الشجرة قبل الثمرة

الأحد 2016/09/25

كم واحدا، بعد أن يشاهد فيلمًا جيدا، يتساءل باهتمام عن مخرج الفيلم ليعرف المزيد عنه؟ كم واحدا يمكن أن يقول -وهو يتابع الفيلم: يا سلام، أبدع هنا المؤلف، أجاد هنا فنان الإضاءة، أبدع هنا مصمم الديكور.. أو الملابس، الصوت، المونتاج..؟

عندما نستمتع بأغنية جميلة، كم واحدا يقوده فضوله للبحث عن الشاعر أو الملحن أو الموزّع الذي منح العمل روحًا، كم شخصا يفكر في أسماء العازفين صانعي هذا الجمال؟

ربما تبدو هذه الأسئلة باهتة في زمن يعلو فيه الصراع الدموي وتتضارب الهويات، ولكنني أرى أن غياب هذه التساؤلات سبب أصيل في وصولنا إلى هذا الزمن.

هل يثير الأمر سخرية البعض؟ هؤلاء في رأيي لا يدركون أنها مجرد أعراض لأمراض شديدة الخطورة تنهش في تركيبتنا الثقافية.

أفكر الآن: كم مبدعا اختفى، أو غيّر وجهته، أو حتى مات قهرًا؛ نتيجة لمجتمع لا يعرف أن الثمرة ابنة الشجرة، ولا تعنيه في شيء بقية أجزاء النبتة التي شاركت في وصول الثمرة إليه بهذا النضج؟

هذه الظاهرة، كما تقود إلى اختفاء مبدعين كثر لمجرد أنهم يعملون في الظل، فإنها تقتل روح العمل الجماعي داخل منظومة الثقافة المجتمعية، لأنها تُلغي الإحساس بأهمية توزيع الأدوار وتقدير كل إبداع مهما كان صغيرًا باعتباره جزءًا أصيلًا وسببًا مباشرًا في المنتج النهائي.

من أبرز نتائج هذه الظاهرة اختفاء الإبداع باعتباره مشروع حياة، ليحل محله إبداع السبّوبة أو إبداع الفرصة في أفضل توصيف له، لم يعد هناك مطرب يمتلك مشروعًا يشغله ويسعى لتحقيقه وتطويره في مجموع أغنياته، لم يعد هناك ممثل يمتلك طرحًا فكريًا يختار على أساسه أعماله ويراقب تطورها، لم يعد هناك موسيقي يؤسس لتصوره الفني على مهل ويحققه من خلال حناجر الموهوبين فتتجلى مواهبهم ويتحقق مشروعه. لم يعد هناك مغامر يدفعه إيمانه للتجول في أنحاء القرى بحثًا عن روح الفن الشعبي التي تندثر تحت هجمات التصورات المغلقة عن الدين والدنيا.

صحيح أن الأرض لم تصبح بورًا إلى هذا الحد القاتم بعد، فثمة شجيرات مثمرة متناثرة في كل مجال، إلا أنها بقدر ما تثير من الأمل فإنها استثناءات تثبت -للأسف- فساد القاعدة.

هذه المقالة مجرد دعوة للتفكير في هذه الظاهرة، وقراءة مخاطرها وتحديد أبعادها التي لم تعد تقتصر على الفنون ولكنها تتحكم في كل تفاصيل حياتنا العملية، في مصانعنا وشوارعنا ومتاجرنا، متجاوزة الأفراد لتصبح سمة رئيسة لتوجهات الاقتصاد والسياسة والعلاقات الخارجية العربية؛ لم نعد نتحرك منطلقين من مشروع تحكمه رؤية تسمح باحترام وتقدير كلّ الجهود التي تعمل على تحقيقها، مهما كانت هذه الجهود صغيرة.

علينا الاهتمام بهذه الظاهرة، وتحويل الأمر إلى مشروع عمل، يبدأ بالتشخيص والتوصيف والتأطير، وتحديد التخصصات المطلوبة، والمهارات العلمية والخبرات العملية ثم الشروع في البحث عن طرق لتغييرها بشكل جذري، للتخلص من تلك السطحية أو النفعية في تناول الأمور.

الأمر في رأيي يبدأ من المدرسة، مناهج التعليم أساس مهمّ، أظنها أحد أبرز الأسباب، إن لم تكن السبب الرئيس، الإعلام أيضًا وسيلة مهمة وخطيرة، لكن من يدير الإعلام ويصنع محتواه ويضع أفكاره ويؤثّر في مساره سوى هؤلاء التلاميذ الذين تأسست ثقافتهم في مدارس تفتقر مناهجها إلى هذه القيمة؟

المنزل بلا شك أساس آخر مهم، ولكن أليس الآباء والأمهات على امتداد الخمسين سنة الماضية على الأقل هم نتاج ثقافي لهذه المناهج التعليمية؟ البداية من مناهج التعليم، فمتى ننطلق؟

شاعر من مصر مقيم في الإمارات

14