الشجار بين الإخوة يساهم في تنمية شخصياتهم

تدخل الأهل فور نشوب الخلاف يمنع الأطفال من الوصول لصيغة توافق، لأنهم لم يتركوا لهم الوقت الكافي، مما قد ينتج عنه نشوب الشجار مرة أخرى.
الخميس 2020/11/05
شجار الإخوة ضروري شرط ألاّ يلحق بعضهم الأذى ببعض

لا تخلو الأسر التي لها طفلان أو أكثر من مشاحنات ومشاجرات تثير انزعاج الآباء وتوترهم، حيث يرون أن عدم توافقهم وخصامهم المستمرين يجعلان الحياة الأسرية تفتقد البيئة السليمة التي يحتاجها الجميع للتمتع بالرفاهية. إلا أن خبراء التربية يرون أن هذه السلوكيات تعتبر ضرورية لنمو شخصية الأطفال وتطورها، طالما أنه لا ينتج عنها أيّ أذى جسدي أو معنوي.

يتطلع جميع الآباء والأمهات إلى أن تكون العلاقة بين أبنائهم مبنية على التوافق والاحترام المتبادل بعيدا عن الشجار والتنافس، إلا أن تطور العلاقات بينهم أكثر تعقيدا مما يتصور الأهل الذين ينزعجون كثيرا إذا نشبت خلافات بين أبنائهم.

وقد يوفر الخصام بين الأشقاء دورة مكثفة في طريقة إدارة العواطف الحادة كالحسد والكراهية والغضب، كما أن النزاع بين الإخوة المراهقين يساعدهم على فهم حاجتهم إلى التميّز عن العائلة ورسم حدودهم الخاصة.

وأكد خبراء التربية أن الشجار بين الأخوة هام ومفيد على عكس ما يعتقد معظم الآباء، وتتمثل أهميته في تعزيز القدرة على التفاوض وقبول مبدأي الخسارة والربح، كما أنه يسمح للطفل بأن يختبر قدرته على نيل حقوقه وأخذ حقوق الغير في الاعتبار، ويعرّف كل واحد منهم بإمكاناته وقدراته ما يجعلهم يتوصلون لأسلوب للتعايش في ما بينهم، وتدريب الطفل الدفاع عن نفسه وعن أغراضه بالحجة والنقاش.

ولفتوا إلى أن المشاجرات يمكن أن تساعد الآباء والأمهات على تعليم أبنائهم مهارات عديدة، منها إدارة الخلاف وحل المشكلات والتفاوض وكيفية التعبير عن ذواتهم ومشاعرهم، بالإضافة إلى تعلم قبول مبدأ الخسارة والربح وأخذ حقوق الغير وآرائهم بعين الاعتبار.

وأشاروا إلى أن تدخّل الأهل فور حدوث شجار يمنع الأطفال من الوصول لصيغة توافق، لأنهم لم يتركوا لهم الوقت الكافي، مما قد ينتج عنه نشوب الشجار مرة أخرى، مشددين على ضرورة أن يتحدث الأهل عن قيمة اللحظات الجميلة مع أبنائهم، مما يعزز العلاقات الجيدة بينهم، وعدم التعرض لنقاط الخلاف، وعدم السماح بتصعيد الشجار إلى درجة الضرب والشتائم.

وقالت الأستاذة مروى بن عرفي الأخصائية والمعالجة النفسية في تونس “يمر الإنسان بتجارب حياتية مختلفة في المجتمع وخارج الأسرة لتطوير مهاراته و قدراته الذهنية والاجتماعية والنفسية، لكن أول التجارب الحياتية وأكثرها تأثيرا على الفرد تبدأ من داخل الأسرة إما في علاقة الطفل بوالديه أو في علاقته بإخوته”.

مروى بن عرفي: المشاحنات بين الإخوة تعزز أسلوب التفاوض و الإقناع لديهم
مروى بن عرفي: المشاحنات بين الإخوة تعزز أسلوب التفاوض و الإقناع لديهم

وأكدت بن عرفي لـ”العرب” أن “الشجار بين الإخوة يعتبر من ضمن التجارب التي تساعد الطفل على بناء ثقته بنفسه وتعزيز قدراته على التواصل والاندماج داخل الأسرة وتعزيز أسلوب التفاوض والإقناع والمبادرة لديه”.

وأضافت أن للعائلة دورا كبيرا في تعزيز هذه السلوكات بفرض نظام داخل الأسرة يشجع على التواصل والتفاوض بين الأبناء دون اللجوء إلى العنف.

