الشجرة تغرد: فكيف نكتب للأطفال

السبت 2015/08/22

في سياق نقده أعمال الكتّاب الذين يسعون إلى إخفاء تناقضات الواقع، والمبالغة في تزييفه وتلطيفه، يؤثر عن تشيرنيشفسكي نصّ يقول: يحسبوننا أطفالا، حسنا، فلنأخذ مثالا، ولو من الأطفال، انظروا، هل يحبّ الطفل التّطويل وعدم المعنى في القصّة؟ أبدا، إنّه يحثّنا باستمرار: أي… وماذا بعد؟ أي… وماذا بعد ذلك؟ تحدّثوا بسرعة، قودونا إلى نهاية القصّة، تحدّثوا فقط عمّا هو جوهريّ.

إنّه يريد أن يتحدّث الآخرون بصراحة، وأن يسمّوا الأشياء بأسمائها الحقيقيّة، إنّه لا يصبر على الزّخرفة والتّلطيف؛ فإذا ما قلتم له إنّ قنديل البحر بنت لطيفة، وإنّ “الميناتاوروس″ لا يأكل النّاس، بل يلاطفهم، أجابكم الطّفل في الحال: إنّكم تكذبون، إنّ وحوش الشّرّ لمضرّة حتىّ بالنّسبة إلى النّاس، أو إنّكم تريدون خداعي والتّغرير بي، لأكوّن انطباعا رقيقا عنها، فإذا كان الأمر كذلك، فإليكم عنّي… إنّ التّفاهة التي تحدّثونني عنها لكريهة وكئيبة.

ولئن كان للكلمات التي قرأناها للتّو أن تصدق على أدب الكبار، فإنّها تصدق، تماما، على أدب الأطفال، وتكشف أهمّ السّمات الفكرية والفنية الواجب توفّرها في أيّ كتابة تتوخّى إمتاع الطفل وإفادته؛ فالطّفل، كما تكشف تلك الكلمات، لا يحبّ التّطويل، ولا يستسيغ الثّرثرة. إنه يريد الوصول إلى المغزى، ويريد الوقوع على الجوهري العميق ببساطة، أي من غير استطراد تشتيتيّ مخلّ، أو تعقيد مربك.

إنّ الاستطرادات، وتأجيل السّرد، والذّهاب بعيدا عن الجوهري عبر إضافات لا تنسجم مع السياق الأساسي للحدث المروي، أو عبر استطرادات تؤجّل نموّ الحدث دون أن تضيف جديدا إليه، تنعكس جميعها انعكاسا سالبا على عملية التّلقي، سمعا أو قراءة، وتدفع الطفل إلى التعبير عن رفضه لهذا النوع من التعامل الساذج معه، وذلك عبر إشارات أو إيماءات يرسلها محمّلة بدلالات رفضه العفوي؛ إنه يطالب الكتابة الموجّهة إليه أن تكون رشيقة رقيقة غير مترهلة، ويستحثّ خطى الراوي ألاّ تحيد عن الهدف، وألا تبتعد عن السياق، وغالبا ما يسقط، أثناء القراءة، جملا وعبارات وتراكيب يراها زائدة، أو يلقي جانبا بالكتاب الذي عجز عن أن يحتفظ به قارئا مشوقا إلى معرفة ما سيحدث بعد.

والطفل، من جهة ثانية وفي ارتباط وثيق بما سبق، لا يقبل على الحديث الغامض المموّه، والخالي من المعنى؛ إنه يريدنا أن نكفّ عن الرّطانة، وأن نتحدّث إليه بصراحة، وأن نسمّي الأشياء بأسمائها؛ وإذ تتصل هذه السمة برفض التّطويل والثّرثرة، فإنها تشير إلى الامتعاض من جميع أشكال الخداع والتزوير والتزويق؛ فالطفل لا يستطيع الإقرار بما يخالف معارفه الناجمة عن صلته الحسية بظواهر العالم، ومكونات المحيط الطبيعي والاجتماعي، وليس بمقدوره أن يوافق على مخالفة انطباعاته ومدركاته عن الأشياء والأحياء والعلاقات؛ إنه يتوق إلى تنمية هذه الانطباعات والمدركات بما ينسجم مع ما تنطوي عليه من تصورات ومفاهيم تشكّلت في مخيلته وعقله، وكمنت في ذاكرته.

قد يتكوّن لدى الطفل انطباع بأنّ شجرة ما تغرّد، ولكنّ هذا الانطباع يتحوّل إلى سؤال يقلقه، ويدفعه إلى البحث عن إجابة عنه؛ فإذا قلنا للطفل إنّ الشجرة تغرّد، وسكتنا؛ فإنه سيكتشف أننا نتعامل معه باستخفاف وتعال، وسيرفض، من فوره، هذا النّمط من التّعامل المهين، وبالتالي، سيتجاهل قولنا، وسيواصل البحث، بمفرده، عن إجابة عن سؤاله.

ولا شك في أنّ بهجة الاكتشاف، وما تنطوي عليه من إمتاع وإفادة، ستغمر الطفل حين نساعده، عبر القصة أو النّص الأدبي أو العلمي، على اكتشاف إجابة مقنعة عن سؤاله؛ فحين نجعله يعثر على الإجابة من خلال تتبع نمو الحدث في القصة، مثلا، أو عبر حركة الشخصيات وجدل علاقاتها مع بعضها بعضا، وتفاعلها مع الأحداث، ومشاركتها في بناء هذه الأحداث، وصولا إلى نقطة الإضاءة أو بؤرة التنوير، فإننا نكون قد أمتعناه وأفدناه.

وحين يكتشف الطفل أنّ الشّجرة تغرّد لأنّ العصافير تبني أعشاشها على الأغصان، ولا سيما في ثنايا الغصون وبين أعطافها غير المنظورة، أو غير الواقعة في حيّز الإبصار المباشر، أو لأنّ العصافير الصّغيرة الواقفة على الأغصان لا تبين لأنّ الأوراق تخفيها عن الأنظار، أو لغير ذلك من أسباب يكتشفها هو بنفسه، وبمساعدة غير مباشرة، وغير معلنة على نحو تلقينيّ يستدعي الشّعور بنقص يستوجب الامتنان، يكون الاكتشاف أشدّ وقعا، وأعمق أثرا، وأكثر إمتاعا؛ وأدعى إلى تأكيد الثّقة في النّفس، وذلك لأنّ الطفل قد عثر بنفسه، ولنفسه، على إجابة عن سؤاله.

شاعر من فلسطين مقيم في سلوفاكيا

16