالي، فجاءت عناوينه في سياق التكوينات الخطابية للشتات في عدد من الروايات التي تنتمي إلى طيف الشتات الفلسطيني باختلاف تموجاته، وهي: “الميراث” لسحر خليفة، و”امرأة للفصول الخمسة” لليلى الأطرش، و”طيور الحذر” لإبراهيم نصرالله، و”حليب التين” و”خلسة في كوبنهاجن” لسامية عيسى، و”الطنطورية” لرضوى عاشور، و”السيدة من تل أبيب” و”مصائر” لربعي المدهون، و”قبل أن تنام الملكة” لحزامة حبايب، و”بينما ينام العالم” لسوزان أبوالهوى، و”غريب النهر” لجمال ناجي، و”6000 ميل” لمحمد مهيب جبر، و”مجانين بيت لحم” لأسامة العيسة، و”موفيولا” لتيسير خلف.

كما عُني الفصل الأخير بتقديم أسئلة تتعلق بفلسطين وحضورها في الدراسات ما بعد الكولونيالية، بالتجاور مع البحث في فرضيات الشتات من خلال المنظور الكولونيالي عبر توصيفات إدوارد سعيد، وهومي بابا، وباتريك وليامز وآنيا بال، وغيرهم.

ثلاثة توجهات قام عليها اختبار رامي أبوشهاب لتحقق الشتات الفلسطيني في المتخيل السردي العربي الفلسطيني هي: الوقوف على الشتات ضمن الأُطر المعرفية، واختبار الشتات من حيث الاشتراطات النصية والمعرفية ضمن سياقات المقاربة ما بعد الكولونيالية، والبحث في مجموعة من الروايات التي صدرت قُبيل توقيع اتفاقية أوسلو، بوصفها مفصلا حاسما في تشكيل منظور جديد تجاه الشتات، أو الكتابة الشتاتية التي تُناط بالأحفاد.

وهكذا يبدو الكتاب في أطروحته معنيا بشكل منهجي بتتبع أثر اقتلاع الفلسطيني من أرضه، حيث بات عالقا في عناصر شديدة التعقيد، وهي الزمان والمكان واللغة والذاكرة، من جهة، واقتلاع الذات الفلسطينية من الفلسطيني من جهة أخرى.

14