وأوضحت المختصة التونسية أن ذلك يكون بعدم التمييز بين الأبناء والعمل على تكريس الحوار والمساواة وتوجيههم إلى السلوك الصحيح، حتى لا يقع تعزيز السلوك الخاطئ لديهم أي استعمال العنف للحصول على النتيجة المرغوبة.

ولفت المختصون إلى أن التنافس بين الإخوة يكاد لا تخلو منه أي أسرة، ووضع الطبيب النفسي ديفيد ليفي عام 1930 مصطلح تنافس الأشقاء استنادا إلى اختبار أعطى فيه مجموعة من الأطفال دُما تمثّل والديهم وإخوتهم، وسألهم عمّا شعروا به عندما رأوا أشقاءهم في حضن أُمّهم أو أبيهم، ومن بين الردود التي سجلها ليفي الدفع بإخوتهم والرمي والصفع والضرب والتمزيق والعض والقرص بالأصابع والركل بالقدمين.

وأوضح ليفي أنه بغض النظر عن العمر والجنس وترتيب الأبناء في الأُسرة والخلفية الثقافية، اتضح أن التنافس بين الأشقاء حقيقة من حقائق الحياة الأُسرية.

وبيّنت الدراسات أنّ هذه المنافسة تولِّد مشاجرات دائمّة بين الإخوة قد تصل إلى ما بين ثلاث وسبع مرّات في الساعة بين الأشقاء الصغار بين عمر سبع سنوات وأقل.

ويرى المختصون أن هذه المشاجرات مفيدة وقد تكون ضرورية لنمو الأطفال على الرغم من الإزعاج الذي تسببه للوالدين، حيث تقول أُستاذة علم النفس التنموي الدكتورة جودي دن أن التنافس بين الإخوة يمكن أن يكون بناء، ويهيئ الأطفال لبناء علاقات سليمة عند تقدمهم في العمر.

وأفاد الخبراء أن فوائد خلافات الإخوة قد تعمل على زيادة المهارات في فهم الآخرين والقدرة على التفاوض والإقناع وحل المشكلات، لافتين إلى أن بعض الشجار ليس أمرا حتميا فقط بل إنه تعليمي أيضا.

وكشفت دراسة أنجزها مركز أبحاث الأسرة التابع لجامعة كامبريدج البريطانية، لمعرفة مدى التطوّر المعرفي والاجتماعي للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين عامين وستة أعوام، أنه كلّما ازدادت المشاجرات بين الأشقاء، تعلموا المزيد عن تنظيم عواطفهم وكيفية ومدى تأثيرها على مشاعر الآخرين.

وأضافت أن أحد الأسباب الرئيسة لذلك يكمن في أن الإخوة هم حلفاء بعضهم البعض الطبيعيين، وغالباً ما يكونون على الموجة نفسها من التفكير، وفي الكثير من الأوقات يدخلون في ما يسمّى بألعاب التظاهر التي تساعد الأطفال على تطوير وعيهم بالحالات العقلية المختلفة.

وأكد الباحثون أنه حتى عندما كان التنافس بين الإخوة واضحا، على سبيل المثال عندما كان الأطفال يزعجون أو يتجادلون مع أشقائهم، كانت المبادلات الكلامية غنيّة عاطفياً لها فوائد عديدة، لاسيّما بالنسبة إلى الأطفال الأصغر سناً، حيث تتحوّل إلى مصدر إثراء عاطفي لهم.

وأشاروا إلى أنه على الرغم من أن الأشقاء الأصغر سنا أظهروا معدلات منخفضة من التعبير عن الحالة النفسية من إخوانهم الأكبر سنا، فإنّ مستوى تفاهمهم الاجتماعي ازداد بسرعة، وفي فترة قصيرة كانوا يعبّرون عن عواطفهم على قدم المساواة تقريباً مع أشقائهم الأكبر سنا، موضحين أن هذا لا يعني أن الآباء لا يجب عليهم مساعدة أطفالهم خلال مشاجراتهم، وتقوية مشاعرهم الإيجابية تجاه بعضهم البعض، خاصة أن الشجار قد يتحدى كل قانون يعتقد الآباء بأنّه مقدّس مثل “لا للضرب”، “لا تعدٍّ على ممتلكات الآخرين”، “لا استبعاد”.. فيأتي الضرب بعد تحريض صارخ، ويحصل التعدي على ألعاب أو مقتنيات الشقيق الآخر كرد فعل على إساءة عميقة، ويأتي الاستبعاد من المشاركة في الألعاب نتيجة لتصرف مماثل سابق.

