الشجرة والحطاب

السبت 2014/10/25

يصرّ البعض على التمسك بالموروث من الأمثال الشعبية والحكم والوصايا، ويحث الناس على تبني محتواها سلوكا واعتقادا، بصرف النظر عن مدى مطابقتها للواقع المؤسف، حيث استفحل الشر بكل أنواعه قولا وعملا، وحيث لم تعد تلمع في الأفق أية سحابة لأمل مقبل.

فن توظيف الكلمات لاحتقار الآخر ومحاولة استفزازه والاستهانة بمشاعره والتنمّر عليه أمام الغرباء، أصبح هواية مسلية للبعض الذين يرفضون وضع مرايا مبصرة على جدران منازلهم، خوفا من مواجهة ملامحهم البشعة. لا يبدو أن هنالك أسبابا مقنعة للشر المتمثل في الكلام الجارح، سوى الرغبة في قتل أوقات الفراغ أو قتل مشاعر الأبرياء والبسطاء الذين لا يمتلكون ما يكفي من الشر لرد الصاع صاعين.

بل إن (المصابين) بنيران الكلام الجارح، على العكس من ذلك، نراهم وقد استحلوا لعبة الاستسلام وتدثروا بلباس الحكمة، وقابلوا الإساءة بالتغاضي والتسامح مع الاستعانة ببعض الاقتباسات من قاموس الأمثال الشعبية، التي توصي الناس بغفران زلات الآخرين و(جرائمهم) اللفظية، بدعوة أن “التسامح زينة الفضائل”، و”النفوس الكبيرة وحدها هي التي تعرف كيف تسامح”، و”الشجرة لا تحجب ظلها حتى عن الحطاب”، و”قمة الصبر أن تسكت وفي قلبك جرح، وأن تبتسم وفي عينيك ألف دمعة”!

فهل هنالك منطق في أن نبتسم وأن نصبر، ونحن نستشيط غيظا من كلام جارح خرج بعفوية من فم اعتاد على التهام محدثيه وبلعهم، بلغة التسفيه والتحقير؟ وهل يعقل أن تسمح الشجرة المغلوبة على أمرها للحطاب، بأن يستظل بظلها ردحا من الزمن ليقطعها إربا في النهاية؟

الخطاب السلبي الذي يفرضه علينا بعض من الموروث، ما زال يتسبب بمزيد من التعقيد، فالاستسلام وتبني فعل التسامح غير المشروط مع من لا يستحقه، قد يبيح أفعاله ويشجعه على تكرارها بحرفية على مزيد من (المتسامحين).

تذهب بعض نظريات علم النفس، إلى أن لفعل التسامح تأثير الدواء لعديد من الأمراض النفسية، فالأشخاص الذين تعودوا على التسامح هم أقل انفعالا من غيرهم، حيث تخف لديهم أعراض الغضب والقلق النفسي، في حين ينعم المتسامحون براحة البال للأبد!

لكن بعض الأبحاث الحديثة تؤكد -أيضا- أن مرور بعض الناس في صحارى حياتنا بجواد كلماتهم الجامح، هو المدخل الحقيقي لأمراض وانفعالات نفسية قد تطول قائمتها، كالغضب المكبوت والاكتئاب المزمن والتوتر النفسي المتأتي من عجزنا على إزاحة هؤلاء من طريقنا أو تجنب مواقف الصدفة التي تجمعنا بهم على غير موعد، مع إصرارهم على تكرار أقوالهم وأفعالهم المقيتة. وهذا هو الاختبار العسير الذي يحيل نهاراتنا الساكنة إلى عواصف رملية لا تهدأ.

فلماذا لا يعي هؤلاء أن الأمر لا يتعلق بهم وحدهم، وأن العالم مليئ بغيرهم من البشر وأن الشمس تشرق كل صباح بالتساوي على الجميع من دون تمييز، وأنهم في حاجة إلى مراقبة أقوالهم وأفعالهم، كي لا تصيبهم نيران سقطت سهوا من مرجل غاضب.

الزعيم نيلسون مانديلا، الذي كان عنوانا للتسامح والعفو ونبذ العنف، كان ينظر إلى (فعل) التسامح بمنظاره الخاص، حيث تنبه إلى أن “التسامح الحق لا يستلزم نسيان الماضي بالكامل”.

فمن يتغاضى عن إساءات الماضي عليه أن يتحمل جراح الحاضر.

21