الشجرة القتيلة

الاثنين 2014/09/15

كان هناك في العراق عيد للشجرة. تقليد عرفه العراقيون يوم كان العراق منسجما مع صفته أرضا للسواد.

ولأن الفنان العراقي الرائد جواد سليم (1920 /1961) كان واحدا من أكبر الحالمين بغد لا يتمكن منه الزيف، ولا تختصره الأناشيد الوطنية في علم ورئيس ملهم، ومسيرات في عيد العمال، والدفاتر التي يزيّنها الشعار الوطني..

فقد قرّر أن يتماهى مع طريقته البصرية المضادّة لوهم الواقع، فرسم من أجل معرض جماعي أقيم بمناسبة الاحتفال بعيد الشجرة مشهدا رآه بعينيه وعاشه بألم.

كان ذلك المشهد تلخيصا لموقف شعبي معاد للأشجار. كان ثلاثة رجال يحاولون اقتلاع شجرة من مكانها. هي شجرته القتيلة التي استطاع أن يكسبها من خلال الرسم حياة، تفوّقت في طولها وجمالياتها على الأشجار التي بقيت حية ولم تنلها قسوة البشر. كانت شجرة جواد سليم القتيلة التي تستقرّ الآن في متحف الدوحة للفن الحديث عنوانا لحياة عاشها العراقيون بطريقة مواربة. كان هناك نفاق رسمي ساهم فيه الفنانون بطريقة تزيينية، كما لو أنهم كانوا يكتبون إنشاء مدرسيا عارضا.

جواد سليم قلب المعادلة، وكان مخلصا لقوة الفن في إخلاصه لقيم الجمال التي تظل مقيمة في الألم والقسوة والعذاب، الذي هو جزء من سيرة كائنات لم تكن ترى في حياتها، سوى استمرار لما يُملى عليها من أفكار، وصور ليست مسؤولة عن تطابقها مع الحقيقة.

لقد راهن جواد سليم على شجرة قتيلة واحدة لقول الحقيقة في مواجهة آلاف الأشجار التي تُزرع دعائيا، لتترك في ما بعد إلى الموت المجاني بسبب الإهمال.

هل كانت شجرة جواد سليم القتيلة نبوءة لعراق سيكون كله مشروعا للقتل؟ تلك الشجرة لم تكن حدثا عابرا من وجهة نظر رسامها. لقد رأى الرسام ما لم يكن يراه الآخرون. كان الموت في انتظارنا بشرط أن يكون من صنعنا.

وهو البلاغ، عميق الأثر الذي تنطوي عليه تلك الصورة التي لم تكن متخيلة. رسم جواد سليم شجرته كما لو أنه كان يرسمنا.


كاتب من العراق

16