وكشفت الدراسات أن أحد أهم الأشياء التي يمكن للوالدين القيام بها لمساعدة الأطفال على تعلُّم كيفية إدارة عواطفهم خلال مشاجراتهم هو الحفاظ على هدوئهم هم أنفُسهم، لأنّ الأبناء ينظرون إلى والديهم كبيئة حاضنة لتماسكهم، وكملاذ آمن في خضم عاصفة مشاعرهم المضطربة. وإذا استطاع الأهل البقاء هادئين، واستطاعوا تهدئة أطفالهم، فسوف يتعلَّم الأطفال في نهاية المطاف أن يظلوا هادئين هم أيضاً، وهي الخطوة الأولى في تعلُّم إدارة مشاعرهم.

ونبه الخبراء إلى أنه على الوالدين ألا يظهرا الكثير من الهلع والخوف وتوتر الأعصاب حتى لا يصبح الشجار وسيلة لجذب الانتباه من جهة، ونقطة توتر لهم وللأبناء من جهة أخرى. وعليهما أن يدركا أن مشاجرات الأبناء كما هي متوقعة وحتمية، فهي لا تخلو كذلك من بعض الجوانب الإيجابية.

خصام الأشقاء يعزز لديهم أسلوب الحوار والنقاش
خصام الأشقاء يعزز لديهم أسلوب الحوار والنقاش

وأكدوا أن المشاجرات البريئة تحمل بعض الجوانب التربوية للطفل كثيراً ما يغفل عنها الوالدان، ومن ذلك أن مثل هذه المواقف التصادمية غالبا ما تتسم بالصراحة والوضوح، لافتين إلى أن الشجار بين الإخوة يخلو من المواربة ويعرف الأخوة بعضهم البعض جيدا، مما يساهم في تقديم صورة واقعية واضحة لنوع من الصراع الاجتماعي قد يغفل أو يتغافل الوالدان عمدا عن تقديمه للأبناء حرصا منهم على تقديم نموذج مثالي للعلاقات الاجتماعية.

وأوضحوا أن الصراع والشجار بين الإخوة هو بمثابة طرق لتعلم أسس وقواعد تبادل الحقوق والواجبات والمحافظة عليها، والدفاع عن الرغبات والحاجات، وتقديم التنازلات للآخرين، كما أن الطفل يتعلم من خلال الشجار كيف يتكيّف مع الأزمات، ويتعامل مع الضغوط، ويؤهله ذلك للتكيف مع مراحل عمرية أخرى متقدمة كمرحلة المراهقة والرشد.

وأضافوا أن الطفل يشبع بعض احتياجاته من خلال الشجار، ومنها الحاجة لإثبات الذات من خلال الجدل والوصول للهدف، والحاجة للمعاضدة من أطراف يماثلونه، والحاجة للتنافس مع جماعة متشابهة في الصفات والخصائص. كما أنه يتعلم أن هناك سلوكيات خاطئة وذات عواقب وخيمة، يجب ألا يقدم عليها، ويبدأ في الانتقال إلى مرحلة التفكير في البدائل المختلفة.

ويرى الخبراء أن شجار الأطفال ونزاعهم أمر طبيعي ما لم يزد عن حده، موضحين أن تقدير الأهل لاندفاع أبنائهم أثناء اللعب وتفاعلهم مع بعضهم البعض له دور كبير في توجيههم إيجابيا من خلال إعطائهم الحرية الكافية ليطوروا مهاراتهم ويبدوا آراءهم بصراحة وبعيدا عن الخوف والتدخل المقيد لمشاعرهم.

ولفتوا إلى أن المشاجرات بين الأبناء هي فرصة للكشف عن شخصية الطفل وطريقته في الدفاع عن نفسه في حال أحسّ بالظلم من قبل إخوته، لذلك فإن التدخل السريع للآباء للحد من الخلافات يقيّد مهارات الأبناء ويقتل روح المنافسة فيهم، ويمنعهم من التعبير عن مشاعرهم بحرية ويضمن حدود الأدب.

وحذر المختصون من خطورة اقتران الشجار بالعنف والإيذاء الجسدي أو أن تتطور لدى بعض الأطفال مشاعر العداء أو اللامبالاة نحو بعضهم بصورة تستمر طوال حياتهم، مبينين أن التنافس يمكن أن يعتبر عادياً، إذا تبادل الإخوة مشاعر مشتركة بالرضا والإحباط، وإذا لم يكونوا مشحونين بالعنف.

21